صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

فضائيات تنويرية .. من الإمارات إلى العالم

أشاد مثقفون وإعلاميون وكتّاب عرب، بمختلف أجيالهم ومشاربهم واختصاصاتهم، بالدور الثقافي والتنويري الذي تقوم به دولة الإمارات في المنطقة العربية، والذي يصب في مجرى ترقية الفكر المستنير والمجدد لقيمة الوعي.
وعبروا في تصريحات لـ «الاتحاد الثقافي» عن الحلم الكبير في أن تطلق الإمارات قنوات فضائية متخصصة في مجال الثقافة والفكر، استكمالاً لما تقوم به من تبني سياسات ومشاريع ثقافية جادة، تهدف إلى بناء جيل مثقف عبر الاستثمار في الفكر والمعرفة، وهو ما سيلقى بظلاله الإيجابية على العالم العربي كله. كما أكدوا أن هذه القنوات التنويرية - حال إطلاقها- ستكون سداً منيعاً أمام الفكر المتطرف، وحماية للشباب العربي من عتمة ينشر سوادها أناس استغلوا غياب العقل وقصر المعرفة لديهم، كما ستكون الهدية الأجمل ?لكثير? ?من? ?المتعطشين إلى المعرفة وإلى?? الجمال القادم من جوهر الفنون والآداب وأشكال الفكر المختلفة.
«الاتحاد الثقافي» وهو يطلق هذه المبادرة، توجه إلى نخبة من الكتاب والمثقفين والفنانين والإعلاميين الإماراتيين والخليجيين والعرب، للوقوف على وجهة نظرهم في أهمية إنشاء قنوات فضائية ثقافية تنويرية متخصصة في الإمارات، وما الذي يميزها لحمل مثل هذه المسؤولية، ثم الحديث عن المواصفات التي يجب أن تتوافر في مثل هذه القنوات لكي تؤدي رسالتها، وتحقق القبول والنجاح لدى المتلقين.

تقول الباحثة الإماراتية د. موزة آل علي: مما لا شك فيه أن الثقافة ركن أساسي من أركان الشخصية العربية الواعية، لاسيما أننا في زمن لا يتوقف عن الخيال والمعرفة المستمرة، والساحة الثقافية اليوم بحاجة ماسة إلى تشذيب ومتابعة ومراجعة وسط الزخم الثقافي المتعدد، والذي لا يخلو منه بلد من بلدان العالم، ولابد من تلقيح الثقافة العربية وتطويرها بالوعي، أو بعبارة أخرى «بالإدراك الواعي» لمقتضيات العصر ومستجدات الحاضر، وبطبيعة الحال لن تكون دولة الإمارات في منأى عن العولمة الثقافية وتعدد الثقافات والانفتاح الثقافي مع العالم، وقد شهدت دولة الإمارات خلال السنوات العشر الماضية حراكاً ثقافياً مثمراً جعل من الثقافة زاداً معرفياً مستداماً، وخير مثال على ذلك ما تشهده الدولة من أعراس ثقافية متنوعة (مواسم ثقافية- ملتقيات- مهرجانات – مبادرات ثقافية) تنظمها الهيئات والدوائر الثقافية واتحاد الكتاب وغيرها».
وتضيف آل علي: «من هذا المنطلق فإنني أؤيد وبقوة وجود قنوات ثقافية متخصصة وداعمة للفكر الثقافي العربي الإماراتي، هذه القنوات سيكون لها رصيد ثقافي كبير من المهتمين، وأصحاب العقول النيرة، أضف إلى ذلك فئة الشباب، وهم الجيل الصاعد الذي يحتاج إلى تغذية فكرية، وجرعات مستمرة من الثقافة والوعي والمعرفة، ترسم ملامح مستقبله المهني، وشخصيته الثقافية».

