صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

قنوات للتآلف الإنساني والانسجام الحضاري

جزيرة السعديات (الصور أرشيفية)

جزيرة السعديات (الصور أرشيفية)

يقول سلطان صقر السويدي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة ندوة الثقافة والعلوم، شهدت الإمارات مجموعة مبادرات ومشاريع ثقافية، ساهمت في الاهتمام بالثقافة المحلية، وتقديم الإرث التراثي لدولة الإمارات للعالم، بالإضافة إلى اهتمام حكامنا بالمشاريع التنويرية التي تؤسس لجيل واعٍ.
وأضاف لذا أتمنى أن تكون الإمارات سباقة كعادتها لفتح قنوات تليفزيونية وإذاعية، تكون متعددة الأوجه، وتتميز بحرية الفكر ومراجعة أي أفكار هدامة أو متطرفة، كما تكون واحة للمحبة والسعادة والإخاء بين شعوب العالم، وعبر عن سعادته تجاه تبني الدولة الثقافة والمعرفة واعتبارهما جزءاً من الاستراتيجيات الموضوعة، وذكر أن هناك العديد من المتخصصين في المجال الإعلامي يستطيعون تقديم هذه القنوات وإدارتها، من خلال رؤى واضحة من برامج ومواد، ترفع مستوى الوعي في عالمنا العربي، وتساهم في نشر المعرفة.

محاربة الأفكار السلبية
ويقول الشاعر والباحث سلطان العميمي، مدير أكاديمية الشعر: «إننا بالفعل بحاجة لمثل هذه القنوات التي سيكون لها دور كبير في تعزيز الكثير من المبادئ، ومحاربة العديد من الأفكار والظواهر السلبية» وأكمل: «هناك رسائل أخرى نستطيع توصيلها من خلال هذه القنوات عبر البرامج الحوارية، واستعراض الدراسات والكتب، وقراءة الروايات، وتغطية الفعاليات والمهرجانات الثقافية»، كما أكد العميمي شرطاً وهو تولي وإدارة هذه القنوات من قبل مؤسسات ثقافية أو أشخاص لديهم رؤى ثقافية واضحة وهادفة.
أثنى الإعلامي الإماراتي عيسى الميل، على فكرة إنشاء قناة ثقافية ترفدنا بمستوى عال من الثقافة والإشعاع الفكري والمعرفي، وقال: « قبل إطلاق القناة علينا الانتباه إلى الفئة العمرية التي نريد مخاطبتها، ثم نبدأ في وضع البرامج الثقافية المنسجمة مع هذه الفئة، تحت مظلة ترسيخ مبادئ القيم والثقافة الرصينة الرفيعة، لتحفيز الشباب لمتابعتها، وأن تلحظ أنه يجب عليك أن تكون بينهم ومعهم في إطار منظومة التواصل الاجتماعي، وغير ذلك فلن تحصل على نسبة مشاهدة تحقق الاستمرارية لمثل هذه القناة. وأكد الميل أن الفكرة جميلة في شكلها الخارجي، ولكنها تحتاج إلى فهم أسلوبية الطرح الثقافي، فشباب ثورة المعلومات والرقمية لا يحتاجون لمن يقول لهم «اقرأوا»، بل لمن يقول لهم «هيا نقرأ معاً»، عبر مواصفات فنية يجب أن تتمتع بها القناة مثل استخدام أحدث التقنيات في عالم التلفزة، ومستوى البث الرقمي عالي الجودة، ثم موقع القناة المتخصصة من خلال الأقمار الصناعية، حيث يجب اختيار الحزمة الصحيحة والقوية لبث يصل للجمهور في العالم دون عناء، إلى جانب ضرورة استقطاب أصحاب العقول النّيرة والمحبوبين من العاملين في حقل الإعلام الثقافي لتحقيق نسبة مشاهدة تدفع بالقناة نحو الجودة والأداء الذي يخدم قطاع الشباب صوب ثقافة محترمة، وتجارب رصينة للأجيال المبدعة في المشهد الثقافي الإماراتي بمختلف أجياله، ما يجعله متوازناً، ويصعب جرّه إلى فخاخ الفكر المتطرف المتشدد. ونوّه الميل إلى أن الإمارات أرض خصبة وصلبة من حيث التعددية وثقافة التسامح وحوار الحضارات، بفضل استراتيجية القيادة الرشيدة التي تعي تماماً رسالة الثقافة والفكر الرصين في مواجهة التحديات بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة.

