صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الإمارات الحاضنة الشرعية للقوة الناعمة العربية

أحد عروض أوبرا دبي (أرشيفية)

أحد عروض أوبرا دبي (أرشيفية)

اعتبر مثقفون عرب أن فكرة إنشاء قنوات ثقافية متخصصة تنطلق من دولة الإمارات، «قفزة واسعة» في حضورها الثقافي المتوهج، عربياً وعالمياً، وثمة إجماع بأن الإمارات بثقلها وحضورها وإمكاناتها الكبيرة هي التي يمكن لها ملء هذا الفراغ والدخول بقوة إلى مضمار بات هو الآن أهم عناصر «القوة الناعمة» في الوقت الراهن.
وجهة نظر تخصصية بحت، من واقع نظريات الإعلام وعلوم الاتصال، طرحتها الدكتورة سحر غريب (المدرس بقسم علوم الاتصال والإعلام، كلية الآداب جامعة عين شمس بمصر)، والتي أكدت أن إطلاق قنوات فضائية متخصصة أمر لا مفر منه في الوقت الراهن لأي دولة تريد الوجود على الساحة الإعلامية والدولية، والتواصل مع مواطنيها في داخل الدولة أو خارجها، خاصة مع انتشار القنوات الأخرى «المجهولة» التي يتم إطلاقها وبثها من قبل جهات معلومة وغير معلومة لأهداف معلنة وأخرى مستترة.
هذا في ما يخص إطلاق القنوات الفضائية عامة، تقول سحر غريب، أما إذا أضفنا أن تكون هذه الفضائية مخصصة للثقافة تضاعفت الأهمية والضرورة، وتوضح غريب أن «الثقافة» تعد من أصعب التخصصات التي يمكن أن تتصدى لها أي قناة، لأنها مادة بطبيعتها قد تبتعد عن الإثارة والتشويق، إذا لم يتم صياغتها في قوالب جاذبة للجمهور المتلقي، خاصة مع انتشار القنوات الفضائية في التخصصات المختلفة سواء الرياضية أو الفنية أو الدرامية أو غيرها
وتضيف غريب: «من هنا يمكن القول إن إطلاق دولة الإمارات لقنوات ثقافية متخصصة هو أمر في غاية الأهمية، بل الضرورة حيث يساعدها على نقل تراثها وثقافتها للمواطن الإماراتي والعربي وأيضاً الأجنبي، وذلك في ظل الدور الرائد الذي تلعبه الإمارات في مجال الثقافة المحلية والعربية، وبخاصة في ظل ارتفاع معدلات الاغتراب الثقافي الذي يعيشه المواطن العربي بسبب انتشار القنوات الفضائية العربية والأجنبية التي تحمل مضامين قد تصطدم بأبرز مقومات ثقافتنا العربية».

ثقافة جادة ومستنيرة
الباحث والخبير في التراث الثقافي، الدكتور يسري عبد الغني (مصر)، كان ترحيبه بالفكرة لافتاً، وحيثياته التي قدمها تسير في طريق دعم الفكرة وضرورة تجسيدها، يرى عبد الغني أن «المسألة تتعلق أساساً بما يمكن أن تقدمه هذه القنوات من ثقافة جادة واعية مستنيرة تفهم ماذا تعني الثقافة، وما هو دورها في التنمية والترقي والتحضر وقبول الآخر واحترام الرأي والرأي المغاير».
وإذا كانت الفكرة في حد ذاتها أمر محمود، بل مطلوب، ونطالب به كل من يجد نفسه القدرة على ذلك، فإن التطلع إلى الإمارات العربية الشقيقة لتأسيس قنوات ثقافية متخصصة «أمر رائع»، يقول عبد الغني، فـ«الإمارات تقوم بدور واضح للجميع في المشهد الثقافي على كل الأصعدة، المجلات، الصحف، المؤتمرات، المنتديات، مراكز الأبحاث، المسابقات، الجوائز الأدبية.. إلخ، كل ذلك يجعلنا نثق فيما ستقدمه بكل ما تمتلكه من إمكانات وخبرات».
ويتابع الخبير الثقافي: «أضف إلى ذلك وفقاً لمعرفتي بالعديد من أهل الرأي والفكر والإبداع في الإمارات الشقيقة، أن الإمارات تمتلك أيضاً الاستراتيجيات المدعومة برؤى علمية تواكب المستجدات المعاصرة، والتي بإدراكنا لها نستطيع أن نقدم منتجاً ثقافياً حقيقياً، وهي أيضاً بما تمتلكه من قدرات وخبرات وعلاقات طيبة متوازنة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، يعطيها المصداقية الكاملة في قبول ما تقدمه من منتج ثقافي بناء».