الاستنارة والانفتاح الفكري
أما الكاتبة الإماراتية لولوة المنصوري، فتقول: «الإمارات اليوم بدأت تدخل ضمن مرحلة الاستنارة والانفتاح الفكري الثقافي، إنها حاضن آمن لموارد الإنسان الحضارية ومركز للإشعاع المعرفي والفني والتاريخي، بدأت تشهد نشاطاً وحراكاً ثقافياً مميزاً ونهضة فكرية تنموية عبر تبني مشاريع ثقافية رائدة على المستوى العالمي، وتفعيل الملتقيات والمهرجانات الفنية والأدبية والتراثية والإنسانية».
وتضيف المنصوري: «الثقافة هي الطريق الأنجح لإقامة الجسور بين الشعوب، لذا نطمح بأن تكون هناك قنوات داعمة لجسور التواصل، وحاضرة في المشهد الثقافي المحلي والعربي والعالمي من خلال مجموعة من البرامج التي تغطي كل جوانب الثقافة وتتميز بالشمولية والرقي والابتكار. ورؤيتي لهذه القنوات هو الوعي الإبداعي والجمالي والتعاطي الفكري الواسع، فغاية البرامج الثقافية في التلفزيون ليس الإمتاع والمعلومة فحسب، إنما إثارة الفضول، والتزود بالمعرفة، وإرهاف الإحساس، والدفع إلى التفكير والتأمل. كما أتمنى ألا يقتصر طموح البرامج الثقافية في القناة على (النظام الإعلامي) فحسب، وأعني بذلك برامج أخبار ما يستجد من وقائع ثقافية في مجال الموسيقا والسينما والمسرح والفنون والرواية والشعر، إنما تعمل القناة على تأسيس نقاش ثقافيّ فكريّ متواصل ليشكّل محركاً لعجلة الصناعات الثقافية».
تواصل المنصوري: «أتمنى أن تحافظ القناة الثقافية- في حال تأسيسها- على رصانتها في بث الوعي الثقافي المجتمعي، لا أن تصير سبيلاً للتنافس والظهور والنجومية ومادة للتدافع، فثمة برامج ثقافية في قنوات عربية وأجنبية ضرَّت بالأدب أكثر مما نفعته، لأنها خدمت منطق «النجومية»، ودفعت بالكاتب إلى الشهرة عوضًا من أن تركّز في جوهر المنتج، لذا أتمنى أن تكون القناة التلفزيونية المترقبة أداة فعّالة وذات مصداقية في خدمة المعرفة والتربية والمحبة، ووسيلة لتأسيس الثقافة وتحرير البشر عبر برامجها الفكرية المنفتحة والمتحررة من الأدلجة والتسييس وميراث الوصايا، أن تكون أداة إبداع وابتكار وتبني لرؤى بعيدة، أن تسلط الضوء أيضاً على أدباء وفناني الظل والهامش والغياب، لا أن تكرر الوجوه والحضور نفسه، وألا تسقط في مخالب التجارة والترفيه الذي يسطّح الوعي ويبلّد الإحساس، ويسقط معه الأمل ويضمحل الإبداع، ويضر بالثقافة أكثر مما ينفعها».
صناعة المستقبل
من جانبها، تؤيد الكاتبة الإماراتية عبير الحوسني، إطلاق قنوات ثقافية من الإمارات، قائلة: «بالتأكيد أؤيد فكرة أن تطلق الإمارات قنوات تنويرية متخصصة في مجال الثقافة والمعرفة بحيث تكون همزة وصل بينها وأفرادها، فهي بذلك تتبع سياسة حكيمة في صناعة المستقبل، هذه السياسة تجعل منها دولة رائدة في ميدان الفكر والمعرفة من حيث الأداء والفاعليّة، ومن حيث انعكاساتها المعنويّة على شعبها والمقيمين على أرضها، والعالم العربي أجمع الذي أخذ يحذو حذوها بعد أن أصبحت مثالاً رائداً في ذلك».
وتشير الحوسني إلى «حرص الإمارات
كدولة على بناء مجتمع المعرفة والقيام بدورها التنويري والحضاري إنما جاء خدمةً للمجتمع، فالسياسات التي تتبناها والأهداف التي تضعها لم تكن أبداً عشوائية، فنظرتها تتعدى هذا الجيل إلى الأجيال القادمة، فهي تعلي مكانة العلم والمعرفة في نفوسهم لتحصنهم من الثقافات المغلفة بالورد، والتي تسعى إلى قولبة تفكيرهم، لذلك وجود قنوات متخصصة في مجال الثقافة يعتبر ضرورة في زمن أصبحت فيه العقول مهددة بالاستنساخ، هذه القنوات سيكون لها صدى ثقافي تشحذ به همم الشباب، وفئات المجتمع ككل للعطاء في المجال الثقافي، والإنتاج بكل أريحية لأننا ضمنّا الوعي وحقنّا الثقافة وهذا بطبيعته سيخلق فارقاً».

