الاتحاد

تقارير

«الجنائية الدولية»... ثمن باهظ للعدالة

ريتشل إيروين
لاهاي


تواجه المحكمة الجنائية الدولية تحديات لوجستية وقانونية كبيرة في 2010، حيث تعني القيود المالية إمكانية أن تضطر ثلاث محاكمات مهمة للتنافس على الوقت والمكان في قاعة واحدة داخل المحكمة. ولكن المشاكل التي تواجه الهيئة الدولية تتعدى المسائل اللوجيستية المتعلقة بقاعة المحكمة؛ ذلك أنه في وقت تطل فيه الولايات المتحدة برأسها من الخارج، وهي ليست عضواً في المحكمة، فإن العديد من الدول الـ110 التي صادقت على الاتفاقية التي أُنشئت بموجبها هذه المحكمة الدولية بدأت تتساءل حول ما إن كانت عشرات الملايين التي خُصصت لتمويل المحكمة على مدى السنوات السبع الماضية قد أُنفقت على نحو جيد.
فبعد كل ذلك الوقت والمال اللذين بُذلا، فإن المحكمة ليس لديها سوى محاكمة واحدة -وقاعة واحدة- لتشير إليها كرصيد؛ وذلك يعزى في المقام الأول إلى تغييرات وقعت حيث من المتوقع أن تنظر المحكمة في ثلاث قضايا منفصلة -ضد توماس لوبانجا؛ وجرمان كاتانجا وماثيو نجودوجولو؛ وجون بيير بيمبا- وجميعهم من جمهورية الكونجو الديمقراطية.
ولكن توفيراً للمال، يرجح أن تضطر القضايا الثلاث لاقتسام قاعة واحدة، مما سيخلق كابوساً لوجيستياً.
فعملياً، يعني هذا أن محاكمة واحدة ستُعقد على الأرجح خلال الصباح وأخرى بعد الظهر؛ على أنه حين تدخل إحدى هاتين القضيتين فترة استراحة، يمكن بدء النظر في القضية الثالثة.
ولكن الخطوة تهدد حق المدعى عليهم في أن يحاكَموا داخل إطار زمني معقول. وفي هذا السياق، تقول لورين سميث، التي تراقب المحكمة الجنائية الدولية لحساب "جمعية المحامين الدوليين: "إنه مبعث قلق حقيقي، أن نفكر في أننا نستطيع استعمال القاعة أخيراً... وحيث لدينا مدعى عليهم أمام المحكمة، ويُقال لنا إنه ليس ثمة ما يكفي من الموارد لتسهيل المحاكمات بطريقة فعالة؛ وبالطبع، فإن كل ذلك يؤثر على حقوق المدعى عليهم في محاكمة عادلة".
ويذكر هنا أن الجلسات في قضية زعيم الميليشيا السابق "لوبانجا" توقفت منذ أشهر، ولكنها استُؤنفت في السادس من هذا الشهر، في حين عُلقت محاكمة زعيمي الميليشيا السابقين "كاتانجا" و"نجودوجولو"، التي بدأت في السادس والعشرين من نوفمبر الماضي، على أن تُستأنف في السادس والعشرين من يناير الجاري.
أما قضية نائب الرئيس السابق بيمبا، المتهم بجرائم في جمهورية أفريقيا الوسطى، فستبدأ في السابع والعشرين من أبريل المقبل. ولذلك، فإن المحللين يتساءلون كيف ستتعامل المحكمة مع كل هذه القضايا، حيث تقول إليزابيث إيفنسون، المحامية في برنامج العدالة الدولية بمنظمة "هيومان رايتس ووتش": "إنه من الصعب إدارة كل هذه (القضايا) في ظل مرافق وموارد محدودة".
المشكلة تعزى إلى حقيقة أن ميزانية المحكمة تفترض أنه يمكن عقد المحاكمات بشكل تتابعي، وليس تزامنيا. غير أنه في حال ساءت الأمور، فإن المسؤولين يقولون إنهم سيبحثون إمكانية اللجوء إلى الـ14.45 مليون دولار التي تشكل صندوقا للحالات الطارئة، وهي خطوة يعارضها مراقبون خارجيون، حيث تقول سميث من "جمعية المحامين الدولية": "إننا غير مرتاحين لفكرة اللجوء إلى صندوق الطوارئ لأن النشاط موضوع الحديث متوقع ومرتقب".
بيد أن توفير التمويل الكافي للمحكمة بات مشكلة متنامية خلال السنوات الأخيرة. ويذكر هنا أن الدول الـ110 التي تمول المحكمةَ اعتمدت في نوفمبر الماضي ميزانيةً بقيمة 148.8 مليون دولار لـ2010، مقارنة مع الـ137 مليون دولار التي اعتمدت في 2009. ولكن جوناتان أودونوهو، وهو مستشار قانوني في منظمة "العفو الدولية"، عاب على عملية اعتماد ميزانية 2008 خفض 7.2 مليون دولار من الميزانية المقترحة، خطوة قال إنها "أضعفت نزاهة العملية" وتجاهلت نصيحة الخبراء الذين درسوا الميزانية المقترحة. غير أن حتى "أودونوهو" يقول إنه يتفهم لماذا بدأت البلدان التي تمول المحكمة تتساءل حول ما الذي تحصل عليه مقابل المال الذي تساهم به إذ يقول: "إنكم تنظرون إلى محكمة عمرها سبع سنوات ولم تبدأ إلا مؤخراً في أول قضية لها"، في إشارة إلى محاكمة لوبانجا، مضيفاً "في هذه المرحلة من تاريخ المحكمة، هناك قلق لأن استثمارات كثيرة مازالت من دون نتائج".
ولكن أودونوهو يرى بالمقابل أنه سيكون من الخطأ أن تقوم الدول بحساب مجموع "الميزانيات السبع الأولى وتخلص إلى أن مئات ملايين اليورو، تلك هي كلفة المحاكمة التي تتم اليوم".
واللافت أن ثمة أيضاً وعياً متزايداً بأن العدالة الدولية مسألة باهظة جداً، مثلما رأينا من قبل في حالتي المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا. علما بأن محكمة يوغسلافيا السابقة كلفت لوحدها أكثر من مليار دولار.
وهنا، يستطرد أودونوهو قائلا: "إن العدالة الدولية يمكن أن تكون باهظة جداً من حيث كلفة إنشاء محكمة وتسييرها"، مشيراً إلى كلفة الرواتب وإنشاء المبنى والسفر والتحقيقات والمترجمين والمساعدة القانونية للمدعى عليهم والضحايا، من بين تكاليف أخرى.
وعلاوة على ذلك، فإن الأزمة المالية الأخيرة أرغمت عدداً متزايداً من الدول على التساؤل حول ما إن كانت تستطيع تحمل كلفة عدالة دولية.
وفي هذا الإطار، قال "فرانسيسكو أجيار أوربينا"، سفير كوستاريكا إلى هولندا والذي عمل كمنسق للجنة العمل التي أنتجت ميزانية المحكمة لعام 2010 : "إننا نواجه أزمة اقتصادية بأبعاد لم نرها منذ الكساد الكبير... كما أنه من الصعب جداً أن تقدم مزيداً من المال (للمحكمة) حين يكون لديك في بلدك أشخاص يفتقرون إلى المستشفيات والمدارس والخدمات الأساسية".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا