الاتحاد

تقارير

«الديمقراطيون» وخيار الملاذ الأخير

قد يحدث شيء غير مسبوق في الأيام القليلة المقبلة، حين يصوت مجلس الشيوخ على ترشيح نيل جورستش لمنصب قاضٍ في المحكمة العليا الأميركية. وهذا الشيء غير المسبوق لن يكون سعي الجمهوريين لما يطلق عليه «خيار الملاذ الأخير» لتمرير التعيين بأغلبية 51%. والمقصود هنا بـ«خيار الملاذ الأخير» هو تغيير القواعد المتبعة في تعيين القضاة في مجلس الشيوخ. بل إن غير المسبوق تاريخياً سيكون، هذه المرة، اتباع الديمقراطيين سياسة المماطلة السياسية لعرقلة تعيين جورستش.
ولم ينجح اعتراضٌ على تعيين مرشح لمنصب قاض في المحكمة العليا في تاريخ أميركا، وإذا أصبح جورستش سابقة تاريخية في هذا الصدد فسيكون هذا أمراً عبثياً تماماً. فقد رشح الرئيس دونالد ترامب استناداً إلى معايير سليمة قاضياً، وهو صاحب طباع وشخصية وذكاء بلا شائبة، ويحظى بالاستحسان على امتداد الطيف السياسي. فقد أعلن لورانس ترايب، أستاذ القانون في جامعة هارفارد، أن «جورستش شخص رائع ولامع وسيقوم بعمله في المحكمة بتميز». وكذلك نيال كاتيال، القائم بأعمال النائب العام السابق في عهد أوباما، أوصى الليبراليين، في مقال رأي في «نيويورك تايمز»، بأن يؤيدوا تعيين جورستش، لأنه سيدعم حكم القانون، ويتصدى «للرئيس أو الكونجرس إذا تجاوزا الدستور والقانون».
فهل هذا هو الشخص الذي يريد الديمقراطيون استهدافه باعتراض غير مسبوق على تعيينه؟ الواقع أن جروستش لا يستطيع الحصول على 60 صوتاً. والاعتراض على تعيين جورستش ليس فقط عملاً صارخ الحزبية، ولكنه متهافت استراتيجياً أيضاً. والأعضاء الجمهوريون في مجلس الشيوخ يجدون حرجاً في اللجوء إلى «الخيار النووي» وحتى لو كان ترامب قد رشح شخصاً أكثر إثارة للجدل لما سعى الجمهوريون إلى تغيير قواعد مجلس الشيوخ. ولكن تهديد الديمقراطيين باعتراض ترشيح شخص مؤهل بشكل واضح مثل جورستش ليحل محل القاضي الراحل سكاليا، هو ما يوحد الحزب الجمهوري الآن حول «خيار الملاذ الأخير».
والواقع أن الديمقراطيين هم من وضعوا أنفسهم في هذا المأزق. فقد كانوا دوماً هم من ينتهك الثوابت الراسخة في تعيين القضاة. وأثناء إدارة جورج بوش الابن استخدموا وسائل اعتراض الترشيح لمنع تعيين «ميجيل إسترادا» الذي كان مؤهلاً بشكل رائع لمحكمة الاستئناف الأميركية لدائرة مقاطعة كولومبيا، وقد حظي بدعم أغلبية واضحة في مجلس الشيوخ. وكان «إسترادا» هو أول مرشح لمحكمة الاستئناف يتم الاعتراض عليه بنجاح. ولكن لم يكن هو الوحيد، فقد اعترض الديمقراطيون أيضاً سبيل تعيين عشرة أشخاص رشحهم بوش لمناصب في القضاء في عامي 2003 و2004 بنفس الطريقة.
وحين انتُخب أوباما رئيساً، وكان الديمقراطيون يسيطرون على مجلس الشيوخ، استخدم الجمهوريون السابقة التي أرساها الديمقراطيون. ورد الديمقراطيون، في المقابل، بانتهاك إحدى الثوابت مرة أخرى، بتغيير قواعد مجلس الشيوخ ليتخلصوا من وسائل الاعتراض لكل المرشحين فيما عدا المرشحين للمحكمة العليا، وتتضمن التعيينات مدى الحياة لمحاكم الدوائر الاتحادية. وفعلوا هذا حتى يستطيع أوباما أن يملأ المحاكم بقضاة ليبراليين لا يستطيعون الوفاء بمعيار الحصول على 60 صوتاً.
وبعد أن تخطينا القيود في التعيينات لمدى الحياة في المقاعد الاتحادية من حق الجمهوريين أن يتساءلوا الآن: إذا فعل الديمقراطيون مرة أخرى شيئاً غير مسبوق في التاريخ الأميركي واعترضوا ترشيح جورستش، فلماذا لا نتبع نحن أيضاً هذه السابقة التي أطلقها الديمقراطيون ونوسع القواعد التي أرسوها لتطبق أيضاً على مرشحي المحكمة العليا؟
الواقع أن هذا ما كان يخطط له الديمقراطيون بالضبط في حال فوز هيلاري كلينتون بالانتخابات. ففي العام الماضي حين كان الجميع يعتقدون أن كلينتون ستفوز بالانتخابات ويستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ، أعلن «تيم كين» المرشح لمنصب نائب الرئيس، أن الديمقراطيين سيلجؤون إلى «خيار الملاذ الأخير» إذا اعترض الجمهوريون على مرشح كلينتون للمحكمة العليا. وأشار «كين» إلى أنه إذا اعترض الجمهوريون على اختيار كلينتون فإن الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ لن تسمح للجمهوريين بـ«نقض القانون. بل سنغير قواعد مجلس الشيوخ لنحافظ على القانون».
أما الآن فـ«كين» ورفاقه الديمقراطيون هم من «يعترضون» و«ينقضون القانون». ولذا فليس لديهم ما يشكون منه إذا اتبعت الغالبية الجمهورية نصيحتهم وسابقتهم وصوتت من أجل تغيير قواعد مجلس الشيوخ. ويعلن تشاك شومر حالياً أنه يتمنى لو أن رفاقه الديمقراطيين لم يتخلصوا من سلطة الاعتراض عام 2013. ولو حدث هذا لما استُخدمت سلطة الاعتراض ضد رجل مؤهل بشكل واضح مثل جورستش. وإذا انتهى الحال بالجمهوريين إلى الاضطرار إلى «خيار الملاذ الأخير» في الأيام القليلة المقبلة، فلن يكون هذا إلا لأن الديمقراطيين هم من أجبروهم على ذلك أصلاً.

* محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا