صحيفة الاتحاد

دنيا

«تنافُس الإخوة» ظاهرة تحتاج من الأبوين مقاربات تربوية ذكية

التنافُس بين الإخوة يحدث نتيجة سعي كل منهم لكسب حب أكثر واحترام أكبر من الوالدين (أ ف ب)

التنافُس بين الإخوة يحدث نتيجة سعي كل منهم لكسب حب أكثر واحترام أكبر من الوالدين (أ ف ب)

يبدأ التنافُس وعمليات الشد والجذب بين الإخوة في سنوات مبكرة. ولا ينتهي هذا التنافس بتجاوزهم مرحلة الطفولة، بل إنه يستمر في الغالب إلى أبعد من ذلك. وليس عيباً أن يتنافس الإخوة أو يتخاصمون، فذلك أمر طبيعي وقدر حتمي لا مناص منه، لكن العيب هو عدم إلمام الأبوين بالطرق المثلى للتعامل معهم، والإصغاء لكل واحد منهم، ومنحهم الفرصة لحل مشاكلهم بأنفسهم. فذلك لا يمكن إلا أن يقوي علاقتهما الأخوية ويجعلها دائمةً مستدامةً بفضل قيامها على أساس صلب قوامه التواد والتراحم والتفاهم وتقبل الاختلاف.


