الاتحاد

الملحق الثقافي

عزلة الكائن

رسم تخيُّلي عن رواية حي بن يقظان (أرشيفية)

رسم تخيُّلي عن رواية حي بن يقظان (أرشيفية)

د. العادل خضر

يعتبر نقّاد السّينما أنّ فيلم (المنبوذ -Cast Away)، للمخرج روبرت زيميكيس، وبطولة توم هانكس، يمثّل الصّيغة السّينمائيّة الحديثة لرواية (دانيال ديفو Daniel Dufoe) الشّهيرة: روبنسون كروزو. وبطل هذا الفيلم ليس بحّارا مغامرا كسلفه روبنسون كروزو، إنّما هو موظّف في شركة طيران (فيداكس - Fedex)، يدعى (تشاك نولاند -Chuck Noland)، دُعِيَ ليطير في المساء في رحلة استعجاليّة إلى ماليزيا، ليلة عيد ميلاد المسيح، وقد كان يحتفل به وقتئذ مع خطيبته رفقة عائلتها. وغادر تشاك لوس أنجلوس على متن طائرة صغيرة في سفرة كان من المفروض أن تدوم أربعة أيّام، يعود بعدها ليحتفل برأس السّنة مع خطيبته. غير أنّه أثناء الطّيران فوق المحيط الهادي ضرب البرق بشدّة، فأصيب المحرّك بعطب خَطِرٍ، نجم عنه سقوط الطّائرة وتحطّمها بمن فيها من طاقم وما فيها من حمولة. فلم ينج أحد إلاّ تشاك، الّذي وجد نفسه في إحدى جزر (فيدجي îles Fidji)، من المحيط الهادي، الخالية المهجورة، لا أنيس فيها ولا رفيق، وقد أحيط بحواجز طبيعيّة من الصّخور المرجانيّة. وإذا كان روبنسون كروزو قد فاز برفيق بشريّ هو (جمعة)، فإنّ تشاك لم يجد شيئاً يرافقه سوى كرة طائرة سمّاها ويلسون. وخلال أربع سنوات متتاليات حاول تشاك أن يتكيّف مع الطّبيعة القاسية ويواجه محنة العزلة الرّهيبة، قبل أن يتمكّن من عبور المحيط في قارب والعودة إلى دياره.


من الطّريف أن يُترجم عنوان الفيلم الإنجليزيّ Cast Away في النّسخة الفرنسيّة بعبارة (Seul au monde)، أي (وحيد في العالم) أو (وحدي في العالم). وهي العبارة نفسها الّتي افتتح بها الفيلسوف الفرنسيّ الرّاحل جاك دريدا Jacques Derrida آخر ندوة قدّمها في مدرسة الدّراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة بباريس. وكانت بعنوان (الوحش والعاهل - La bête et le souverain)، وقد دامت ثلاث سنوات من خريف 2001 إلى ربيع 2003، وصدرت بعد موته في مجلّدين ضخمين.