القيم الثقافية
عبّر منصور سعيد عمهي المنصوري، مدير الشؤون الثقافية، النائب الأول لسمو مدير عام مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام في أبوظبي، عن تقديره وفخره بمبادرة إنشاء قناة ثقافية في الإمارات، وبخاصة أنها تمتلك مشهداً ثقافياً ثرياً ومتفاعلًا ومستشعراً لمسؤولياته، وقال إن نجاح القناة الثقافية مرهون بالاهتمام بالعمق الثقافي والفكري المتوافر في الجزيرة العربية، وعلى سبيل المثال يوجد في الإمارات نخبة من شعراء الرعيل الأول، والرواة الشفاهيين، ولم يحظوا ببرامج ثقافية نوعية تعكس تجربتهم الإبداعية وتقدمها للجيل الجديد بثوب معاصر، وما قدم في السياق كان مجرد برامج عابرة، لهذا ننبه قبل إطلاق مثل هذه القناة إلى أهمية الارتكاز في برامجها على القيم الموروثة الأصيلة، وأن تبحث في برامجها عن المثقف الحقيقي، صاحب المشروع الثقافي التنويري في كافة مجالات الإبداع. وعن مقومات الإمارات في احتضان القناة الثقافية، أشار أنها تملك كل المقومات بما في ذلك المؤسسات الثقافية والتراثية ومشاريعها الفكرية مثل نادي تراث الإمارات على سبيل المثال لا الحصر، وهو مؤسسة ريادية تنويرية تعتمد مشروع وطني لتعزيز مفهوم الثقافة الوطنية الموجهة للشباب من الجيل الجديد، وهو المستهدف الأهم في تقديري لمثل هكذا قناة، بمعنى أننا نستطيع من خلال برامج ثقافية حيوية من توثيق وأرشفة وكتابة تاريخ وإرث الأمة للمستقبل.

الشخصية الخليجية
أشاد الشاعر والمترجم الإماراتي الدكتور شهاب غانم بفكرة إنشاء قناة ثقافية متخصصة في الإمارات، تهدف إلى تقديم برامج تتناول مواضيع شتّى في ميادين الفكر والآداب والفنون والتاريخ والتراث والنقد والترجمة وعلوم اللغة العربية، وإنتاج أفلام وثائقية عالية الجودة عن أعلام الثقافة والفكر في الإمارات والمنطقة، في إطار يهدف إلى حماية الثقافة والشخصية والهوية الإماراتية والخليجية، في ظل محاولات إشاعة ثقافة النمط الواحد، وأكد على أهمية أن تعمل هذه القناة على أن تكون النافذة التي يطل منها جمهورها العربي والناطق بالعربية أينما كان على ثقافات العالم، فيرى من خلالها الآخر أياً من يكون، ويرى أيضاً نفسه على ذات الشاشة، فيتعرف على آداب وفنون وفكر العالم من حوله، ويحافظ في نفس الوقت على هويته وثقافته وحضارته، ونعني بذلك أبناء الجيل الجديد الذين يصارعون تحديات عديدة أهمها الفكر المتطرف وثقافة الإنترنت، وعولمة الثقافة.