إذا كان لديك أكثر من ابن، فعليك أن تضع في حسبانك أن جعل منزلك يرفل في السلام والسكينة هو أمر لا يخلو من صعوبة. فقد تجدهم لحظةً يلعبون مع بعض في ود ووئام، وبعدها بهنيهة قصيرة تجدهم وقد أمسك كل واحد منهم بخناق الآخر. وهو لا ريب وضع يستدعي ممن حضر من الأبوين أن يعرف كيف يتدخل ويُوجه، ويقوم بإرشاد ما شذ وحاد عن الصواب، ويدفعهم للتسامح والتصالح، ويُقنع المسيء بالاعتذار عن الخطأ والمتضرر بالصفح وإن كان قادراً. أما في حال تُرك للأبناء الحبل على الغارب للتعارُك والتخاصم والتدابُر، فإن كل أفراد الأسرة يخسرون، فالأبوان يُحرمان من سكينة البيت، والإخوة يخسرون الألفة بسبب كثرة خلافاتهم بعضهم البعض في الصغر، وأحياناً حتى في الكبَر.
شد وجذب
عادةً ما ينشأ التنافُس بين الإخوة نتيجة سعي كل منهم إلى كسب حب أكثر واحترام أكبر من الوالدين. ويتخذ هذا التنافس أشكالاً مختلفةً قد تشمل التضارُب البدني، والتنابُز بالألقاب، والتنازُع على أمور تافهة، وإصدار سلوكات عُدوانية وغير ناضجة. ويحدث ذلك غالباً عند إنجاب ابن ثان أو ثالث أو رابع. كما يُمكن لمثل هذه التصرفات أن تحدث في أي وقت كلما شعر الطفل بالغيرة أو أحس بأن أخته أو أخاه يتلقى اهتماماً زائداً.
وبالرغم من كون تنافُس الإخوة وتغايُرهم يُعد مرحلةً طبيعيةً من مراحل نموهم، تبقى هناك العديد من العوامل التي من شأنها التأثير على درجة تقارُب الإخوة وتوادهم، ومن بينها السن والجنس والشخصية، بالإضافة إلى حجم الأسرة، وما إذا كان أفرادها منسجمين ومتآلفين، وما إذا كان لكل واحد منهم مكانته الخاصة. ويمكن تلخيص الوضعيات والسياقات التي يوجد فيها معظم الأبناء الإخوة من خلال الأمثلة الآتية:
? أطفال متقاربون في السن. فهؤلاء يتعاركون ويتخاصمون مع بعضهم أكثر من الأطفال المتباعدين في العمر.
? أطفال من الجنس نفسه. فالأطفال الذكور غالباً ما يتشاركون الاهتمامات نفسها، والأمر ذاته ينطبق على الإناث، لكن علاقاتهم قد لا تخلو هي الأخرى من مظاهر تنافُس.
? الأطفال الوسطيون. فالطفل الذي يولد ثانياً أو ثالثاً ويأتي وسطياً، لا هو أول عنقود الذرية ولا هو آخرها، قد يميل أكثر إلى الشعور بالغيرة والتنافُس مع إخوته الكبار أو الصغار من أجل الحصول على الامتيازات نفسها التي يتمتعون بها، فيُعبر عن ذلك بطرق لفظية أو حركية رغبةً منه في الشعور بأمان أكبر.
? أطفال الآباء المطلقين. فهؤلاء الأطفال تنتابهم رغبة أكبر في التنافُس لنيل اهتمام من يعيشون معه من آبائهم البيولوجيين. ويحتد شعور التنافس والتغاير لديهم أكثر في حال ظهور إخوة غير أشقاء في البيت الذي يقيمون فيه.
ومع اشتداد عود الأبناء وتجاوزهم مرحلة الطفولة واليفاعة، تتغير نوعاً ما طريقة تواصُلهم وتفاعلهم مع بعض. فبينما يميل الأطفال الصغار إلى التعارُك البدني، يلجأ الأطفال الكبار إلى استخدام التعارك اللفظي. ويبلغ الاحتكاك بين الإخوة ذروته عندما تصل أعمارهم ما بين 8 إلى 12 سنةً، وهي المرحلة التي يصبحون فيها أقوى بدنياً وأشد عناداً. غير أن الأطفال اليافعين يتجهون إلى قضاء وقت أقل مع باقي أفراد الأسرة، بمن فيهم الإخوة عندما يصبحون مستقلين أكثر. ما يُقلل فرص احتكاكهم وتخاصمهم، إلا أن إخوتهم الذين يصغرونهم سناً يجدون صعوبةً في تقبل هذا التغير، وهذا الميل إلى العزلة من لدن إخوتهم الكبار.
مسؤولية الأهل
لا يسلم أي إخوة من التخاصُم لفظياً أو بدنياً، أو تبادُل المضايقات، أو إطلاع أحد الأبوين أو الأقارب على ما شان من أفعاله أو أقواله داخل البيت أو خارجه في لحظات أو أوقات ما. وإذا سلمنا أن حلبة التنافس الأخوية هي معاناة لا بُد لأي إخوة أن يكابدوها، فإن ما لا ينبغي أن نُسلم به هو وقوف الأبوين مكتوفي الأيدي. فالمسؤولية الأبوية لكل واحد منهما تقتضي اتخاذ خطوات نشيطة لتشجيع الأبناء على تكوين علاقات أخوية قوية وسليمة وبناءة حتى تصمد أمام أي رياح قد تُحاول أن تعصف في وجهها. ومن بين الخطوات التي يتعين على كل أبوين اتخاذها ما يلي:
- احترام حاجات كل ابن أو بنت على حدة. فمعاملة الأبناء على النحو نفسه لا يكون دوماً استراتيجيةً فعالةً، ومهما حاول الأبوان وحرصا على العدل بين الأبناء، فقد لا ينجوان من اتهام أحد أبنائهما بعدم الإنصاف. ولذلك، فإن أفضل طريقة تربوية هي التركيز على حاجات كل طفل على حدة. فمثلاً، بدل أن تشتري لابنيك كليهما الهدايا نفسها حتى لا يتصارعا حولها، اشتري لهما هدايا مختلفة، بحيث تعكس كل هدية الاهتمامات الشخصية للطفل المهداة إليه. وعوض تسجيل الأبناء جميعهم في ناد لكرة القدم أو حصص لتعلم العزف على البيانو، اسأل كل واحد منهم عن اختياره الشخصي وتصرف من هذا المنطلق.