السعي الثقافي
ويقول الدكتور أحمد عادل عمار، أستاذ الأدب الحديث بكلية الآداب جامعة القاهرة، إن الثقافة لم تعد ترفاً أو رفاهية أو طريقاً يسير فيه الراغبون لمجرد الحصول على لقب مثقف أو مطلع أو خبير أو حتى عالم، لقد أصبح «السعي الثقافي» فرضاً على أي شعب في وطن يريد بناء نفسه على الحقيقة، مقروناً بالتعليم..
ويوضح عمار: «هذا ما وعته الدولة الإماراتية، وخطت فيه خطوات غير مسبوقة، ومنها صدور قانون للقراءة لأول مرة في عالمنا العربي، قانون يصدر في ظل وعي محموم بأن المعرفة ولا شيء آخر سوى المعرفة هو السبيل إلى المستقبل». ويضيف: «ولهذا، أجدني متحمساً غاية الحماس لطرح فكرة إطلاق قنوات ثقافية متخصصة من الإمارات، التي هي الآن الوسيلة الأولى للوصول إلى أكبر قطاع ممكن من المشاهدين».
ثقافية برؤية جديدة
تقول الروائية والناقدة المغربية الدكتورة زهور كرام: «الإمارات لم تعد تعمل بمفهوم الجودة، إنما التميُّز. لهذا، فمشروعها في القراءة يدخل في طرحها الذي لاشك أنه سيميزها عن التجارب الأخرى، شريطة تفعيل التميّز، وجعله تميزاً فكرياً، كما أن أفق الإمارات غير محلي، إنما هو عربي. إنها تجربة تنطلق من مشروع مكتمل له أبعاد مستقبلية، وهذا ما يُميز التجربة، ويجعلها مسؤولية جميع العرب المؤمنين بهذا الأفق».
وتواصل الدكتورة زهور كرام قائلة: «إطلاق قنوات ثقافية يتطلب وضع استراتيجية تُجيب عن الأسئلة التالية: ماذا نريد من الثقافة اليوم؟ ماذا نعني بالثقافة اليوم؟ بأي لغة (لا أقصد العربية هنا إنما مستويات التبليغ) نتحدث عن/‏‏ بالثقافة؟ ما الجمهور المُستفيد من القنوات؟ هل النخبة فقط؟ وهل مفهوم النخبة لا يزال هو نفسه، حتى نُفكر به؟ كيف نجعل الشباب العربي جمهوراً للقنوات الثقافية؟ وكيف نستقطب الجمهور الأجنبي إلى قنواتنا الثقافية؟ وماذا سنقدم لهذا الجمهور كثقافة تُعبر عن العقل العربي حتى تُساهم في إزاحة التصورات المألوفة حول العرب؟ بل، كيف يمكن أن تؤسس هذه القنوات بتصورها الثقافي الجديد علاقات حوارية بين المجتمعات العربية، بعيداً عن التصورات النمطية؟ تلك عينة من الأسئلة التي من المُفترض أن تكون حاضرة عند التفكير في وضع استراتيجية القنوات الثقافية. الثقافة المتنورة ليست ترفاً زائداً عن الحاجة، بل هي ضرورة حضارية لخلق المواطن المؤمن بقيم التعايش والتضامن والانفتاح على الآخر».
الارتقاء بالإنسان العربي
الشاعر والناقد المغربي عبد السلام المساوي، يقول: «بالنظر إلى الجهود الدائبة والحيوية التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة في كل مناحي الحياة الثقافية، فإن هذه الجهود تبوئها مكان الصدارة في المنطقة العربية».
وانطلاقاً من ذلك، يضيف المساوي: «نأمل أن تعمد دولة الإمارات المتحدة إلى إطلاق قنوات ثقافية متخصصة، يكون من أهدافها مواكبة الجهود الثقافية المبذولة والتعريف بها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تكون هذه القنوات منبراً للتنوير والتوعية وتقديم البرامج الثقافية والفنية والعلمية المكملة للدور الذي تلعبه المشاريع الأخرى في أفق تحقيق الأهداف المنشودة. ومراهنتنا هذه على دولة الإمارات مبررة بوعي مسؤوليها بالقيمة الاعتبارية للفعل الثقافي ودوره في الارتقاء بالإنسان العربي فكرياً وعلمياً وحضارياً».
ربط بين الثقافة والإعلام
من جانبه يقول الدكتور سعيد الناجي: «أعتقد أن ما ينقص في المشهد الثقافي العربي وجود قنوات فضائية ثقافية تواكب الحراك الثقافي، إذ إن الثقافة عالمياً لا تتحرك من دون آلة إعلامية قوية، وإذا تحقق هذا الطموح ستكون الإمارات أول بلد عربي يربط بين الثقافة والإعلام، ويجعل من الحراك الثقافي حراكاً إعلامياً يستطيع أن يؤدي دوره كاملاً في نشر الوعي والتنوير بين أجيال الشباب العربي».