نادي المسرح
وقال عادل الجوهري رئيس إدارة مسرح خورفكان: «مع انخفاض حضور البرامج الثقافية على الشاشات العربية، وندرة القنوات المتخصصة في الثقافة، رغم وصول عدد الفضائيات العربية إلى نحو 700 قناة أكثر من نصفها يسيطر عليه خلل في الأداء والتوجه والرسالة والنهج، يصبح ملحاً الحديث عن أهمية إنشاء مثل هذه القنوات في الإمارات، وكيف يمكن لها تنخرط في مشروع تأهيل المجتمع، في إطار سؤال هل الثقافة مجرد ترف أم منظومة لترتيب أمة كاملة؟»، وأشار الجوهري في حديثه إلى المشهد الثقافي الإماراتي النوعي بمهرجاناته وملتقياته واحتفالياته الشعرية والمسرحية والسينمائية، ومعارض الكتب والتراث وفنون الخط وغيرها، وجميعها لا يعلم عنها الكثيرون، حيث يمكن للقنوات الثقافية رصدها وتوثيقها وتقديمها لجمهور الشباب كمنجز إبداعي إنساني إيجابي يحث على احترام الإبداع، وأضاف: وإن كنت أخص فن المسرح الذي يتمتع بسمعة عالمية، ونرى أنه من الممكن من خلال هذه القنوات تصوير الأعمال المسرحية التي تزيد عن 50 عملًا في العام الواحد، والحديث عنها نقدياً من خلال نادي المسرح، كبرنامج ثقافي متخصص يديره نقاد محترفون ومثقفون، من أجل التمكين لثقافة الحوار والاختلاف داخل المجتمع وكذا لمحاربة الانغلاق الفكري.

حضور ثقافي
تؤكد الفنانة ملاك الخالدي أن القناة الثقافية مبادرة ومشروع نوعي يمكن لها من خلال برامج محترمة أن تسجل حضوراً جيداً في جميع مناسباتنا الثقافية مثل معارض الكتب، مهرجانات المسرح والسينما، الجانب الفكري في المهرجانات التراثية، وغيرها، ومن المهم ونحن نتحدث عن قناة مخصصة للثقافة والأدب والفكر وما يتصل بها أن نأخذ في الاعتبار مدى اهتمام المجتمع اليوم في ظل ثورة المعلومات وقابليته وتفاعله مع الشأن الثقافي بوجه عام، وتقول:»إن نماء أي منشأة إعلامية وزيادة مهاراتها ونسبة مشاهدتها يعتمد بدرجة رئيسة على تفاعل مختلف شرائح المجتمع معها، مضاف إلى ذلك وجود إدارة مهنية راقية ذات كفاءة تسعى إلى إعادة إحياء النشاط الثقافي الجاد بين فئات المجتمع وبخاصة الشباب، وإعادة إحياء النشاط الثقافي في المجتمع من خلال ملكات فكرية متطورة، والإمارات تملك كل ذلك، فلنطلق القناة».

توسيع مفهومنا للثقافة
ورصدت التشكيلية الشابة هدى الريامي، الجانب الديناميكي المتحرك في الثقافة، مؤكدة أنه لا يمكننا رصد الحركة الثقافية من خلال الجمود، لذلك على القناة الثقافية المتخصصة لو نجح إنشاؤها في الإمارات أن تتحرك وتذهب حيث الإبداع، حيث مئات المعارض التشكيلية التي يمر الكثير منها مرور الكرام، وإن طالها حديث فليس بمستوى الإبداع المقدم للجمهور، وقالت:»نريد قناة ثقافية توسع مفهومها للثقافة ليشمل كل مناحي النشاط الإنساني، وبالتالي سيكون لزاماً عليها مواكبة هذه الرؤيا كمجموعة من المخرجات المعنوية المرتبطة بالوجدان والعقل والروح»، مؤكدة أن «بعض القنوات والإعلام القاصر الموجه ساهموا في صناعة التطرف الفكري وتوفير الجو الملائم لتفريخ الفكر المتشدد الرافض لكل اختلاف، لذلك سنجد أن الإمارات هي البيئة السليمة لإعادة الاعتبار لصوت المثقف في الإعلام ومن خلال إنشاء مثل هذه القناة التي حان وقتها بالفعل».

دمج الثقافة بالمعرفة
الفنانة موزه الصعيري أكدت على أهمية توسيع قاعدة جمهور المادة الثقافية، التي لن تتحقق إلا في ظل قناة تحمل استراتيجية ورسالة تقوم على دمج مفهوم الثقافة بمفهوم المعرفة، وتكريس معنى ودلالات الثقافة الجماهيرية الوطنية، ورأت أن مبادرة تأسيس قناة تلفزيونية ثقافية متخصصة في عام الخير ستكون خيراً لدعم الفنون والآداب والإنتاجات الوطنية في هذا المجال، والاهتمام بمكونات الهوية الوطنية بشكل يثمّن التنوع، وتكريس قيم المواطنة وحرية التعبير والتفكير والانفتاح والتعدد وتثمين المقومات الثقافية والحضارية لأبناء الدولة، ورسم الأفق الحداثي للمشهد الثقافي في الإمارات السباقة على الدوام لمثل هذه المبادرات الحضارية في الاستثمار في الثقافة الرصينة.

