الاتحاد

تقارير

سويسرا: معركة المآذن والأسئلة المغيبة!

محمد فاضل رضوان
باحث مغربي في سوسيولوجيا الأديان ، جامعة مونتريال بكندا


لا يمكن، نظرياً على الأقل، اعتبار تصويت نسبة تفوق النصف من الناخبين السويسريين لفائدة قانون يمنع بناء مآذن المساجد بذلك البلد، بمثابة تحول نهائي في تدبير الجانب الديني والثقافي في ملف مهاجري أوروبا، أو بخصوص العلاقة المرتبكة أصلا بين الغرب من جهة وإسلامه ومسلميه من جهة أخرى، أو حتى بما قد يحيل على إشكالية حضور الرموز المعتبرة دينية بالفضاء العام الغربي، وتحديداً الأوروبي.
والحقيقة أن هذه الرموز تعيش معركة وجودها منذ زمن بعيد نسبياً، ليس على مستوى العالم الغربي فقط بل وعلى امتداد بعض بلدان العالم الإسلامي نفسه. وهنا يمكن التذكير ببعض الخطوات التي اتخذتها دول إسلامية في اتجاه حظر الحجاب في المؤسسات العمومية الرسمية؟
أما عن تدبير ما يسمى بالاندماج الثقافي والديني للمهاجرين فالأزمة كانت واردة لا محالة في ظل اعتقاد غالبية المهاجرين الشرقيين بإمكانية الفصل بين رفاهية الغرب المعيشية ونموذجه الثقافي، واعتقاد غالبية الغربيين بإمكانية جلب سواعد المهاجرين دون ثقافتهم واعتقاداتهم.
ومع ذلك فقد تشكل معركة المآذن بسويسرا بالنسبة للمهتمين بالإشكاليات المذكورة مجالا خصباً لإعادة تجديد تصوراتهم وآرائهم وفق مختلف سياقاتها وتداعياتها. ولعل أول ما يثير الاهتمام في المعركة المذكورة هو سياق حدوثها. فقد قدمت سويسرا عن نفسها خلال أطوار هذا المسلسل صورة بلد يخوض حرباً بالوكالة، فكان مستغرباً ألا تحدث معركة المآذن في بلد يعيش أزمة مركبة على مستوى تدبير الاختلاف الديني المعقد الناجم عن تاريخ طويل من استقبال وتوطين المهاجرين كفرنسا أو هولندا مثلا.
أما سويسرا فكانت في نظر كثيرين بمثابة "جنة أوروبا"، وهي ليست بأي حال وجهة مفتوحة أو حتى ممكنة أمام المهاجرين القادمين من الجنوب. وسواء كانوا مسلمين أم غير ذلك فإن مهاجري سويسرا أبعد ما يكونون عن الصورة التقليدية للمهاجر الإفريقي أو الآسيوي بأوروبا، فهم في جملتهم مؤهلون في جامعات ومعاهد أوروبا بما جعلهم يحملون من الإمكانيات ما سمح لهم بالاستقرار في "جنة أوروبا" تلك.
وكل هذا يجعل من أي نقاش حول المشاكل المتولدة عن ظروف اندماج المهاجرين في مجتمعات الاستقبال، أمراً هامشياً بذلك البلد مقارنة ببؤر التوتر التقليدية في هذا المجال وفي مقدمتها كما ذكرنا فرنسا وهولندا.
والنقطة الثانية التي يمكن استخلاصها من معركة المآذن بسويسرا تشكل الجزء الصادم في هذه القضية. لقد استطاع حزب يميني متطرف أن يدفع بما يتجاوز نصف ناخبي بلد أوروبي باتجاه التصويت على قانون مثير للجدل بخصوص أقلية دينية بذلك البلد. لقد ولى إذن الزمن الذي كانت فيه أحزاب اليمين المتطرف مجرد أحزاب أقلية تفتقد لأي تأثير سياسي بالمجتمعات الغربية. وعلى العكس من ذلك، فقد كشف الحزب المعني بسويسرا عن فعالية كبيرة في مجال تأطير الرأي والسلوك السياسيين للناخب السويسري على هامش معركة المآذن. وهذا الصعود المخيف لأحزاب اليمين المتطرف يدفع للتساؤل حول مستقبل ميراث فكر الأنوار بأوروبا!