ما هي الجزيرة؟
افتتح جاك دريدا الحصّة الأولى (بتاريخ 11 ديسمبر 2002) بهذه الجملة (أنا وحيد «ة»). ولكنّه بعد أن يربطها بجملة أخرى (أنا سئمت) يتساءل: هل كان روبنسون كروزو يشعر بالسّأم؟ وهل كان وحيداً، هذا الرّجلُ؟ لأنّه على حدّ علمه لم يُكتب شيء عن امرأة وحيدة، مثل جزيرة، في جزيرة. ثمّ وهو يستعيد الجملة الّتي بدأ بها النّدوة نراه يكملها بكلمة أخرى فتصبح «أنا وحيد في العالم»، كأنّه يرجّع مثل الصّدى عنوان الفيلم Cast Away، (وحيد في العالم). فبهذه الطّريقة، أو بهذا البروتوكول الّذي يتوخّاه دائما دريدا في ندواته أو مقالاته، ببعثرة بعض الكلمات واستقبالها مثل رمية النّرد، يهيّئ سامعيه لتلقّي المسائل الّتي سيطرقها. وهو حين يشرع في تقليب عبارة (أنا وحيد في العالم) على وجوه شتّى، فإنّه بهذا المسلك يحدّد موضوع ندوته. وقد اختار في تلك السّنة أن يكون موضوعها حديثا عن العالم بكلّ معانيه، وكلّ العوالم. بعد ذلك يطرح السّؤال الّذي يعنينا: ما هي الجزيرة؟
لا يجيب دريدا على نحو مباشر عن هذا السّؤال، لأنّ الجزيرة ليست ماهيّة حتّى نجيب بقولنا «الجزيرة هي...»، وإنّما هي مرتبطة بمسألة العالم. فأن يكون الإنسان في جزيرة (خالية من البشر) يعني أنّه وحيد في العالم. بخلاف الوحوش، فهي ليست وحيدة. فهذه الجملة: (الوحوش ليست وحيدة) تدلّ على أنّ علاقة الإنسان بالعالم مختلفة تماماً عن علاقة الحيوان أو الحجارة به. ويحيل دريدا بهذا الاختلاف بين الكيانات على ندوة قديمة للفيلسوف الألماني مارتن هيدغر عقدها سنة (1929-1930)، وصدرت بعد ذلك في كتاب بعنوان «متصوّرات الميتافيزيقا الأساسيّة: العالم والتّناهي، والوحدة». وفيها صاغ هيدغر العلاقات المختلفة الّتي يعقدها الجماد كالحجر، والحيوان والإنسان بالعالم، في عبارة جامعة تقول: «الحجر لا (عالم) له، والحيوان فقير من (العالم)، والإنسان يصوغ (العالم)». فإذا كانت الوحوش لا تشعر بالعزلة ولا بالوحشة بما أنّ (الوحوش ليست وحيدة)، فإنّ الإنسان، في المقابل، هو الكائن الوحيد الّذي يشعر بالوحدة، أو يعي بأنّه (وحيد في العالم). فرغم أنّ الإنسان والحيوان يقيمان في نفس العالم، فإنّ تجربتهما الموضوعيّة في العالم مختلفة على نحو جذريّ. فهما يقيمان في عالم واحد ولكن بتجربتين مختلفتين. وهذا يُفضي إلى أنّ الإنسان والحيوان لا يسكنان في نفس العالم، فهما لا يُقيمان فيه بنفس الطّريقة، لأنّ عالم الإنسان لا يطابق عالم الحيوان. ورغم وجوه التّشابه والاختلاف، فإنّ الحيوان بأنواعه المختلفة والإنسان بثقافاته المتنوّعة يعيش كلاهما في عالمين لا يمكن لأيّ طرف منهما أن يقيم في عالم الآخر. فالحدود بين عالم الإنسان والحيوان منيعة يستحيل اختراقها، وإن كان القاسم المشترك بينهما هو أنّهما من الكائنات الحيّة الّتي تخوض بطرق مختلفة تجربة الموت.
