الاتحاد

تقارير

تحول ألمانيا إلى دولة نووية؟!

لقد عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمن ألمانيا للخطر. فالادعاء الذي ردده خلال حملته الانتخابية، بأن الحلف الأطلسي «الناتو» قد «عفا عليه الزمن»، تسبب في تآكل أهم مصدر من مصادر قوة الحلف، وهو مصداقيته، ثم جاء أيضاً استمراره في ترديد نفس الادعاء، بعد أن أصبح رئيساً، ليؤدي إلى دق أجراس الإنذار في صفوف الاستراتيجيين الألمان، وأي طرف آخر، لديه اهتمام بمستقبل أوروبا.
فـ«الناتو» ليس هو الحلف العسكري الأقوى، والأقدم في العالم فحسب، ولا الحلف الذي نجح في ردع الأعداء المحتملين لدوله الأعضاء لما يقرب من سبعة عقود، فقط، وإنما هو أيضاً الضامن لأمن ألمانيا القومي، والشرط الأساسي لاستمرار وجودها، كدولة مستقلة ومستقرة سياسياً كغيرها من الدول الأوروبية.
وليس هناك من يستطيع المجادلة طبعاً في أن القدرات العسكرية المتفوقة، والشاملة للولايات المتحدة، تمثل العمود الفقري لحلف «الناتو»، وأنها هي التي حمت ألمانيا من خطر الغزو السوفييتي خلال سنوات الحرب الباردة، وردعت المحاولات المتكررة من جانب روسيا البوتونية، لاستعراض قوتها خلال العقد الأخير.
وفي القلب من هذا الردع لمحاولات استعراض القوة الروسية، توجد الأسلحة النووية، التي يتمركز الكثير منها في ألمانيا نفسها. وهذه الحقيقة في حد ذاتها، تعني أن ألمانيا تجد نفسها الآن أمام نقاش بالغ الجدية، يتمحور حول السؤال: هل تستمر في الاعتماد على الولايات المتحدة، التي ترسل في الوقت الراهن إشارات، تفيد بأنها باتت دولة لا يمكن الاعتماد عليها، أم تبدأ بدلاً من ذلك، في السعي للحصول على ردعها النووي الخاص، سواء بمفردها، أو من خلال الانخراط في ترتيبات أمنية أوروبية جديدة.
والرأي المتفق عليه بشكل عام لدى المشاركين في هذا النقاش، هو أن الأسلحة النووية الألمانية، ستكون هي الطريقة الأكثر فعالية، لتعويض الانسحاب الأميركي، والوسيلة الأفضل لتعديل عدم التوازن العسكري الذي سيخلقه ترامب، إذا ما سحب الصواريخ الأميركية من ألمانيا.
وفي هذا السياق يرى الكاتب رودولف هيرزوج، في مقالة نشرت له مؤخراً في دورية «فورين بوليسي»، أن الأسلحة النووية تتناقض مع جهود ألمانيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، للتحول إلى قوة أخلاقية عالمية. ولكن جيران ألمانيا الأوروبيين، لا يريدون سماع محاضرات عن الأخلاق من جانب ألمانيا، بقدر ما يريدون رؤيتها وهي أكثر انخراطاً في الشؤون الأوروبية، وأكثر فعالية من الناحية العسكرية.
وقد يعترض البعض على هذا التوجه، بالقول إن ألمانيا من الدول الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. ولكن طالما أن الأسس التي جعلت من غير الضروري لألمانيا أن تفكر -مجرد تفكير- في حيازة أسلحة نووية، وتوقع على الاتفاقية، لم تعد قائمة، مع تحول «الناتو» إلى حلف «عفا عليه الزمن»، كما قال الرئيس الأميركي. وطالما أن الظروف المحيطة تتغير أيضاً بسرعة وعلى نحو جذري، فإنه لم يعد من الممكن أن يتم إلزام ألمانيا بالبقاء، من دون حماية، في مواجهة روسيا المسلحة تسليحاً نووياً كثيفاً -7000 رأس نووي.
وليس هناك شك كذلك في أن النقاش المثار حول هذا الموضوع كان بمثابة لفت نظر للعناصر الأكثر حذراً وحكمة في حكومة الولايات المتحدة، للتداعيات التي يمكن أن تنتج عن التخلي عن «الناتو»، ولكن ذلك لا يعني أيضاً أن المقترح النووي (حصول ألمانيا على أسلحة نووية)، كان هو السبب الوحيد في ترويض حديث ترامب الجامح مؤقتاً، لأن الاحتمال الأرجح، من وجهة نظري، هو أن هناك عوامل أخرى، أكثر فعالية، قد دفعت الإدارة الأميركية لإجراء عملية إعادة تقييم حذرة للقيمة الاستراتيجية لـ«الناتو».
ومع ذلك، ومع اضطرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، إلى نفي وجود مثل هذه الخطط النووية علناً في وقت مبكر من هذا العام، فإنه ليس من المستبعد أن يكون النقاش المثار حول الموضوع في ألمانيا، قد لوحظ في الولايات المتحدة، وأثار اهتمام إدارتها.
إن الأسلحة النووية مكلفة، ومثيرة للشقاق، وقابلة للانتشار، وخطرة. وألمانيا ليست في عجلة من أمرها للحصول على تلك الأسلحة. ولكن إذا ما رفع عنها غطاء المظلة النووية الأميركية، وظلت الأسلحة الروسية موجهة نحوها، فلن يكون لديها خيار آخر في مثل هذه الحالة.

* أستاذ العلوم السياسية الدولية في جامعة وينشستر في بريطانيا وزميل أبحاث رفيع المستوى في جامعة كامبردج
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا