الاتحاد

تقارير

اندفاع بوتين في أوكرانيا.. حسابات الداخل الروسي

قوات روسية فى إحدى البلدات الواقعة بمنطقة «كريما» الأوكرانية (أ.ف.ب)

قوات روسية فى إحدى البلدات الواقعة بمنطقة «كريما» الأوكرانية (أ.ف.ب)

معظم التحليلات التي تدور حول الأزمة الأوكرانية تتساءل لماذا يخاطر بوتين بمواجهة إدانة دولية– واحتمال مواجهة عسكرية- في ظل تحركاته العسكرية العدوانية في شبه جزيرة القرم. والرأي المهيمن ينظر إلى بوتين بحنينه للامبراطورية السوفييتية ورغبته العميقة في إعادة بناء روسيا عصرية وأكثر عظمة. وفي حين أنه قد يكون لديه أهداف وحدوية تحريرية أوسع، وأن يكون راغباً في أخذ فرصته كاملة في أوكرانيا لتحقيق هذه الغاية، إلا أن هناك حاجة إلى فهم حساباته بالنسبة لتكلفة غزو القرم باعتبارها خطوة تحدد بقاءه السياسي.
وعندما تبحث في التاريخ، تجد أن التحركات العسكرية الروسية في أوكرانيا قد تشبه عملية «آنشلوس» التي قام بها هتلر، وهي عملية عسكرية سلمية تم بموجبها ضم النمسا إلى ألمانيا على يد حكومة ألمانيا النازية، مما أدى إلى وقوع الحرب العالمية الثانية- ولكن التأثير الحقيقي لتحركات بوتين سيتمثل في حدوث مذبحة مثل تلك التي حدثت في «ساحة تيانانمن»?،?
ففي الصين، تم اخماد احتجاجات الطلاب في ساحة تيانانمن بعنف ملتهب، مما أدى إلى ذبح أعداد لا تحصى من الأشخاص. وكانت القيادة الصينية تعلم أن هذا سوف يؤدي إلى إدانة دولية، وتقييد مشاركتها في التجارة والاستثمار ومنعها من المشاركة السياسية في المحافل الدولية، لتصبح الصين في وضع الدولة المنبوذة.
وكانت القيادة على دراية كاملة بهذه العواقب، ولكن وفقاً لحساباتها، فإن قتل الطلاب العزل في بث حي على شاشات التليفزيون كان يستحق الإبقاء على النخبة الحاكمة في الصين في السلطة. لقد أغلقت أحداث ساحة تيانانمن كل مصادر المعارضة وأنقذت الحزب الحاكم. فكل من كان يتجرأ وينتقد أو يعارض النظام أو أفعاله كان يقبض عليه.
أما بالنسبة للوضع المائع في أوكرانيا، فإن الإجراءات العدوانية التي اتخذها بوتين والبرلمان الروسي لا تهدف إلى مجرد الحفاظ أو تمديد حدود الاتحاد الروسي بقدر ما هي بمثابة تضييق الخناق على المعارضة الروسية واستعراض القوة من دون الحاجة إلى فرض حملة مسلحة في البلاد.
والرسالة الحالية التي يبعث بها النظام الروسي هي رسالة فعالة وأقل مخاطرة من هذا المنظور. بوتين بإمكانه تخفيف حدة العنف مع أوكرانيا، وتجنب الانتشار الفوري للقوة الغاشمة ضد خصومه في الوطن. ومن الأفضل تفعيل القاعدة البحرية الروسية في «سيفيروبول» بدلًا من تفعيل قوة الجيش في الساحة الحمراء. كما أن التحركات العسكرية في شبه جزيرة القرم تحدث في نفس الوقت الذي يستعد فيه بوتين لتفعيل قائمة الاعتقالات عقب انتهاء دورة الألعاب الأوليمبية في سوتشي.
وما إن تم تأمين المطارات في القرم من قبل حاملات الأسلحة الروسية، حتى ألقي القبض على زعيم المعارضة الروسية الرئيسي «ألكسي نافالني» ووضعه تحت الإقامة الجبرية. فهذا الصوت الصريح الذي يهدد سلطة بوتين أصبح الآن ممنوعاً من استخدام الإنترنت أو مقابلة أي زائرين. لقد تم تجميده وإسكاته. فكم يبقى من الوقت قبل أن يجد أعضاء فريق «بوسي رايوت،» الذي يقدم عروضاً مناهضة للحكومة، وغيرهم من المعارضين أنفسهم في السجن مرة أخرى.
الأزمة في أوكرانيا والمظاهرات التي تشهدها شوارع كييف، والتي أدت بفاعلية إلى الإطاحة بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش، دمية بوتين، إذا نجحت ولم تلق أي منافسة، فسوف تؤدي إلى تنشيط حركة الاحتجاجات التي أصابت روسيا بالعدوى. المظاهرات التي ملأت شوارع موسكو عقب إعادة انتخاب بوتين في عام 2012 كانت على وشك الاحتدام والعودة إلى الشارع مرة أخرى عقب الإجراءات الفعالة التي أطاحت بيانوكوفيتش في جميع أنحاء أوكرانيا. فخلال هذه الأزمة الدولية، لن تحتمل المعارضة الداخلية الروسية.
تعود أحداث ساحة تيانانمن إلى عام 1989، عندما قامت مجموعة من المظاهرات الوطنية وتمركزت في هذه الساحة ببكين والتي كانت محتلة من قبل طلاب جامعيين كانوا يطالبون بالديمقراطية والإصلاح. وهناك درسان محددان لم يغفل بوتين، عميل جهاز الاستخبارات الروسية (كي. جي. بي) آنذاك تعلمهما: الأول، السماح للمظاهرات والتنظيم الشعبي بقلب نظام الحكم كما هو الحال في أوروبا الشرقية أو، الثاني، الضرب بقوة وبحزم وتجاهل المعايير الدولية كما حدث في الصين. حسابات بوتين واضحة، فسكان موسكو وغيرهم من الروس يفهمون أن بوتين إذا كانت لديه الرغبة في ضرب الآخرين عبر الحدود، فلهم أن يتصوروا ما الذي سيفعله في الوطن.
كما أن إيواء الرئيس الأوكراني الهارب يانوكوفيتش في روسيا، أمر جعل بوتين يواجه حقيقة مباشرة للغاية، وهي أنه قد يكون الرئيس التالي المنتخب ديمقراطياً الذي يجبر على الفرار.
كما أن الصحوة العربية لاتزال حية في ذهنه، فحليفه السوري بشار الأسد لا يزال محاصراً، إلى جانب مجموعة أخرى من الزعماء المخلوعين أو الذين أطيح بهم، والذين لم يعد بإمكانهم حتى الرد على الهاتف. ويرى بوتين كذلك أن عليه الكفاح من أجل البقاء، وأنه لا يوجد بديل آخر بالنسبة له ولروسيا الموحدة.
ومن وجهة نظره، فإن السلبية في مواجهة الأحداث في أوكرانيا ستؤدي على الأرجح إلى الإطاحة به في نهاية المطاف.
وآخر شيء يريده بوتين أن يصبح الزعيم السابق. وخوفه الأكبر هو أن يصبح ميخائيل جورباتشوف التالي، ففي روسيا، أصبحت شعبية جورباتشوف في أدنى مستوى مقارنة بأي سياسي آخر يعيش على وجه الأرض، كما أصبح مصدراً للنكات في برنامج جون ستيوارت «ديلي شو»... إن بوتين يريد أن تكون الضحكة الأخيرة له.


‎ماركوس كونالاكيس
زميل باحث في الجامعة الأوروبية المركزية


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي انترناشونال»

اقرأ أيضا