مبادرة ثمينة
أوضحت الكاتبة والروائية إيمان اليوسف أن المشهد الثقافي الإماراتي شهد في السنوات العشر الأخيرة قفزة هائلة في مجالات الأدب والفكر والفنون والمهرجانات، وسيشهد في السنوات القادمة تحولًا هائلًا في مجالات الإبداع كافة، وهو ما يلزم معه بالفعل تنفيذ مبادرة إنشاء قناة ثقافية متخصصة في دولة الإمارات التي تعد الأكثر سعادة، والتي تنافس دول العالم برقيها وتطورها وحضارتها الفريدة باعتبارها منصة عالمية قادرة على تغيير جغرافيا الأدب والثقافة بما قدمته من مبادرات مثل عام القراءة، وأكبر مكتبة ومجمع للغة العربية، بالإضافة إلى نشاطات ومهرجانات ثقافية تأتي بثقافات العالم إلى هنا، وقالت اليوسف: «هذه ممكنات ومقومات تجعل من إنشاء القناة أولوية، وليس مجازفة كما يعتقد، علما بأن الذائقة الثقافية من شعر وقصة ورواية وخواطر ودراسات نقدية، ومحاورات وجدل فكري، يبحث عنها المشاهد ويتوق إلى التنوع النقدي فيما يخص كافة الأجناس الأدبية، لذا نرفع القبعات لمن جاء بخاطره مثل هذه المبادرة العظيمة».

مرآة المثقفين
وقال الكاتب والمحلل الاقتصادي نجيب الشامسي: اليوم وبعد 45 عاما على وحدتها ما زالت الإمارات على قناعة تسعى من خلالها لتأكيد حضورها على خريطة الثقافة العالمية، وربما أن احتضانها لعدد من أكبر المتاحف العالمية والمحلية، ووجود المؤسسات الثقافية الاتحادية والفعاليات الضخمة في كل مجالات الإبداع، وكون الشارقة عاصمة للثقافة العربية والإسلامية، كل ذلك حول مدن الإمارات إلى حواضر ثقافية عربية وإسلامية وإنسانية، بعد أن أوجدت جوائز أدبية لكل مبدعي العالم في شتى الحقول، وهي روافد تؤكد أهمية وجود قناة ثقافية تعنى بالثقافة المحلية والعربية والدولية، وتؤسس لحوار فكري حضاري تنويري يفضي إلى نوع من التآلف الإنساني والانسجام الحضاري بين أبناء المجتمع».
وعن المواصفات الفنية لهذه القناة أشار الشامسي بأنها لا بد أن تعنى أولا ببث برامح جديدة ذات نفس معاصر، تهتم بالكاتب والأديب والمثقف الإماراتي ونتاجاتهم على وجه الخصوص لتصل إلى مساحة أكبر من العالم، وأن تهتم عبر تقنيات الرقمية بعمل برامج واستطلاعات وندوات وحوارات وتطبيقيات وترجمات بلغات عالمية مختلفة حتى نؤسس لحوار حضاري حقيقي ما بين الشرق والغرب، لتقول للعالم من خلال خطاب عقلاني وسطي أننا خارج دائرة وصمة الإرهاب الفكري التي ينعتوننا بها.