هذه التّجربة، أي تجربة الموت، قد خاضها روبنسون كروزو في بداية محنته بهلع شديد. فقد ورد ذكر الموت عدّة مرّات في الصّفحة الأولى من اليوميّات الّتي شرع في كتابتها. يقول: «أنا، المسكين البائس، روبنسون كروزو، بعد عاصفة هوجاء وغرق طاقم السّفينة في البحر، بلغت هذه الجزيرة المنكوبة نصف ميّت، هذه الجزيرة الّتي سمّيتها (جزيرة اليأس). وقد أمضيت بقية اليوم مغتمّا لما أصابني من النّكبات وما آلت إليه حالي الزّريّة من البؤس، لا مأكل ولا مأوى، ولا ملبس، ولا سلاح، ولا ملجأ يقيني، ولا شيء ينجّيني، فلا أرى أمامي شيئاً سوى الموت، إمّا أن أكون لقمة سائغة للوحوش، وإما أن أكون قتيل المتوحّشين، وإما أن يُهلكني الجوع. وعند حلول الظّلام، أصعد شجرة مخافة السّباع، وأنام نوماً عميقاً رغم تهاطل المطر طوال اللّيل». ففي هذا الشّاهد نجد كلّ العناصر الّتي من شأنها أن تعرّف بلفظ (الجزيرة). فعندما يذكر روبنسون كروزو (الحيوانات المفترسة)، والمخلوقات البشريّة المتوحّشة، ثمّ يختزل وجود الرّاوي، كاتب اليوميات، اختزالاً يبلغ حدّ الحالة الطّبيعيّة، شبه الحيوانيّة، لأنّه بلا مأوى، ولا ثياب، ولا سلاح، لا حارس يحرسه، فينام على شجرة خوفاً من السّباع والوحوش الضّارية، فإنّ الجزيرة تعني ها هنا أنّ (الإنسان وحيد في العالم)، وهو بسبب تلك العزلة والوحدة قد أضحى، ولو إلى حين، في وضع (الحيوان الفقير من العالم) حسب عبارة هيدغر، مقارنةً بعالم الإنسان. ولكنّه، عندما يتمكّن بعد إقامة طويلة في الجزيرة من بناء مسكنه، وزراعة الأرض وترويض الحيوان، يستعيد علاقته الأصليّة بالعالم بوصفه إنساناً صانعاً للعالم، لا مجرّد (حيوان فقير من العالم)، أو (حجر بلا عالم). فأن يكون الإنسان وحيداً في العالم فهذا يجعله بالضّرورة مفارقاً للوحوش الّتي تجهل الوحدة لأنّها (ليست وحيدة في العالم). أمّا أن يكون الإنسان وحيداً في الجزيرة فإنّ إحساسه الفظيع بالوحدة هو وعي حادّ بأنّ عالمه قد تقلّص وتخطّى حدود عالمه الإنسانيّ، وانتقل إلى عالم الحيوان. فوجود الإنسان في الجزيرة يؤكّد أنّه بين عالمين، وفي منزلة بين المنزلتين، وفي المكان الّذي من المفروض أن لا يكون فيه.
هذا الوضع المأزوم الّذي يكون فيه الإنسان واعيا بأنّه في غير فضائه، بأنّه وحيد في العالم، لا ينشأ إلاّ إذا كان المرء في جزيرة، أي في جزيرة خالية من الإنسان. فمثل هذا الفضاء ينبئ بأنّ عالم الإنسان قد انتقل إلى فضاء آخر غير بشريّ، فضاء الحيوان الفقير من العالم.

