الاتحاد

دنيا

قراء متحمسون

يتيح النشر الإلكتروني على شبكة الإنترنت فرصة فريدة للكتاب أن يعرفوا رأي القراء على الفور وبدون وسيط غالباً. غير أن عيار هذه التعليقات يفلت كثيراً جداً، لهذا يحجم المرء عن الكتابة في أي موقع ينشر التعليقات مباشرة من دون مراجعة ورقابة، لأن الأرجح أن تتلقى كماً من الشتائم لا يوصف.. هل لأنك سيئ إلى هذا الحد؟.. لا.. بل لأن من يرد عليك يحتاج إلى إخراج البخار وأنت فرصة سانحة.
على كل حال قد صنفت الشتائم التي يستعملها بعض القراء في المواقع الإلكترونية إلى:

القائمة (أ): شتائم متحضرة وراقية مثل (أنت غير مسؤول – أنت عميل – أنت غير ناضج.. الخ)
القائمة (ب): شتائم قاسية لكنها قابلة للنشر مثل (مخبول – غبي.. الخ).
القائمة (ج) : شتائم قاسية جداً يعاقب عليها القانون لكنها ما زالت قابلة للنشر، وهي على الأعم أسماء حيوانات.
القائمة (د): شتائم لا يمكن حتى التلميح لها. حالة لا توصف من الانفلات العصبي والعقلي، حتى لتشعر بأن كاتب تلك الكلمات يعوي ويقضم لسانه وهو يكتب.. ربما استطالت أذناه ومخالبه..
هناك طريقة تعليق تثير جنوني وإن كانت لا تندرج ضمن الشتائم، هي أن يكون المقال مثلاً عن الاقتصاد العربي، فيكتب أحدهم تعليقًا يقول: “فريق الأهلي لم يلعب جيداً في المباراة الأخيرة”، فيرد عليه أحد المتحمسين: “بالعكس.. الأهلي أقوى فريق لهذا القرن”. وسرعان ما ينسى الجميع موضوع المقال وتبدأ مشاجرة حامية حول الفريق الأهلي. لا شك أن هذا أكثر استفزازاً من الشتائم. ضمن هذا النوع من الردود القارئ الذي يقرر أن يأخذ فرصته فينشر قصيدة كاملة من خمسين بيتاً كتبها هو، أو المواطن صاحب المشكلة الذي ينشر مشكلته كاملة مدعمة بالوثائق تحت المقال.
صديقي بدأ ينشر على شبكة الإنترنت.. بدأ بنشر مقال من 600 كلمة في موقع شهير. فتحت الموقع لأجد عشرين تعليقاً.. من مصر.. من السعودية.. من الإمارات .. من تونس.. من مهاجر عربي في كندا.. من فتاة لبنانية تقيم في اليمن.. الكل يطري ظهور هذا الكاتب الرائع الذي سيحدث قلمه ثورة في عالم المقال. فعلاً رد فعل غير متوقع وقد أسعدني كثيراً..
اتصلت به لأهنئه على هذا النجاح الساحق، فشكرني وقال بلا مبالاة:
ـ”طبعًا لا يخفى عليك أن كل هذه الردود كتبتها أنا”!
وضعت السماعة وأنا لا أخفي إعجابي بقدرته على ابتكار الأسماء وعلى تغيير لهجته أثناء الكتابة، حتى تذكرت فيلماً سينمائياً مرعباً كانت فيه عشرة أرواح تتقمص بطلة الفيلم. وهكذا ظلت تعليقات المدح تتوالى عدة أيام ثم لم تعد هناك تعليقات على مقالاته بتاتاً فعرفت أنه تعب.
منذ أعوام ظهر موقع صحفي يقدم أشعاراً رديئة لشاعر يدعى (سيد الشماشرجي). بعد متابعة عدة أعداد كتبت للموقع رسالة مختصرة باسم مستعار تقول: “لا أعتقد أن أشعار سيد الشماشرجي جديرة بنشرها في هذا الموقع المحترم. من حقه أن ينشر.. ينشر الخشب أو ينشر الغسيل لكن لا ينشر الشعر”.
أرسلت هذا التعليق فلم ينشر.. أرسلته مرة.. مرتين.. ثلاثًا.. بلا جدوى..
بعد أيام قابلت أحد المسؤولين عن هذا الموقع، فقال لي في فخر إنهم حريصون على المستوى الأخلاقي للموقع، لذا يقومون بمراقبة الردود وتصفيتها من كل ما هو مشين أو وقح. سألته عمن يقوم بهذه المهمة العويصة، فقال لي: إنه شاعر عظيم اسمه سيد الشماشرجي!
منذ ذلك الحين كففت عن إرسال التعليقات. وعلى الأرجح سأكف عن قراءتها كذلك مع الوقت.

اقرأ أيضا