ثقافة سينمائية جديدة
من جانبه قال المخرج السينمائي ناصر اليعقوبي:»إن تأسيس قناة فضائية ثقافية متخصصة في الإمارات ستكون خطوة إيجابية تتماشى مع استراتيجية وسياسة الدولة في تعزيز ونشر المعرفة والثقافة الجماهيرية وبناء جيل مثقف». وأضاف:»كما يمكن لمثل هذه الخطوة النوعية أن تسهم في تعزيز المبادرات الثقافية والفكرية والفنية التي أطلقتها القيادة بمؤسساتها، بما ينعكس على الأجيال الجديدة في استيعابها لمفهوم الثقافة في مجالات كثيرة، وأخص بذلك المجال السينمائي، وما يتصل به من صناعة الأفلام ونشر الكتب والدراسات النقدية، وثقافة وكتابة السيناريو وثقافة النقد والتحليل، بما يصب في النهاية في خاصة مصلحة الثقافة الإماراتية بوجه خاص والخليجية بوجه عام، وحيث إن الإمارات تملك كل مقومات هذه الصناعة من مؤسسات وأفراد وتقنيات وأجهزة ومهرجانات وخبرات مهنية عالية المستوى في الإعلام الثقافي، فإن قناة مثل هذه ستكون مرآة حقيقية تعكس طموحات كل المثقفين».

نافذة تمثل المثقفين
لفت الكاتب والإعلامي العماني سهيل بن مبارك الكثيري، مراسل وكالة الأنباء العمانية في أبوظبي، إلى أهمية هذه المبادرة لتكون نافذة تعنى بشكل مباشر بقضايا الثقافة الآنية على مستوى المنطقة والعالم، وقال:»في تقديري أن المهم في استراتيجيتها غير البرامج والاستراتيجية للارتقاء بالمشهد الثقافي، وصناعة وعي شبابي بقيمة الثقافة الرصينة وسط زحمة وسائل التعبير الرقمية، الاهتمام باعتماد هذه البرامج على نخبة من المقدمين والمذيعين ممن لهم صلة بالوسط الثقافي، مع إتقان وإجادة اللغة العربية، والمعرفة بالمصطلحات العلمية والثقافية، وأن ترتبط هذه القناة وبرامجها بعلاقة متينة مع المثقفين، مع التأكيد على أنها قناتهم التي تمثلهم بمختلف أجيالهم وتجاربهم، مضافاً إلى كل ذلك أن تحدد هويتها الثقافية، وأن تستقطب الأسماء الثقافية المهمة التي يمكن لها أن تسهم في تحسين أدائها والدفع بها كي تكون من أهم القنوات الثقافية عربياً».

رغبات الجمهور
وصف الحكم الدولي السعودي في رياضات الفروسية عبد الله سليمان المطيري مبادرة إنشاء قناة ثقافية ب « النوعية « و»الفريدة» على مستوى المنطقة، وبخاصة أن مثل هذه القنوات شحيحة، وقال:»علينا أن ندرك قبل خوض التجربة أن المشهد الثقافي لن يكون بمنأى عن إجراء الدراسات التسويقية المتخصصة، ونقصد بذلك الاستثمار في معارف وثقافة الشباب، والاهتمام برعاية عدد من المناشط الشبابية التي يقدمها الكتاب والمبدعون منهم، مع العمل على تطوير البرامج الموجهة لهم، وبين المطيري أن الإمارات سبّاقة دوماً في كل المجالات، وتمتلك جغرافيا وحالة ثقافية تمكنها من إنجاح مثل هذا المشروع.

جمهور الشباب
ترى صبحة عبد الله الرميثي، رئيس مجلس إدارة فريق روح الوطن التطوعي، أن مثل هذه القناة هي مطلب رئيس لكل قطاعات الشعب وبخاصة فئة الشباب، وقالت: «بما أننا أصبحنا في عصر ضعف فيه الاهتمام بالقراءة والاعتماد على ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي، فعلى القائمين على هذه القناة بعد إنشائها الاهتمام بتخصيص مساحة فسيحة فيها لبرامج التواصل الاجتماعي حتى تنجح ويكون لها تأثير بالنسبة للشباب».