وحدة سندباديّة
مثل هذا الفقر من العالم لا يخصّ الحيوان مطلقاً، إذ نلمحه في تجارب قصصيّة أخرى مثل (رحلات السّندباد) في حكايات ألف ليلة وليلة. فهذا الرّحالة المُصاب بـ(داء الرّحيل)، قد خاض عباب البحر كامل حياته، وغرق عدّة مرّات، وألقته المقادير وأمواج البحر في جزر شتّى. وكان في كلّ مرّة يخوض تجربة (الحيوان الفقير من العالم) قبل أن يسعفه الحظّ فينقذه بحّارة سفينة مرّت بالجزيرة على وجه الصّدفة. ففي السَّفرة الأولى أرست الرّيح والأمواج بالسّندباد «تحت جزيرة عالية وفيها أشجار مطلّة على البحر، فمسكت فرعاً من شجرة عالية، وتعلّقت به بعدما أشرفت على الهلاك، وتمسّكت به إلى أن طلعت إلى الجزيرة، فوجدت في رجلي خدلاً وأثّر أكل السّمك في بطونهما، ولم أشعر بذلك من شدّة ما كنت فيه من الكرب والتّعب، وقد ارتميت في الجزيرة، وأنا مثل الميّت وغبت عن وجودي وغرقت في دهشتي، ولم أزل على هذه الحالة إلى ثاني يوم وقد طلعت الشّمس عليّ. وانتبهت في الجزيرة فوجدت رجليّ قد تورمتا، فسرت حزيناً على ما أنا فيه، فتارة أزحف، وتارة أحبو (كذا) على ركبي. وكان في الجزيرة فواكه كثيرة وعيون ماء عذب، فصرت آكل من تلك الفواكه، ولم أزل على هذه الحالة مدّة أيّام وليالٍ، فتنعنشتْ (كذا) نفسي، وردّت لي روحي، وقويت حركتي». (ألف ليلة وليلة، طبعة بولاق، ص84-85).
إنّ هذا المشهد الّذي يجد فيه السّندباد نفسه وحيداً في الجزيرة متكرّر في معظم سفراته بتنويعات تدور على نفس الغرض، وهو «أنا وحيد في العالم». وهو غرض يعتبر من منظور (نظريّة العوالم الممكنة) ممثّلا لعالم ذي عون واحد، أي لعالم قصصيّ ممكن متكوّن من شخصيّة واحدة على غرار رواية روبنسون كروزو ذات البطل الوحيد الّذي لم يؤنسه أحد طوال مغامرة الوحدة. وما ظهور شخصيّة (جمعة) في أواخر فصول الرّواية إلاّ إيذاناً ببلوغها طورها النّهائيّ. غير أنّ هذا الغرض لم يستقلّ بذاته في رحلات السّندباد، لأنّه لم يمثّل سوى حال من أحوال البطل المتأزّمة سرعان ما تزول بالعثور مجدّدا على البشر. ولا نجد في الأدب العربي هذا النّوع من القصص ذي البطل الوحيد إلاّ في قصّة حيّ بن يقظان الفلسفيّة الّتي ألّفها أبوبكر بن طفيل (1110-1185). وهي قصّة لها أشباه ونظائر أخرى، تحمل أسماء مؤلّفين آخرين من كبار الفلاسفة كابن سينا والسّهروردي وابن النّفيس. وبطل هذه القصّة أقرب في الحقيقة إلى شخصيّة ماوكلي، فتى الغابات، في أقاصيص (كتاب الغاب) الّذي ألّفه روديارد كيبلينغ Rudyard Kipling، منه إلى شخصيّة روبنسون، وإن كان دانيال ديفو قد اطّلع، في رأي المتخصّصين في أدبه، على قصّة (حيّ بن يقظان) لابن طفيل، وكانت مصدراً من مصادره المعتمدة في تأليف روايته الشّهيرة. فكلا البطلين، حيّ بن يقظان وماوكلي، قد تربّيا بين الوحوش، أي في فضاء (الحيوان الفقير من العالم). غير أنّ ما يميّز حيّ عن ماوكلي أنّه ولد في جزيرة عامرة بالنّاس، ثمّ وضعته أمّه في تابوت بعد أن أرضعته، وألقته في اليمّ، مكرّرة بذاك الصّنيع ما فعلته أمّ موسى في القصّة القرآنيّة. فحمله مدّ المياه وجزرها إلى جزيرة أخرى خالية من البشر. فهو منذ أيّامه الأولى كان يمثّل غرض (الإنسان الوحيد في العالم). وهو في هذا يشبه روبنسون كروزو والسّندباد اللّذين بمجرّد حلولهما في الجزيرة صارا في وضعيّة (الحيوان الفقير من العالم). يؤكّد ذلك حضور الظّبية في قصّة (حيّ بن يقظان) الّتي استقبلته منذ وصوله إلى الجزيرة «ثمّ قذفت به في اليمّ، فصادف ذلك جري الماء بقوّة المدّ، فاحتمله من ساعته إلى ساحل الجزيرة الأخرى [...] فأدخله الماء بقوّته إلى أجمة ملتفّة الشّجر عذبة التّربة مستورة عن الرّياح والمطر، [...] ثمّ أخذ الماء في النّقص والجَْزر عن التّابوت الّذي فيه الطّفل، وبقي التّابوت في ذلك الموضع، وعلت الرّمال بهبوب الرّياح، وتراكمت بعد ذلك حتّى سدّت باب الأجمة عن التّابوت [...] فلمّا اشتدّ الجوع بذلك الطّفل بكى، واستغاث وعالج التابوت بالحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها [...] قتتبّعت الصّوت وهي تتخيّل طلاها حتّى وصلت إلى التّابوت، ففحصت عنه بأظلافها، وهو ينوء ويئنّ بداخله، حتّى طار من التّابوت لوح من أعلاه. فحنت الظّبية وحنّت عليه، ورئمت به، وألقمته حلمتها، وأروته لبناً سائغاً، وما زالت تتعهّده وتربّيه وتدفع عنه الأذى». (ابن طفيل، حيّ بن يقظان، ص67).