مستمعة لثقافات العالم
يقول الكاتب الأردني قصي النسور: «لا شك أن عالمنا العربي لا يزال بحاجة شديدة للثقافة والمعرفة، وبالذات من خلال البث التلفزيوني، حيث نعرف جميعاً أن «البيت العربي والعائلة العربية» لا زالا يستمدان الكثير من معرفتهما من خلال التلفاز، وللأسف نلاحظ غلبة المحطات المفرغة من أي محتوى حقيقي عند المقارنة مع عدد المحطات الثقافية بشكل عام».
ويضيف: «لا أبالغ إذا قلت إن الإمارات العربية المتحدة تتصدر المشهد «الحداثي» في العالم العربي من منظور شامل، من الناحية العمرانية والاقتصادية وطريقة إدارة الدولة، وربما الأهم من هذا كله، الطريقة الاجتماعية المتحضرة التي من خلالها استطاعت الإمارات استقطاب كل أجناس البشر ودمجهم في مجتمع واحد وتوجيه طاقتهم نحو هدف واحد وهو الارتقاء بالإمارات.. لهذا كله وأكثر إن لم تكن الإمارات لا تصلح لإطلاق مثل هذا النوع من القنوات فلن يصلح أحد».
من جهته يؤيد الإعلامي والكاتب الأردني أنيس فوري فكرة أن تطلق الإمارات قنوات تهتم بالثقافة والإبداع والفكر، ويرى أن الإمارات تعد أهمّ رابط في منطقة الشرق الأوسط مع العالم، وتفوّقت في تمويل وإنجاح مشاريع ثقافية عديدة، وتعريب قنوات عالميّة واستضافتها، وفتح الباب للإبداع.
ويؤكد أن ما يميّز الإمارات هو أنها مستمعة جيدة لثقافات العالم. بل وحاضنة رئيسة لمشاريعهم الإبداعية وتمويلها ورعايتها، ولأن أيديولوجيتها مفتوحة على الجميع وليست إقصائية، كما أن مواقفها مع التطرف حازمة وواضحة.
ويضيف أنيس: «مهمة الإمارات في إطلاق قنوات مختصة بالثقافة والفكر ستكون لها نتائج باهرة عربياً وعالمياً، قنوات تعنى بتحجيم الصوت الراديكالي العقيم الذي ينشط في الآونة الأخيرة، وسيكون على هذه القنوات فتح الملفات المسببة للتجهيل ومناقشتها بصوت عالٍ ومنطقي، لتستطيع إيصال نموذج ثقافي فكري إبداعي عصري، يركز على نماذج أكثر انفتاحاً وأفكار حداثية تساعد الناس في لحاق ركب الحضارة القائمة.
أما الكاتب والمترجم الأردني عاصف الخالدي فيقول: «كإنسان وكاتب من الطبيعي أن أؤيد هذا الطرح. أما الأسباب، فتتعلق أولاً: بتأثير وقيمة الإعلام على الحركات الاجتماعية اليوم وسلوكياتها ورؤاها المستقبلية، خاصة أن الثقافة اليوم لم تعد محصورة في أرفف الكتب، الثقافة اليوم منتج إنساني عالمي ينتقل بكل بساطة بين أرجاء العالم، والثقافة اليوم مرنة ويومية، تستحق المتابعة والتجديد وبناء شبكة علاقات تفاعلية بينها وبين المتلقي والقارئ والمشاهد، خاصة في ظل كميات هائلة متوالية من المعلومات اليومية، وهذا يستحق برأيي وجود قنوات عاملة لأجل الثقافة تحديداً».