هماً ملحاً
يقول الكاتب الإعلامي جمال الشقصي:» برغم ازدحام سوق الفضائيات العربية بالعديد من القنوات المتنوعة في توجهاتها وأهدافها إلا أن شُح فضائية ثقافية ذات أهداف حضارية بات يشكل هماً ملحاً يؤرق الكثير من المراقبين عربياً، فنحن في حاجة إلى قناة تصبح جسراً حقيقياً للتواصل الإعلامي والمعلوماتي لنقل صورة حقيقية عن دولتنا، التي تحظى بقدر أكبر من التقدير لدى شعوب العالم، ومن المعرفة وفهم روح  مكتسبنا ومكاسبنا. وهنا سوف يتسنى لنا رسم صورة جديدة وحقيقية عن  مجتمعنا بتراثه الإنساني الثقافي، إذ أن دولة الإمارات العربية انتهجت دوماً مبدأ أن الإعلام الثقافي المتخصص هو ذاك الذي يعالج الأحداث والظواهر والتطورات الماثلة في الحياة الثقافية، ويتوجه أساساً إلى جمهور معني ومهتم بالشأن الثقافي، ويسعى لمواكبة الحياة والتفاعل معها. كما يتعين على إعلامنا الثقافي أن يعكس مستوى تطور ونضج الحياة الثقافية في الدولة».  

ضرورة ملحة
وتقول هنادي المنصوري: في ضوء واقعنا المعاش لا شك أن هناك ضرورة ملحة لوجود قنوات ثقافية متخصصة للحفاظ على هويتنا الثقافية العربية في عصر الفضاء، على أن تكون وفق تخطيط علمي مدروس وصاحبة مضمون يتبنى كل القضايا المهمة، وتحترم عقل المتلقين،   وتوفر لهم الزاد الإعلامي والثقافي والحضاري الذي يشكل فكرهم ووجدانهم ويحافظ على هويتهم».

?الحوار مع الآخرين
تقول الإعلامية ريم البريكي: أصبح التحدي المطروح علينا بشدة في عصر السموات المفتوحة التي تكتظ بالأقمار الصناعية التي تحمل مئات القنوات التليفزيونية من كل أنحاء الدنيا بما تحمله من تأثيرات مختلفة تشكل الوعي والعقل الإنساني، يحتم علينا أن نكون أيضاً ضمن هذه المنظومة الثقافية الإعلامية العالمية من خلال قنواتنا الثقافية المتخصصة التي تعبر عن موروثنا الثقافي والحضاري، وتساهم في تدعيم الحوار مع الآخرين باللغات الأجنبية المختلفة الموجه إلى الدول والشعوب التي يهمنا التواصل معها، بحكم المصالح المشتركة، وأيضاً لتعميق الفهم المشترك بيننا وبين شعوب العالم لإعطاء الصورة الصحيحة عن وطننا وحضارتنا وموروثنا، ومن ثم إيجاد سبل للتفاعل الخلاق بين ثقافاتنا وثقافات الشعوب الأخرى.
? ?
إشكاليات فئوية.. شكلانية
يقول د. منصور جاسم الشامسي:»الفضاء الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة يتطور ويتسع وهو متنوع، إماراتي وعربي وأجنبي، وبالتالي، فمن الطبيعي أن تكون هناك فضائيات ثقافية إماراتية متخصصة تجعل الشأن الثقافي بكافة أنواعه ومحاوره وتفرعاته أساسها البرامجي بل كل برامجها، كونها فضائيات ثقافية، وقد يظن مثقفون، وهذا من حقهم، أن جعل الثقافة في قنوات خاصة سوف يحصر جمهورها في فئات من المثقفين أو المهتمين، في حين أن وجود الثقافة في الفضائيات العامة سوف يعمل على جذب قطاع عريض من الجمهور للبرامج الثقافية، وهذا تصور موجود، ولكني أضع السؤال التالي: ما حجم وما مساحة البرامج الثقافية في الفضائيات العامة؟ بصراحة، حجم البرامج الثقافية ومساحة البرامج الثقافية، في خريطة برامج الفضائيات العامة، ضئيل، وهذه مشكلة».
ويضيف الشامسي: «نلاحظ في البرامج الثقافية الحالية الموجودة على القنوات الفضائية، المشكلات التالية: فئوية: وهذا خطأ في الإبداع، فيجب الانفتاح على جميع المبدعين، من دون تفرقة. القصور في التغطية: وهذا خطأ آخر، فهناك الشِعر بأنواعه الكلاسيكية والحداثية، والقصة، والرواية، والمقالة، بأشكالها وأنواعها، قديمها وحديثها، فأين البرامج التي تُغطي كل ذلك، بعمق وتحليل علمي وأدبي؟. الشكلانية: عدم الغوص في عمق الأعمال الأدبية من شعر وقصة ورواية ومقالة.
مقدمي البرامج الثقافية يجب أن يكون لديهم اهتمام ومعرفة بالأدب الإماراتي بكافة أجناسه، وضرورة التعامل مع الأدب الإماراتي، بحب ورعاية ورغبة حقيقية في تطويره، كون دولة الإمارات العربية المتحدة، هي التي تُعطيهم هذه المساحة من العمل الثقافي في مؤسساتها، فمن الطبيعي أن يُعطي مقدمي ومُعدي البرامج الثقافية في الفضائيات الإماراتية الأولوية للأدب الإماراتي والمبدع الإماراتي، وعدم الشعور بالمنافسة معه، فهذا خطأ من مُعدي ومقدمي البرامج، حيث نراهم يحصرون أنفسهم في زوايا معينة، ويتجاهلون قطاع واسع، ويتسع من المبدعين الإماراتيين، في كافة الأجناس الأدبية، فأين البرامج التي تُسلط الضوء على أعمالهم بصورة مكثفة؟ ويقول: «الاهتمام بالإبداع الإماراتي كأولوية، لايعني مطلقاً، عدم الاهتمام بالإبداع العربي، في عمومه، بل إن الإبداع الإماراتي، في النهاية، هو إبداع عربي، جزء من الثقافة العربية، ومكمل لها، فمنح الإبداع الإماراتي على مستوى الشعر والقصة والرواية والمقالة، تحديداً، اهتماماً كبيراً، على مستوى الفضائيات الثقافية التخصصية، يُعد خدمة للثقافة الإماراتية والعربية، سواء».