من البشريّ إلى الإلهيّ
وبهذا المثال وأضرابه ممّا أوردنا نكون أمام ظاهرة أدبيّة يمكن تأويلها من منظور فلسفيّ سياسيّ. ذلك أنّ (الإنسان الوحيد في العالم) هو صيغة قصصيّة تخييليّة من الكائن المنعزل. فأن يوجد الإنسان وحيداً مفرداً رغم أنفه (إفراد البعير المعبّد)، وفي جزيرة، يعني أنّه قد خرج قسراً من الدّائرة البشريّة، وأصبح خارج الاستعمال، بعيداً عن (الاجتماع البشريّ). وقد حصل الخروج عن هذه الدّائرة بالعواصف والرّياح، أي بقوى هي في التّصوّرات القديمة ممثّلة لعبث الأقدار. وفي حالة حيّ بن يقظان جرى الخروج من الدّائرة البشريّة إلى الدّائرة الإلهيّة على نحو صريح. فقبل أن تلقي أمّ حيّ ابنها في اليمّ «ودّعته وقالت: اللّهمّ إنّك خلقت هذا الطّفل ولم يكن شيئاً مذكوراً، وتكفّلت به حتّى تمّ واستوى، وأنا قد سلّمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفاً من هذا الملك الغشوم الجبّار العنيد. فكن له ولا تسلمه، يا أرحم الرّاحمين» (ابن طفيل، حيّ بن يقظان، ص.ص66-67). وبهذا الدّعاء يكون الطّفل قد نُذر وصار في حوزة الدّائرة الإلهيّة المقدّسة، وأصبح حيّ بن يقظان بالنّذر (إنساناً مقدّساً). وهو لفظ نترجم به المصطلح القانونيّ الرّومانيّ القديم (Homo sacer - هومو ساكر) ترجمة حرفيّة مقصودة. فمفهوم (الإنسان المقدّس) معقّد بشهادة الفيلسوف الإيطالي (جورجيو آقمبن - Agamben Giorgio) الّذي أحيا هذا المصطلح وأعاد استخدامه على نحو خصيب في مجال الفلسفة السّياسيّة المعاصرة. فهو يعرّفه بكونه ذاك الإنسان الّذي يمكن قتله دون أن نقترف بقتله أيّ جرم، ولكنّه أيضاً الإنسان الّذي لا يمكن التّضحية بقتله في أيّ شكل من أشكال القتل الطّقوسيّة. فـ(الإنسان المقدّس) هو الّذي بُذل جسمه البيولوجيّ على نحو سافر، دون أدنى وساطة قانونيّة أو شرعيّة، لقوّة التّأديب وقسوة العزل وقساوة الموت. ويمكن أن نلاحظ ما في لفظ (مقدّس) من غموض. فنعت (sacer) هو لفظ من الأضداد. فهو يعني (المنذور إلى الآلهة) وكذلك (الملعون، المنبوذ من الجماعة). ولا يعود هذا الغموض إلى لبس جوهريّ في اللّفظ، وإنّما هو غموض ملازم مكوّن لعمليّة (profaner) ونقيضها عمليّة (Consacrer – Sacrare). لفظ (profaner) يكافئه معنى الحِلّ والمُحِلّ في الفكر العربي والسّامي القديم. فـ(الحِلّ) هي حالة الإنسان العاديّة، أو حالة الإنسان الدّنيويّ، أو الّذي عاد إلى دنيويّته بعد خروجه من حالة الإحرام. أمّا لفظ (Consacrer – Sacrare) فيكافئه نعت محرّم، وهي حالة الإنسان الذي أصبح في حالة من الإحرام أو في حالة المُحْرم الّتي يدخل فيها الإنسان في شرط الإحرام. وهو شرط يُخضع فيه الإنسان أعماله لمعايير الإحرام، فينقطع إلى حين عن دنيويّته، فيفارق مجال الحِلِّ ما إن يبدأ بالمشاركة في طقوس الحجّ في الأشهر الحُرُم.
في هذا السّياق يذكّر جورجيو آقمبن أنّ لفظ (Sacrare) يعني في اللاّتينيّة (فصل). فما هو المقدّس؟ هو ذاك الّذي بعمليّة الفصل قد انسحب من استعمال النّاس، أو فضاء الاستعمال العامّ. بيد أنّ رجال القانون الرّومانيّين كانوا يعلمون حقّ العلم ما يعنيه لفظ (profaner). فالأشياء الّتي كانت بحوزة الآلهة إنّما هي مقدّسة أو دينيّة. ولمّا كانت هي كذلك فقد خرجت من مجال الاستعمال، وانفصلت عن مجال المبادلات والتّجارة، فتعذّر بيعها أو شراؤها، وبطلت إعارتها ولو بالمواثيق ورهنها ولو بالعهود. فتعطّل بذاك الانفصال استعمالها. وبذلك اعتُبر انتهاكُ هذا الضّرب من الأشياء الموسومة بانفصالها عن مجال البشر والمختومة بالتّوقيف الإلهي جريرةً من الجرائر وكبيرةً من الكبائر. وإذا كان لفظ (Consacrer – Sacrare) يعني خروج الأشياء من دائرة القانون البشريّ بما يجعلها محرّمة على البشر، فإنّ لفظ (profaner) يعني عودة الأشياء إلى استخدام النّاس المعهود الحرّ، فهي في حلّ من كلّ قيد وشرط يربطها بدائرة القانون الإلهيّ. وعلى هذا النّحو ليس (الإنسان المقدّس) نتاج الطّقس المقدّس فحسب، وإنّما هو ذاك الّذي تمتّع بطقس العبور إلى الدّائرة الإلهيّة، فأمست عودته إلى الدّائرة البشريّة، أو الاستعمال البشريّ، أو المعيار البشريّ، غير مألوفة ولا معهودة. فـ(الإنسان المقدّس) لا يعارض دائرة المقدّس الإلهيّ، وإنّما صورة الإنسان العاديّ. فذاك الّذي عَبَرَ دائرة الإلهي بالطّقس (Sacrare) فصار مقدّساً، ثمّ عاد، خيالياً، بعمليّة (profaner) إلى الدّائرة البشريّة لم يعد بمقدوره أن يكون سويّاً بما يوافق المعيار والطّراز البشريّين، ولا عاد بالإمكان استعادته من جديد للاستعمال. فهو من جرّاء ذلك قد حلّ دمه دون أن يطال العقاب قاتله.
غير أنّ نهاية روبنسون كروزو في الرّواية، ونهاية السّندباد في خاتمة كلّ سفرة، ونهاية تشاك نولاند في فيلم (المنبوذ - Cast Away)، تشهد على أنّ هؤلاء الأبطال جميعاً قد عادوا إلى الدّائرة البشريّة سالمين من الهلاك، بعد أن خاضوا تجربة الموت القاسية. وهي عودة يمكن تفسيرها من منظور أجهزة المناعة الرّمزيّة. فالسّليم في اللّغة لفظ من الأضداد يعني اللّديغ الّذي سَلَمَتْه الحيّة ولدغته، أو الجريح المشرف على الهلاك. ولا يُسمّى اللّديغ بذلك الاسم تطيّراً، ولكنّه يُسمّى سليماً تفاؤلاً بالسّلامة. وتعكس تجربة (الإنسان الوحيد في العالم) تجربة السّالم الدّينيّة على نحو عجيب. فهي تجري كما في البيولوجيا بتدمير قوى المناعة الحامية للجسم، أو بتدمير ما يحمي الجسم حماية ذاتية طلباً للوقاية والاتّقاء من نفس القوى الدّفاعيّة الّتي تحمي الجسم. فالإنسان في هذه التّجربة يتجرّد من شخصه، فلا أحد يناديه باسمه، ويفقد لسانه النّاطق، فلا يجد من يخاطبه سوى الحيوان الأعجم. أو لم يكن الببّغاء في (جزيرة اليأس) هو أوّل مخلوق في الجزيرة، قبل مجيء (جمعة)، كلّم روبسون كروزو بهذه العبارة: «روبين، يا روبين كروزو، روبنسون كروزو المسكين! أين أنت؟ أين ذهبت؟». أليس الببّغاء هو الصّوت الحيوانيّ الّذي ما فتئ يذكّر روبنسون بأنّه ما زال في حالة (الحيوان الفقير من العالم)، هذا الحيوان الّذي أتى ليحميه من الجنون، ويقيه من صحراء الكلام؟ إنّ لفظ السّليم بمعنييه من ألفاظ معجم المناعة، ولكنّها تترجم تجربة هجر، حيث تجد فيها الذّات نفسها عارية لمّا فقدت صلتها بمن كان يحميها، وبما كان يضمن سلامتها. فهي تجربة الكائن المنعزل وقد مُحي من أُفقه حضور الآخر المطلق لمّا فَقَدَ كلّ ما كان يصله به.