دور تنويري رائد
تقول الأكاديمية والمفكرة التونسية الدكتورة ألفة يوسف: «نعم، أؤيّد أن تطلق الإمارات قنوات متخصّصة تنفتح على الثّقافيّ بجميع صنوفه وضروبه». وتضيف: «أعتقد أنّ الإمارات هي الدّولة المؤهّلة اليوم بين العرب للقيام بهذا الدّور، ذلك أنّها تميّزت بالعدد الكبير من القرارات الجريئة من أجل تطوير الثّقافة، وترسيخ الفكر التّنويريّ. وعلى رأس هذه القوانين قانون القراءة. لأنّ القراءة غدت في علاقة تكامل مع الصّورة، لذلك فإنّ بعث قنوات مختصّة يمكن أن يساهم في التّعريف بالكتب والكتّاب والباحثين والمبدعين في جميع المجالات».
وتضيف: «هذه القنوات يجب أن تتميّز عن السّائد، بأن تضع نصب عينيها العلاقة الوثيقة بين التلفزيون والإنترنت، فكثير من الشباب لا يشاهد القنوات مباشرة، وإنما يشاهدها عبر الإنترنت. وأغلب القنوات الثّقافيّة (أو البرامج الثقافيّة) في العالم غدت تعتمد حصصاً قصيرة وسريعة، تجاري إيقاع العصر اللاهث، دون أن تهمل العمق المعرفيّ والرّصانة الفكريّة. وأعتقد أن هذه القنوات يمكن أن تراهن على الشّباب أساساً، بتعليمهم من جهة، وحملهم على التّفكير وإعمال العقل من جهة أخرى».
كسب معركة الصورة
الباحث والإعلامي والمحلل التونسي، منذر ثابت، يقول: «تتميّز السياسات العامّة للإمارات العربية المتحدة بعقلانية لافتة طبعت صورتها في الخارج، منذ أن فتحت حدود الدول على الفضاء المعولم وكان نهج العصرنة والتحديث منسجماً مع حرص القيادة الإماراتية على إحياء مقوّمات الهويّة والأصالة، والمؤكّد أنّ هكذا نهج يلاقي تفاعلاً في جلّ العواصم العربية من قطاعات واسعة من النخب الدّافعة نحو التقدّم والرّقيّ، والحاملة لمشروع التنوير الفكري والتأويل العقلاني لمفردات التراث، وملاءمته مع استحقاقات الثورة المعلوماتية والاتصالية».
ويضيف: «اعتباراً لأهمية المكاسب التي أنجزتها الإمارات على هذه المسارات الصعبة والمعقّدة، فإنّ الفضاء العربي، بما يتهدّده من مخاطر الإرهاب والتطرّف، وما يشهده من انتكاسات فكريّة وثقافيّة، يمثّل بلا منازع، فضاء فعل، على الإمارات ملأه، لتصليب عود النهج العقلاني المكافح من أجل مجتمع منفتح متسامح، محصّن ضدّ دهمائيات الأيديولوجية التكفيرية، ولعلّ مخرجات هكذا استحقاق واضحة بديهيّة، تمرّ أوّلاً وقبل كلّ شيء عبر بناء سد إعلاميّ لمواجهة بحور الظلام الساعية لإغراق شباب عربي متطلّع إلى التقدّم والرّقيّ. وإنّ تأسيس منظومة إعلامية موجّهة إلى العالم العربي، وإلى العالم متعدّدة الاختصاصات، ومنحازة للنهج الديموقراطي التنويري، أمر تحتّمه طبيعة المعركة الجارية في الفضاء العربي، وعلاقة بالنزعات الاستعمارية المستيقظة، والمهدّدة للكيان العربي. إنّ المعركة الإعلامية في تعدّد اختصاصاتها الاجتماعية والتربويّة والاقتصادية، تشكّل، متى تحقّقت لها الرّافعة المؤسّساتيّة، قوّة الدّفع لإحداث الفارق مع الجبهة الرّجعيّة، وتحصين الأمن القومي العربي من تهديدات التيّارات العنصريّة والاستعمارية الجديدة، المتنامية في الغرب، والمتحالفة موضوعيّاً مع نهج الردّة، من أنصار الحرفيّة في قراءة التراث، والرّوافض من المكفّرين للعقل المجدّد والمبدع. إنّ صياغة استراتيجية التأثير المباشر في مستطاع الإمارات وحلفائها من النخب التقدميّة في عموم العالم العربي».