? تجنب المقارنة. فمقارنة الأبوين لقدرات ومهارات وطاقات أبنائهما يمكن أن تُسبب لهم أذى نفسياً كبيراً وتُشعرهم بعدم الأمان. وإذا كان من الطبيعي بالنسبة للأم أو الأب ملاحظة اختلافات أبنائهما، فإنه ليس من الطبيعي ولا الصحي مناقشة هذه الاختلافات بحضورهم. وعندما توجه ثناءً لأحد أبنائك، فاحرص على أن تصف العمل أو الإنجاز الذي جعله يستحق هذا الثناء بدلاً من مقارنته بالطريقة التي أداه بها أخوه أو أخته.
? وضع قواعد التعامل. فعلى الأبوين أن يتيقنا من أن أبناءهما يستوعبون تماماً السلوكات المقبولة والتصرفات المرفوضة عند تعاملهم مع بعض، وعليهما أن يتحققا أيضاً من أنهم يُدركون العواقب الوخيمة لكل سلوك مشين.
? عدم لعب دور الخصم والحكم. فالحرص على عدم التدخل إلا عند الضرورة في أي معارك كلامية تنشب بين الإخوة هو أمر مطلوب من الأبوين لتشجيع الأبناء وتعويدهم على حل خلافاتهم ومشاكلهم بأنفسهم ودون الاستعانة بطرف ثالث: أحد الأبوين. كما ينبغي نُصح الأبناء بعدم التحدث بسوء عن بعضهم أو إفشاء أسرار بعضهم. فيمكن لكل مرب أن يُساعد الأبناء الصغار على حل خلافاتهم، لكن دون التحيز إلى هذا الطرف دون ذاك. وإنْ احتجت إلى تقديم نصائح تربوية لأبنائك، فتجنب القيام بذلك أمام الآخرين، فذلك يُشعرهم بالإحراج ويجعلهم ينظرون إليه كنوع من التوبيخ لا يرضون استماعه أمام الملأ. وتبقى أسلم طريقة هي اصطحاب الطفل جانباً والتحدث معه على انفراد ومناقشة سلوكه المستنكَر أو فعله المستهجَن. واحذر عند تعاملك مع الأبناء من استخدام الألقاب الجارحة أو إلصاق صفة ما بأحدهم، أو التسرع في إلقاء اللوم على من تعتبره «الشقي» أو الأكثر شغباً، فتصنيف الأبناء بشكل مسبق يُعمق الخلافات بين الإخوة ويجعل المتذاكي منهم يستغل هذا التصنيف ليكيد لأخيه أو أخته.
? استباق المشاكل قبل حدوثها. فإذا كان أبناؤك يعجزون عن حل خلاف ما بأنفسهم، أو كانوا يتصارعون ويتخاصمون حول الأشياء ذاتها وللأسباب نفسها كل مرة، فساعدهم بهدوء على ابتكار حل للمشكلة التي تُحدث بينهم الشنآن. فمثلاً، إذا كان أبناؤك ينزعجون من مشاركة بعضهم البعض في اللعب، فشجع كل واحد منهم على اللعب فقط بألعابه، أو خطط معهم أنشطةً لا تتطلب الكثير من التشارك، من قبيل الاستماع إلى الموسيقى أو لعب «الغمضية». وإن كان أطفالك يتعاركون مراراً بسبب التلفاز، أو ألعاب الفيديو أو أية أجهزة رقمية أخرى، فضعي لهم جدولاً أسبوعياً يُخصص لكل واحد منهم حصته باليوم والساعة والمدة، واشرحي لكل منهم عاقبة عدم الالتزام بهذا الجدول.
? الإصغاء إلى الأطفال. فالطفل يعتبر في الوهلة الأولى وجود أخ له أو أخت عاملاً مُحبطاً يتسبب له في سحب بساط رعاية وحنان طالما رفل في نعيمه. ولذلك اسمحي للطفل بأن يبوح بمكنونات نفسه ومشاعره السلبية وشكاواه حول الآخر، والعكس صحيح. وبعد أن تُصغي بإمعان إليه، رُدي عليه بلطف وأفهميه أنك تتفهمين مشاعره. وإذا كان لديك أنت أيضاً إخواناً وأخوات، فاحكي له قصصاً عن بعض النزاعات والخلافات التي كانت تحدث لك مع إخوتك، وإنْ لم تتذكريها، فلا بأس باختلاق قصة ما ليقتنع بأن حدوث خلاف هو شيء عادي وعابر ولا يُفترض أن يؤثر على متانة العلاقة الأخوية، أو يفت قيد أنملة من عضد البنيان الأسري ككل. ويمكنك كذلك أن تنظمي مع أبنائك اجتماعاً أسرياً أسبوعياً منتظماً، وتعطي لكل واحد منهم الفرصة للتحدث حول شؤونه وشجونه مع إخوته، وتُطالبيه باقتراح حل أو أكثر لكل مشكلة يطرحها.
? التشجيع على السلوك الحسن. فعندما تُلاحظين أن أبناءك يلعبون في وئام وانسجام مع بعضهم وبروح الفريق الواحد، فلا تُفوتي فرصة إطرائهم، وتيقني أن ملاحظاتك الإيجابية تجد لها وقْعاً طيباً في آذانهم، وتنفد عميقاً إلى لاشعورهم.
? إظهار الحب. فاحرص أيها الأب واحرصي أيتها الأم على قضاء وقت مع كل طفل من أبنائك على انفراد. ومارس معه الأنشطة المحببة إلى قلبه وتلك التي تعكس اهتماماته. وذكرهم يومياً بأنك تحبهم وأنك موجود لأجلهم، وأن كل واحد منهم مدعو للتحدث إليك عن أي موضوع ومهما كان نوعه كلما احتاج إلى ذلك.