وإضافة إلى الطابع الديني، والسياسي والاجتماعي، للنقاشات المصاحبة لهذه القضية، فقد أثارت أيضاً إشكالية فلسفية عميقة تهم حدود الديمقراطية وتطبيقاتها. ذلك أن الممارسة الديمقراطية التي من البديهي أن تشكل صمام أمان وتثبيت لحقوق الإنسان قد تم توظيفها لصالح تصفية أحد الحقوق الإنسانية الأساسية المتمثل في الحق في الاختلاف الديني والثقافي. وقد شكلت الذريعة "الديمقراطية" المتمثلة في طرح الأمر للاستفتاء حجة من كانوا وراء القانون المذكور ومن اعتقدوا بمشروعيته، ولكنها شكلت أيضاً، وبشكل مفارق، نقطة الضعف الأساسية كذلك.
إن سويسرا أبعد ما تكون عن جمهوريات الموز التي تختزل فيها الديمقراطية في عملية التصويت. أي أنه من البديهي أن تتعدى الممارسة الديمقراطية فيها مجرد الذهاب إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بالأصوات لصالح أو ضد قانون معين إلى مجال صناعة الرأي العام والسلوك السياسي للمواطنين. وهذا الأمر تلعب فيه التنظيمات السياسية دوراً مهماً من خلال أدوات التأثير المتمثلة أساساً في وسائل الإعلام.
وفي هذا السياق يكتسب التساؤل بخصوص تفاصيل ما حدث بسويسرا مشروعيته. ومن الأسئلة الأكثر إلحاحاً بهذا الخصوص، إلى أي حد كانت وسائل الإعلام السويسرية موضوعية ومنصفة في التعاطي مع المسألة بما يمكن من صناعة الرأي العام بطريقة عادلة وموضوعية؟ وإلى أي حد تم احترام مبدأ الرأي والرأي المخالف الذي يعد عصب الممارسة الديمقراطية؟ بصيغة أخرى، هل حصل أنصار مختلف المواقف على نصيبهم العادل في التعبير عن مواقفهم والترويج لها؟
أما إذا ابتعدنا عن التفاصيل المذكورة فسنجد في عمق معركة المآذن بأوروبا إحدى أهم الإشكالات التي تخص مجال تدبير الاختلاف الديني وحقوق الأقليات بالغرب، ونعني مسألة حضور الرموز المعتبرة دينية بالفضاء العام الغربي، والأوروبي تحديداً. والمثير في الأمر هذه المرة هو خروج مجال النقاش واتخاذ القرار من هامش النخب الفكرية الواعية بالتعقيدات الكثيرة المحيطة بأمر كهذا إلى مجال عموم المجتمع.
إن أمراً كهذا ليس من شأنه سوى تهديد أفق التعايش الديني والثقافي الذي يشكل الضمانة الأساسية لتدبير المجال العام الغربي في سياق "البلقنة" الدينية والثقافية المتولدة عن الهجرة. وتسويق هذه النقاشات من طرف أنصاف المختصين بطريقة تحريضية لعامة الناس لن يؤدي إلا إلى مزيد من تغذية مشاعر الحقد والكراهية تجاه كل ما هو غريب ومختلف عما تنتجه مجتمعات الاستقبال.
ونختم في هذا الإطار بالتساؤل عن عدد الناخبين السويسريين الذين ذهبوا للتصويت وهم قادرون على التمييز بين المئذنة والبناء الكلي للمسجد؟ وبصيغة أخرى ألم تكن أوراق الـ"النعم" الكثيرة التي وضعها أزيد من نصف الناخبين السويسريين موجهة في حقيقة الأمر للمساجد التي تم التحريض ضدها وضد مرتاديها في سياق الخوف والتخويف الذي يعيشه الغرب إزاء ما أسماه هنتينغتون يوماً ما بالمد الأخضر؟ هذا هو السؤال.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «منبر الحرية»

اقرأ أيضا