رؤية جديدة ومغايرة لتقديم المنتح الإبداعي الثقافي
?يشير أحمد بن ركاض العامري، رئيس هيئة الشارقة للكتاب، إلى أن الإعلام الثقافي في العالم العربي يواجه تحديات عديدة، ويضيف: «أبرز هذه التحديات حصته من المشاهدة، ومن العرض على القنوات التلفزيونية، فالحديث عن الإعلام الثقافي عربياً، يحيل إلى عدد محدود من البرامج، وقلة قليلة من الإعلاميين المتخصصين، إلى جانب صورة تقليدية للعرض تنحصر في البرامج الحوارية، لذلك لا ينبغي الحديث عن قنوات تلفزيونية ثقافية في الإعلام العربي أو الإماراتي من دون الحديث عن رؤية جديدة ومغايرة لتقديم المنتج الإبداعي الثقافي، سواء كان رواية أو مسرحاً أو شعراً أو فناً تشكيلياً، فجمهور الإعلام المعاصر انتقائي، وصاحب ذائقة صعبة، وخياراته كثيرة».
ويؤكد ابن ركاض: «إلى جانب هذا، علينا أن نؤمن أن المادة الثقافية محلياً وعربياً ما زالت تؤسس جمهورها، وتستقطبه، وتربيه جيلاً تلو آخر، فالمعاين لتجارب التلفزيونيات الثقافية، أو حتى الصحف، والمجلات، يجد أن جمهورها ظل نخبوياً، ويكاد يكون محصوراً على الكتّاب، والمتخصصين بالإعلام الثقافي، الأمر الذي يجعل الحديث عن القنوات ثقافية، بحاجة إلى الكثير من الدراسة والجهد، والعمل المتكامل، والكوادر الإعلامية المؤهلة».
?ويختم قائلاً: «لا يعني ذلك أن المشهد الثقافي المحلي والعربي لا يحتاج إلى قناة ثقافية متخصصة، فالكثير من تاريخ الأدب والفن نحتاج إلى رؤيته على شاشات التلفزيون، والكثير من القصائد، وعروض الروايات، والمسرحيات، نتمنى رؤيتها وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة من أبنائنا. وتتأكد حاجتنا لهذا النوع من القنوات ليس من حاجتنا للمادة الثقافية والجمالية وحسب، وإنما من امتثالنا لمتغيرات العصر الحديث الذي بات يوسم بـ «عصر الصورة» فالمادة الثقافية المصورة أكثر قرباً، وفاعلية لدى الأجيال الجديدة من غيرها من المواد».