التذوق المهني الراقي
يقول الدكتور محمد يوسف، أكاديمي وفنان تشكيلي ومسرحي إماراتي: «نحن مع فكرة إنشاء قنوات فضائية تقدم محتوى ثقافياً
مكثفاً، بشرط أن تكون الدراسة واعية، وأن تقدم الجديد وغير المكرر».
مضيفاً: «ولا يمنع أن نطوّر ما هو موجود، وأن نبتعد عن ما يقدم من سطحيات وقشور تهدم ولا تبني، ونحن مع التذوق الراقي الفكري والمهني، وقبل كل هذا نحن بحاجة إلى كوادر محلية مثقفة تدرك ما لها وما عليها من واجب في حال التخصص في البث الفضائي، ولنكن قدوة للآخرين، مع تحديد النوعية المطلوبة، ونحن قادرون لأن رغبة قيادتنا تتوجه إلى هذا البعد، كي تصبح الإمارات ومن يعيش على أرضها سعيداً بهذا النهج، ومتفاعلاً مع مخرجاته النوعية والقائمة على مفهوم الريادة والتميز».
ودعا يوسف إلى ضرورة خلق التوازن بين الشكل المعاصر وبين الواقع المحلي، وأن تتمتع القناة الثقافية بمواصفات فنية ومهنية تعتمد على الدراسات النفسية لمجتمع متحوّل، ارتقى إلى الحداثة بسرعة هائلة، لذلك يحتاج المشروع كما أوضح إلى صيغة عرض تجمع بين مكونات الماضي والحاضر وبين طموحات المستقبل.

الأقدر بلا منازع
يرى الكاتب والشاعر والمترجم التونسي عبداللطيف الزبيدي أن دولة الإمارات هي الآن في العالم العربيّ الأقدر بلا منازع على إطلاق قناة ثقافيّة من الطراز الأرفع، لأسباب موضوعيّة حاسمة: المقدرة الماليّة الضروريّة لمشروع رائد يضمن الاستمرار بغير تعثّر. الإدارة الفائقة التي برهنت على جدارتها في تنمية تنافس أكبر المراتب عالميّاً. بيئة القيم الإنسانيّة السامية والتعايش السلميّ بين كل الثقافات والحضارات والأديان.