«وحيد في العالم»
لا يجيب دريدا على نحو مباشر عن سؤال «ما هي الجزيرة؟»، لأنّ الجزيرة ليست ماهيّة حتّى نجيب بقولنا: «الجزيرة هي...»، وإنّما هي مرتبطة بمسألة العالم. فأن يكون الإنسان في جزيرة «خالية من البشر» يعني أنّه وحيد في العالم. بخلاف الوحوش، فهي ليست وحيدة. فهذه الجملة: «الوحوش ليست وحيدة» تدلّ على أنّ علاقة الإنسان بالعالم مختلفة تماماً عن علاقة الحيوان أو الحجارة به. ويحيل دريدا بهذا الاختلاف بين الكيانات على ندوة قديمة للفيلسوف الألماني مارتن هيدغر عقدها سنة (1929-1930)، وصدرت بعد ذلك في كتاب بعنوان «متصوّرات الميتافيزيقا الأساسيّة: العالم والتّناهي، والوحدة». وفيها صاغ هيدغر العلاقات المختلفة الّتي يعقدها الجماد كالحجر، والحيوان والإنسان بالعالم، في عبارة جامعة تقول: «الحجر لا (عالم) له، والحيوان فقير من (العالم)، والإنسان يصوغ (العالم)». فإذا كانت الوحوش لا تشعر بالعزلة ولا بالوحشة بما أنّ «الوحوش ليست وحيدة»، فإنّ الإنسان، في المقابل، هو الكائن الوحيد الّذي يشعر بالوحدة، أو يعي بأنّه «وحيد في العالم».

معنى المقدَّس
الفيلسوف الإيطالي جورجيو آقمبن الذي أحيا مصطلح «الإنسان المقدَّس»، وأعاد استخدامه على نحو خصيب في مجال الفلسفة السّياسيّة المعاصرة، يعرّفه بكونه ذاك الإنسان الّذي يمكن قتله دون أن نقترف بقتله أيّ جرم، ولكنّه أيضاً الإنسان الّذي لا يمكن التّضحية بقتله في أيّ شكل من أشكال القتل الطّقوسيّة. فـ«الإنسان المقدّس» هو الّذي بُذل جسمه البيولوجيّ على نحو سافر، دون أدنى وساطة قانونيّة أو شرعيّة، لقوّة التّأديب وقسوة العزل وقساوة الموت.

اقرأ أيضا