ثروة العقل
الكاتب والإعلامي السوري زيد سفوك، يقول: «بحقائق دامغة وقراءة نقدية، أضع ما تشهده دولة الإمارات ضمن نظرية (التطور الثقافي بين ثروة العقل والمال)، ولا جدل في وضع الأمور ضمن نِصابها الحقيقي، فيما يخص التفرقة بينهما، فالثقافة النابعة من الإسلام المعتدل تشرح للإنسان، بشفافية طريقة النظر للحياة وربط التاريخ مع الحاضر، لبناء المستقبل، وفق أسس سليمة ووعي ناضج، وهذا ما فعله حُكام دولة الاتحاد، وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، واستمر بهِ أبناؤهُ، ليكونوا خير خلف لخير سلف، وما يميز دولة الإمارات أنها تمسكت بالقيم والأخلاق والعادات الأصيلة، وطورت الفكر مع تطورات الحياة، وهذا ما يضعها دائماً في المرتبة الأولى، وذاك هو التقييم الصحيح بحد ذاته. فدولة الاتحاد محط أنظار الغرب قبل العرب، وهذا ما يؤكده تهافت الكثيرين إليها، من مختلف الأديان والأعراق، وجعلها مركزهم الأساسي للتطور الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، ومنبع الأبحاث والدراسات المبنية على أسس سليمة وصحيحة، لتكون منبراً للأجيال القادمة، وبناء مستقبل تكون فيه الثقافة الحقيقية المبنية على نشر المحبة والسلام وتطوير الذات والمجتمعات من أهم أركان العيش المشترك، ونشر الثقافة الإنسانية ومساعدة المجتمعات، بنشر الثقافة التي برهنت وأكدت أن التطور الثقافي نابع من ثروة العقل السليم، التي بدورها تستمر بالنجاح والتطور».

حلم تحقق
يتحدث الكاتب والإعلامي التونسي حسونة المصباحي، قائلاً: «الإمارات العربية ذلك الحلم الكبير الذي تحقق، حيث تعوّدنا أن نسمع وأن نعاين بأن الأحلام الكبيرة صعبة التحقيق، إن لم تكن مستحيلة! لكن التاريخ يثبت أيضاً أن بعض الرجال قادرون على أن يجعلوا من الأحلام الكبيرة والمستحيلة أمراً واقعاً وملموساً... والإمارات العربية المتحدة حلم كبير تحقق على أرض الواقع بفضل رجل حكيم هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه».
ويضيف المصباحي: «ما يلفت الانتباه في الإمارات هو أن المشاريع العمرانية الهائلة تعاضدها مشاريع ثقافية عتيدة. وعندما تطرح فكرة أن تطلق الإمارات قنوات ثقافية لتغطية ما يقع من نشاطات وما يطبخ من أفكار، وما يعرض من مسرحيات وأفلام ولوحات، فإنها تكون قد ضمنت النجاح لمشروعها الثقافي الكبير، في زمن هيمنة الصورة ووسائل الإعلام الجديدة».

رسالة الإمارات التنويرية
يقول الكاتب والإعلامي الموريتاني مني بونعامة: تحمل دولة الإمارات العربية المتحدة مشعل الثقافة، وتنير للعالم دروبه المظلمة بالفكر المستنير، في وقت كثرت فيه الحرائق والفتن والمحن، كم أوجدت، قبل ذلك وبعده، قاعدة ثقافية قوية، بنت على أساس صلب منذ انعقاد الاتحاد المبارك على يد صانع الفرق المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وتعكس معارض الكتب والمهرجانات الثقافية والندوات العلمية، والمنتديات الثقافية والملتقيات الفكرية التي تقام في مختلف إمارات الدولة، في شتى صنوف الأدب والشعر والتشكيل والموسيقى والمسرح والسينما، حجم المكانة السامقة التي أصبحت تتبوؤها الإمارات إقليمياً وعربياً، ومستوى الحراك الثقافي المضطرد الذي تعيشه الدولة، بفضل السياسة الثقافية بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله. والحق أن قاعدة التراكمات الثقافية والتاريخية تدعم بكل صدق وجود قنوات ثقافية، تعمل على نشر رسالة الإمارات الثقافية والتنويرية، بموازاة وسائل الإعلام الأخرى، سيما أن الحاجة ماسة إلى مثل تلك القنوات. والإمارات مؤهلة أكثر من غيرها بكل المقاييس للاضطلاع بدورها الرائد والفاعل، والمؤثر إعلامياً وثقافياً، كما أن أطرها البشرية وكوادرها الثقافية وقدراتها المالية والتقنية ورصيدها التاريخي، كلها عوامل تجعلها في صدارة الدول الرائدة، حاملةً مشعل النور والسلام».