وقال الزبيدي إن هذه الصفحات الذهبيّة في سجلّ التاريخ تسندها خمس وأربعون سنة من التألّق منذ قيام دولة الاتحاد.
وقال الزبيدي: «علينا أن نضع تصوّراً للهيكل الذي تقوم عليه قناة فضائية ذات نظرة مستقبلية للحاضر، متخصصة في الثقافة، التي أصبحت شموليّة في تخصّصها، تعدّديّة في تخصّصاتها. لنأخذ الحقول واحداً واحداً:
- لقد ولّى عصر ثقافة التجميع. يجب أن تكون مجموعة البرامج بينها تجاوب وتناغم، تعمل معاً مثل الفرقة الموسيقيّة السيمفونيّة التي تتعدّد أصوات آلاتها، وتختلف جملها الموسيقيّة التي تؤديها في وقت واحد على هيئة هارموني وتوافقات، ولكنها ترمي كلها إلى إنجاز إبداع واحد، أي أن تكون للقناة رسالة واحدة، لا مجرّد عرض بضائع متنوّعة لا صلة «روحيّة» خفيّة بينها. الغاية المثلى هي أن تشكل مجموعة البرامج جسماً مفعماً بالحيويّة: الدماغ يسيّر الكل بطاقات مبدعة، العينان لا تشبهان الأذنين ولا الأصابع، الشعر، القلب، الأنف، الفم.. إلخ، لكنها جميعاً تعمل معاً في سبيل حياة واحدة.
- البرامج الحواريّة: تتناول القضايا الثقافية المهمّة من قبل متخصصين في الميادين ذات العلاقة. مثلاً: ما هي أسباب غياب البحث العلميّ في العالم العربيّ؟ ما هي أسباب غياب النقد الأدبيّ والفنيّ في دول مجلس التعاون؟ الآن لدينا في دبي والكويت داران للأوبرا وفرقة سيمفونية في عُمان، فما هي الخطوات الضرورية لتحقيق تكافؤ بينها وبين الموسيقى الخليجية؟ كيف تحدث نهضة حديثة في مناهج تدريس الأدب العربيّ؟ ما هي أسباب غياب الإعلام العلميّ في العالم العربيّ؟
- الغائب الأكبر: تبيسط العلوم على نحو شائق. في البلدان المتقدّمة أعداد لا تحصى من الأفلام الوثائقيّة التي تضع أعقد المواضيع العلمية بين يدي المشاهد واضحة مبسّطة جليّة: الفيزياء، الكيمياء، الأحياء والتقانة.
- الفنون التشكيليّة وتاريخها ومدارسها، وطرائق نقدها وتحليلها.
- الموسيقا كفن أساسه الرياضيات والفيزياء والأساس العلميّ للذوق في الدماغ، تاريخ الموسيقى العالمية، الأشكال الموسيقية، الآلات.. إلخ.
- الحضارات وإنجازاتها من منظور عصريّ.
- الأديان وقيمها، والأديان المقارنة، بما يخدم التسامح والسلام العالميّ.
- المدارس الصوفيّة لدى الأمم والشعوب.الأبعاد الكونيّة في نظراتها وتداخلها مع الفيزياء الحديثة: وحدة المادة الكونية، النظرة غير المادية في إنشاء الكون، التجلّيات النورانيّة بمعنى الطاقة اليوم.
- الخصوصيّة في أشعار الشعوب، والقراءة الحديثة العصريّة للشعر العربيّ القديم.
- التاريخ ومفاهيم إعادة كتابته، ونقده».

مواجهة الخطابات العنيفة
يشير الفنان التشكيلي الإماراتي خليل عبدالواحد إلى أن وجود قناة ثقافية متخصصة في الدولة، هو أمر مطلوب وضروري اليوم ومستقبلاً لمواجهة التغيرات الثقافية السلبية وطغيان الخطابات الأيديولوجية العنيفة في منطقتنا العربية والإسلامية، خصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي الجاذبة للشباب تحديداً، وقال عبدالواحد إن إنشاء هذه القناة كمشروع تنويري يدخل في سياق المبادرات الثقافية والإنسانية الكبيرة والمبتكرة التي قدمتها دولة الإمارات المتحدة خلال الأعوام القليلة السابقة، وعلى رأسها مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بتخصيص عام 2016 عاماً للقراءة من خلال سن تشريعات وقوانين واضحة وطموحة أيضاً لتفعيل هذه المبادرة المهمة.
وأوضح عبدالواحد أن وجود قناة تلفزيونية ثقافية من شأنه أن يقدم صورة بانورامية للأنشطة الفنية والإبداعية المختلفة في الدولة، سواء ما يتعلق بالمسرح والتشكيل والموسيقى والسينما وفنون الكتابة، وحتى ما يتعلق بثقافة الطعام واللباس والأزياء، والثقافة البيئية، والرياضية، والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في سياق المفهوم الشامل للثقافة، وما يمكن أن تقدمه الثقافة من تحليلات ونظريات وقراءات معمّقة ورؤى استشرافية ودراسات إنسانية، ولقدرتها على بث الوعي الرصين في أوساط المشاهدين، بعيداً عن الطابع الاستهلاكي الطاغي على القنوات التجارية والربحية.

تحييد الفكر المتطرف
يقول الكاتب الإماراتي عمر غباش، مدير إدارة الدراما في مؤسسة دبي للإعلام، إن وجود قنوات ثقافية سيضيف لمكانة الإمارات أبعاداً ثقافية وفكرية نوعية، ستعمل على تثقيف الأجيال الجديدة بتراثها وهويتها، كما أنها ستنقل للعالم الصورة الحقيقية لمنجز الكتّاب والمبدعين والمفكرين من خلال ما تطرحه وتناقشه من فن وثقافة وعلوم إنسانية وأدب رفيع.
وأضاف: «بالتأكيد أن مثل هذه الحاضنة الثقافية الإعلامية ستكون قادرة على استيعاب كل الطاقات الخلاّقة في المجال الثقافي، ضمن منظومة واستراتيجية تهدف إلى تحييد الفكر المتطرف»، واستطرد: «يجب ألا ننسى أنّه في ظل غياب قنوات ثقافية جادّة سيؤدي ذلك إلى فتح الفضاء أمام ظهور القنوات المتشددة، المختفية وراء ظلال العنف الفكري وانفصام الشخصية والتناقض، حيث يبدو من السّطح أنها تطرح فكراً تنويرياً، وهو في الأساس (ظلامي)، ما يصدّر لنا خطاباً خفّاشياً، المقصود منه صناعة التّشويش على الفكر الجاد الرصين».
وحول المواصفات التي يجب أن تتمتع بها هذه القنوات لأداء رسالتها، قال غباش: «يجب أن تصب أولاً في مصلحة الوطن، ثم الانفتاح على الآخر بخطاب ثقافي عقلاني مستنير، ثانياً أن تستعين بالمحترفين في مجال الإعلام الثقافي»، لافتاً إلى أن الإمارات تملك المقومات لتبني مثل هذا المشروع الثقافي الوطني الذي طال انتظاره، سواء على مستوى المناخ الثقافي الذي تسوده حرية تعبير فريدة، أو على مستوى الإمكانات، أو العمليات الإنتاجية، المهم في النهاية أن تكون مثل هذه القنوات تحت مظلة مؤسسات، تدعم ولا توجّه.

ثقافة يديرها الشباب
يعبر الكاتب والإعلامي الإماراتي يعقوب الرّوسي، رئيس إذاعة «إمارات إف. إم»، التابعة لشركة أبوظبي للإعلام، عن أسفه لتسيّد القنوات الترفيهية للمشهد الإعلامي، قائلاً: «إنها في معظم الأحيان تقدم برامج ثقافية هامشية وهشّة شكلاً ومضموناً»، مؤكداً أن ضرورة تدشين قنوات ثقافية متخصصة، خاصة في ظل ما يطيحه الإرهاب بأشكاله بكل ما هو جميل وأصيل وله صلة بالحضارة والهوية».
ويستطرد يعقوب الرّوسي: «مبادرة إنشاء قنوات فضائية ثقافية متخصصة ستحقق مشروعاً ثقافياً وطنياً رفيعاً في بلد (الإمارات) أصبح الدّاعم الأول للثقافة، كما أنّه المنصة العالمية لاستقطاب الإشعاع الفكري والحضاري، بما يملكه من مقومات الدعم الرسمي من جانب القيادة التي تعي تماماً قيمة ورسالة وأهداف الثقافة الجماهيرية الرصينة في صقل الذائقة وتربية الأجيال. وفي حالة تأسيس مثل هذه القنوات، علينا أولاً أن نعرف المستهدفة للمخاطبة، وفي مقدمتها الشباب، المستهدف بالغزو والإرهاب الفكري، وغسل العقول من قبل المتطرفين، ما يلح على أهمية البدء فوراً في تحقيق هذه المبادرة، شريطة أن تكون القنوات الثقافية خفيفة الظل، بعيدة عن النمط الإعلامي التقليدي الممل، وحشو الكلام والبرامج، وأن تضع في استراتيجيتها أن يديرها النخبة من شباب الإعلام الثقافي ممن يملكون الخبرة والمهارة والثقافة والذوق الجمالي في مخاطبة الجمهور بأسلوب معاصر».

تجنب الفكر الظلامي
يقول إبراهيم الأحمد، مدير مركز الأخبار في قنوات أبوظبي للإعلام: «تكمن أهمية مثل هذه القنوات في ظل الانفتاح على العالم والثقافات والحضارات، بحيث أصبح من الصعب التحكم في توجهات النّاس، وإذا لم يكن لديك قناة متخصصة فعليك أن تعلم أنّه لا يمكنك التحكم في رأي الجمهور بفئاته المختلفة». على مستوى الشباب أوضح الأحمد أنّه من السهل التأثير عليهم عبر ثقافة التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الإنترنت، بحيث أصبحت مع الوقت متوغلة في عقولهم، بل وتشكل معارفهم التي غالباً ما يعتريها غياب المعلومة الدقيقة، خاصة ما يتصل بالهوية والشخصية القومية، مؤكداً أن قناة ثقافية متخصصة جادة، مشحونة بالبرامج الثقافية والفكرية والفنية الراقية، ستلعب دورها في محاربة الأفكار المتطرفة، وتجنب شبابنا التأثيرات السلبية للفكر الظلامي الذي صار له تقنيات ومعلومات وبرامج ووسائل مؤثرة عديدة. وأشار الأحمد إلى أن الإمارات تمتلك بنية تحتية ومؤسسات لا تتوافر في كثير من البلدان: قيادة رشيدة تمتلك رؤية تحترم المنظومة الفكرية بروافدها من ثقافة التسامح، حرية التعبير، المجلس الوطني للإعلام، دعم حكومي، الخبرات والمهارات الثقافية والإعلامية، السمعة الطيبة عالمياً، الأمن الثقافي، القدرة على مخاطبة الآخر تحت مظلة حوار الأديان والحضارات، ثم بيئة الإمارات الخصبة لاستيعاب مثل هذه المبادرات الكبيرة.

المفردة الثقافية واحدة من أهم أولويات الرسالة الإعلامية
الدكتور علي الشعيبي، أستاذ الإعلام، والخبير والمفكر الإعلامي الإماراتي، يقول معلقاً على أهمية إطلاق قناة ثقافية تنويرية من الإمارات: «في البدء يجب التأكيد على أهم دور مفترض كان يجب أن تلعبه وسائل الإعلام المختلفة بتعدد توجهاتها ووسائلها، هو الحرص على جعل المفردة الثقافية على اتساع معانيها واحدة من أهم أولويات الرسالة الإعلامية القادرة على إحداث التغيير المطلوب في بنية المسارات التنموية المختلفة».
ويضيف: «نظرة عامة للمنتج الإعلامي الإماراتي، خاصة التلفزيوني منه، يلحظ اتجاهاً يتسم بالإصرار على تقديم الترفيه والإمتاع على حساب الثقافة، الترفيه المغرق في بعض الأحيان بالإسفاف إذا ما تابعنا بعض برامج صناعة نجوم الغناء أو نجوم الفن من الدرجة الثالثة. لم تشذ الدراما التلفزيونية عن هذا المسار، فجل ما قدم خلال العقود الثلاثة الماضية لا يخرج عن كونه ترفيهاً فجاً، ومماحكات فجة لبعض القضايا الاجتماعية، خاصة في بعض المسلسلات المحلية والكويتية، والتي تتماثل فيها النماذج، حيث يكون الصراع مرتبطاً بالإرث والعقوق والشذوذ، ونادراً ما كنت تتابع مسلسلاً محلياً يناقش قضايا اجتماعية جادة على الرغم من كثرتها في مرحلة التحولات الاجتماعية التي مر بها إنسان الإمارات».
ويرى الشعيبي أن «معظم وسائل الإعلام، خاصة التلفزيون، كان منحازاً وبشكل واضح لثقافة الترفيه على حساب الثقافة الجادة القادرة على بناء شخصية الإنسان الإماراتي وتحريك كوامن الإبداع لديه، وإليكم بعض مخرجات هذا التوجه لمجرد إثبات وجهة النظر، أطرحها في شكل أسئلة تبحث عن إجابات: كم كاتباً إماراتياً مبدعاً استطاعت أن تصنعه ثقافة الإمتاع والترفيه؟
كم رواية تم نشرها خلال العقود الأربعة الماضية مقارنة بكم مغنٍ أو ملحن زخرت بهم الساحة الفنية؟. كم مخرجاً تلفزيونياً وإذاعياً إماراتياً متألقاً ترك بصمته في عالم صناعة الدراما أو البرامج الحوارية أو الأفلام التسجيلية، إلا إذا كان مفهوم الثقافة مرتبط بالفلكلور وصناعة اللقيمات في المناسبات العامة؟ كم إذاعياً نجماً استطاع أن يترك بصمته على الميكرفون وفي ضمائر المستمعين؟
ويقول الشعيبي: «بكل تواضع نقول إن حقبة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي شهدت فعلاً ثقافياً متألقاً، وعرفت الشاشة الصغيرة أسماء لامعة قدمت خلاصة تجربة لا تزال ماثلة أمام الجمهور».
يؤكد الشعيبي: «نعم نحن بحاجة لقناة ثقافية تنقب وتبحث عن المبدع الإماراتي وتقدمه للإمارات والعرب والعالم. إن طموحنا فيه من الأماني الكثير بأن يعاد الألق للمبدع الإماراتي كاتباً وقاصاً ومذيعاً ومقدماً للبرامج، ومحاوراً في البرامج السياسية والاجتماعية، وأن تعطى له الفرصة من خلال هذه القناة الثقافية مثلما أعطيت آلاف الفرص للشباب المبد
إنها التفاتة جادة وصادقة تمنح المثقف الإماراتي مساحة يستطيع من خلالها إيصال صوته وصوت الوطن، لنقول للناس إن الإمارات ليست نفطاً وإنجازاً كونكريتياً، بل هناك إنجاز إنساني متمثلاً في راوية أو قصة أو مسرحية أو برنامج تلفزيوني جاد».