هشام أحناش
عن موقع «mayoclinic.com»

تنافُس التوائم
إن التنافس الأخوي لا يُعد مشكلةً لدى التوائم. فبالرغم من أن الإخوة التوائم قد يتنافسون ويتغايرون فيما بينهم، فإنهم يعتمدون أيضاً على بعضهم البعض وينسجون فيما بينهم في وقت مبكر وشائج قوية. لكنهم قد يواجهون بعض المشاكل على مستوى حفاظ كل واحد منهم على استقلاليته وانفراد شخصيته. فالتوأمان يُعامَلان عادةً وكأنهما وحدة واحدة، أو كل لا يتجزأ، أكثر من كونهما طفلين لكل واحد منهما شخصيته المستقلة. وقد ينساق الأبوان وراء إغراء إلباسهم الأزياء نفسها وإهدائهم الهدايا ذاتها، لكن يتعين الانتباه إلى أن لكل واحد منهما حاجاته المختلفة عن الآخر، ومن ثم وجب أن يحرص كل أبوين على تعزيز جوانب التميز لدى كل أخ توأم. وقد يشعر الطفل المنتمي لأسرة متعددة التوائم بنوع من الإهمال أو الغيرة باعتباره خارج شبكة العلاقات التوأمية التي تجمع الإخوة الآخرين والذين يُعامَلون في الغالب معاملةً تفضيليةً خاصةً ويلقون اهتماماً أكثر من الأبوين. فإذا كنت ممن رُزق بتوائم وطفل أو اثنين منفردين، فينبغي عليك قضاء وقت كاف ووافر مع كل واحد منهم على انفراد. كما يتعين عليك تشجيع كل واحد من أبنائك التوائم على اللعب بمفرده مع الأطفال الآخرين من أبناء الجيران أو الصف أو الحديقة أو غيرها. فيمكنك على سبيل المثال ترتيب موعد لعب لأحد أبنائك التوائم خارج البيت، وترك أخيه التوأم يلعب مع أحد إخوته في البيت. ومن الطبيعي أن يُقاوم الأخوان التوأمان في البداية هذا الفصل، لكنهما سيتقبلانه مع الوقت، وهو أمر مهم جداً لنمو شخصية كل واحد منهما وإكسابه مهارات مفيدة لا يستشعر قيمتها إلا عندما يكبُر.