ثقة المثقفين
أما الشاعر المصري الكندي عصام خليفة، فيضيف قائلاً:«من الضروري أن تطلق الإمارات قنوات ثقافية متخصصة، استكمالاً للدور المميز الذي بدأته في إدارة العمل الثقافي، فقد استطاعت الإمارات خلال السنوات الأخيرة أن تحتل موقعاً رفيعاً على خريطة الثقافة العربية، ما حملها مسؤولية أكبر تجاه تلك الهوية المميزة، ولعل إطلاق الإمارات لمثل هذه القنوات أصبح أمنية على دولة وضعت على عاتقها مسؤولية كبيرة تجاه رعاية الثقافة العربية، ومن ثمّ فقد يتطلب ذلك الاستمرار في مجهودها المثمر، والتوسع في أفكارها البنّاءة».

تعمير العقول
ويؤكد الكاتب والصحافي التونسي علي الخميلي: «الإمارات حاضنة لقيم التسامح والسلم والتعددية الثقافية، كما كفلت قوانينها للجميع الاحترام والتقدير، وجرمت الكراهية والعصبية وأسباب الفرقة والاختلاف، في ظل احتضان الدولة لكنائس ومعابد تتيح للناس ممارسة شعائرهم الدينية، فضلاً عن المبادرات الدولية الكثيرة والمتعددة التي ترسخ الأمن والسلم العالمي، وتحقق الرخاء والرفاهية والعيش الكريم للجميع، ما يجعلها قادرة على التميز في بعث قنوات التنوير والتعمير للعقول على المستوى المعرفي والثقافيّ».
ويضيف: «لأن الإمارات ظلت منارة تنوير وثقافة وتسامح فإن إطلاق قنوات ثقافية متخصصة في مجال الثقافة خصوصاً، والفكر والمعرفة عموماً استكمالاً منها لدورها التنويري الرائد، أصبح ضرورة ملحة بشرط حسن اختيار المسيرين والعاملين فيها، ورسم استراتيجية علمية سليمة ومحترفة، تؤسس للتنوير والتعمير، وتقاوم كل أشكال التدمير والتزوير، في ظل التميز الذي عرفت به الإمارات، وعلى كل المستويات والواجهات، فضلاً عن السياسة الرشيدة والحكيمة التي تنتهجها على مر السنين».

إنقاذ الأجيال القادمة
ويقول الصحافي عز الدين الزبيدي: «بعض القنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي كانت وراء انتشار الإرهاب والتطرف، وذلك بسبب ما تبثه من فتاوى وقراءات متطرفة تدعو إلى التناحر والكراهية والحقد والتباغض».
وأشار الزبيدي أن القنوات الثقافية من المفروض أن تكون قنوات تنوير ترسل الفكر والثقافة والوعي والنضج والتسامح، ما يجعل الإمارات نموذجاً تقتفي البلدان الأخرى أثره، وهي قادرة على تحقيق النجاح في هذا المجال، وإنقاذ الأجيال القادمة من كل أشكال التدمير الفكري.

النبراس المضيء
الصحافية والناشطة الحقوقية التونسية عائشة السعفي، تؤكد أن التفاعل الإيجابي في الإمارات يمهد السبل لإنجاز ما يمكن أن ينقذ البشرية القادمة، التي تمثل الشباب والأطفال، مضيفة أنها ترى أن القناة التي تنجح في هذا المجال هي التي تختار العاملين فيها من مختلف أنحاء العالم العربي، وتدعم وتعزز بكفاءات من المثقفين القادرين على بعث الانشراح في النفوس، وفي القلوب، وذلك عبر برامج تثقيفية وتوعوية سليمة، بعيداً عن الأسلوب الخشبي الذي قد لا يميل إليه الشباب، وهم الهدف الرئيسي لكل البرامج، والنبراس المضيء للمستقبل.