الإمارات المنصة الأنسب للقنوات الثقافية
الشاعر والباحث الإماراتي خالد البدور، يعرب عن تقديره لهذه المبادرة، لافتاً أن ما ينقصنا في وسائل الإعلام هو برامج ثقافية ومعرفية نوعية، تلقي الضوء على عالم الأدب والثقافة والإبداع بشكل معمّق، مؤكداً: «وجود قناة ثقافية متخصصة سيضيف للحراك والمشهد الثقافي زخماً وألقاً يجعل من مجالات الإبداع محط انتباه الجمهور، وعلى وجه الخصوص الشباب، الذي يعيش هوة كبيرة ما بين الماضي المجيد والحاضر المظلل بتحديات كبيرة».
وأضاف البدور: «يجب على القناة الثقافية أن تلقي الأنوار الكاشفة على الإبداع الإنساني الأصيل، وأن تقترب من جوهره في إطار برامج مدروسة تفرد مساحة أوسع للكتاب، والجوانب الهامة في الفلسفة والعلوم والآداب وسياسة التعليم والحوارات الجادة والإصدارات الجديدة، والنظريات الأدبية والنقدية وأعلامها بعد أن أصبحت الشغل الشاغل في عصر العولمة، إلى جانب التركيز والتوسع في السؤال الثقافي والمعرفي بشكل عام». وختم البدور قائلاً: «قناة ثقافية ناجحة وجاذبة ومتواصلة مع الهم الثقافي وفئات الجمهور المختلفة، يجب أن تكون صاحبة إطلالة في مشهد الإعلام الثقافي في إطار تخطيط مؤسسي يقوم على تبني سياسة التعددية في الأفكار والآراء، ما يفتح المجال أمام نمو الحوار وقبول الآخر، ما يسهم بلا شك في انزياح الفكر المتطرف، ومواجهته بعقلانية، حتى لا يوجد له مكان في خارطة العقل الشبابي، والإمارات دولة السلام والحق والتسامح وتحتضن ثقافات عديدة، وتتمتع بمكانة عالمية تجعل منها المنصة الأنسب لمثل هذه القنوات».