صدقية عالية للإمارات في توجهاتها نحو الثقافة التنويرية
يقول الشاعر والروائي عادل خزام، مدير إدارة المحتوى للتلفزيون والإذاعة بشبكة قنوات دبي: «تبدو فكرة إطلاق قنوات فضائية ثقافية متخصصة تبث من دولة الإمارات ضرورية اليوم أكثر من أي وقت مضى، ذلك لأن الإمارات تقف في طليعة المشهد الثقافي العربي، وتحتضن العشرات من المبادرات الثقافية الكبيرة والجوائز الأدبية ومعارض الفنون والمهرجان على اختلافها. هذا من ناحية تغذية المحتوى بمواد إبداعية واستضافة الأدباء والفنانين ونقل صوتهم وإنتاجاتهم إلى المتابع العربي في كل مكان. لكن الفكرة الأعمق من وراء هذا الطرح لا تكمن فقط في تقديم المادة الثقافية، وإنما في تجويد الخطاب الثقافي، وخلخلة السائد منه، وتغيير الراكد، بغية الوصول إلى بناء مفهوم جديد للثقافة، يعتمد على الفكر الجديد، ويذهب إلى جر العملية الإبداعية لاستشراف مناطق غير مطروقة، وهدم الحواجز التي تعترضها. وهذا بالطبع سيمتد لملامسة جوهر الفكر الإعلامي الذي يرسخ مبادئ الوسطية، ويقف عند تمجيد قيم السعادة والابتكار والقراءة والاحتفاء بالفن كقيمة جوهرية في حياة الإنسان». ويضيف خزام: «يمكن لدولة الإمارات اليوم، بإمكاناتها الضخمة في الإعلام والثقافة والفكر، أن تؤسس لمرحلة جديدة يشتاقها شباب هذا الوطن العربي الكبير، وهناك صدقية عالية جداً امتازت بها الإمارات مؤخراً في برامجها وتوجهاتها نحو الثقافة التنويرية التي تعتمد على قيم الجمال والحداثة والتجديد، والتي تؤدي بشكل مباشر إلى تغذية الوجدان العربي بأفكار نحتاجها جميعاً للتعاطي مع العالم اليوم».
ويختم خزام بقوله: «نعم نحتاج إلى قنوات ثقافية أساسها الفكر الحر المنفتح والمعتدل الذي يقبل بالجديد دائماً، وتحتاج الثقافة إلى الإعلام بقدر ما يحتاج الإعلام إلى الثقافة. وإذا ما تحققت هذه المعادلة ارتفعت مكاسبنا الجمالية ونما مجتمعنا إلى آفاق أبهى وأرحب».

تتصدى للغزو الفكري الذي يتعرض له الشباب العربي
?يقول الدكتور صلاح عبد العزيز القاسم، مستشار هيئة دبي للثقافة والفنون: «لا بد من الإشادة بالدور الذي لعبته الأجهزة الإعلامية الإماراتية في الترويج للثقافة والتراث الإماراتي خلال الفترة الماضية، والكثير من الأدباء والكتاب والمثقفين والمسرحيين والسينمائيين تعرف إليهم الجمهور من خلال وسائلنا الإعلامية المختلفة، ولكن مع تعدد المبادرات الثقافية والفنية والأدبية في دولتنا، وتعدد المؤسسات الحكومية والخاصة الأهلية التي ترعى وتتبنى الثقافة والفنون، أصبح من الضرورة وجود قناة ثقافية موجهة لهذا القطاع الحيوي والمهم، وذلك لكى نستطيع تغطية هذا الكم الهائل من الفعاليات والأنشطة والمهرجانات، وتقديمها بالصورة اللائقة، كما أن التحدي الأكبر هو أن نستطيع من خلال هذه القناة تقديم وتسويق المنتج الثقافي بصورة عصرية غير تقليدية، بالإضافة إلى أن الغزو الفكري الذي يتعرض له الشباب العربي بحاجة إلى من يتصدى له، من خلال طرح البديل المناسب والمقنع للجيل الجديد من أبنائنا، كما يجب الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في إنتاج البرامج المختلفة لهذه القناة».