صالح السوسيسي: خلاص هذا العالم بالإبداع
يقول صالح السوسيسي- الإعلامي والشاعر التونسي: لعلّنا اليوم أمام وضع يجعلنا أقرب من أي وقت مضى للتمسك بأسباب الثقافة والفكر والفنّ والعلوم، لأنّ خلاص هذا العالم لن يكون إلاّ من خلال الإبداع، فقد بدا واضحاً أنّ بعض الحكومات العربية فهمت ما تتطلّبه المرحلة الحالية باكراً، واستعدّت لذلك بكثير من الإجراءات والمبادرات الذكية التي ترمي إلى جعل الثقافة خبزاً يوميّاً، وفعلاً يتجاوز المناسبات. ولن نضيف جديداً حين نشير إلى ما تسعى إليه دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات، لتكون الثقافة في أعلى سلّم تفكير الدولة، وهو أمر يؤكد رغبة واضحة في تحويلها من مجرّد فعل مترف إلى فعل يومي متواصل. ولسنا هنا بصدد تعداد المشاريع الكثيرة التي أطلقتها الإمارات في مختلف إماراتها التي تُعدُّ في أغلبها غير مسبوقة، ومبادرات نموذجية استطاعت في وقت قياسي أن تلقى قبولاً ورواجاً، وتصبح تقاليد وسُنَناً تُحتذى، لكنّنا نرى أنّه من الضروري أن تتابع الإمارات سياستها في صناعة جيل عربي واعٍ ومثقّف، بتحديّات المرحلة، ليس من خلال ما أسست له من فعاليات ومهرجانات وتظاهرات كثيرة، وإنّما بالتفكير في إطلاق فضائيات متخصصة في الثقافة والفكر والعلوم والتنكولوجيات، بما يسهم بشكل مباشر وعميق في بناء شخصية الأطفال واليافعين في الدول العربية.

محمود عبد الشكور:
«الثقافة» تجاوزت لدى الإمارات فكرة الاحتفاء
الناقد والكاتب المصري محمود عبد الشكور، نائب رئيس تحرير مجلة (أكتوبر)، فقال: «المتابع بدقة للمشهد الثقافي في السنوات الأخيرة يدرك بغير عناء المساحة الهائلة التي ملأتها الإمارات، فعلاً ونشاطاً واستثماراً، تكاد الإمارات تكون الدولة العربية الأكبر الآن من حيث حجم الإسهام الثقافي الهائل وعلى كل المستويات، معارض، فعاليات، جوائز، كتب، ترجمة، مبادرات ثقافية، أنشطة هائلة داخلياً وخارجياً، ولا أظنني أبالغ لو قلت إن دولة الإمارات هي الحاضنة الشرعية الآن للقوة الناعمة العربية».
وتابع عبد الشكور، «إن ما يحدث في الإمارات، كبير ومذهل، نشاط عارم وحقيقي وعلى كل المستويات لاعتماد»المعرفة«أولاً، ولا شيء آخر طريقاً للمستقبل وضماناً لحق الأجيال الجديدة، ليس فقط في الحياة، ولا في العيش، ولا في الأمن، ولا في العمل، بل إضافة إلى كل ما سبق في القراءة والتعلم والثقافة».
وكما هو واضح، يضيف عبد الشكور، فإن قضية «القراءة» و«الثقافة» تجاوزت لدى مسؤولي الدولة الإماراتية فكرة الاحتفاء والتشجيع (كما نتعامل دائماً مع كل ما يخص الثقافة) لتكون عصباً لمشروع قومي ضخم، وأولوية كبرى وملحة، الدولة الإماراتية قررت أن تتعامل معها بالجدية اللازمة والتخطيط الدقيق والدعم الكامل، وقررت أيضاً اعتماد خطة طريق نحو المستقبل والانطلاق إلى آفاق غير مسبوقة، بالاستثمار الجدي في المعرفة، خطة طريق قوامها الأساسي «الثقافة» وعمودها «القراءة» و«نشر الوعي» بكل الطرق المتاحة.