الاتحاد

دنيا

أحرق أخي من أجل طاولة!

كنا زبائن دائمين لمقهى في منطقة القصيص، نشرب وندخن والأهم أننا نضحك على الروّاد الدائمين. فهؤلاء لا يلعبون إلا “الدومنو”، ولا ينادي بعضهم على بعض إلا بـ”حمار” وبقية الدوّاب.
وطاولة لآخرين مخصصة للعب الورق أو الكوتشينة، وعلى الرغم من أنهم طوال القامة وكبار في السن، إلا أن صراخهم وتبادلهم الاتهامات تجعل المرء يقبّل ظاهر وباطن يده ويقول: “الحمد لله على نعمة العقل”.
أما أعجب الطاولات فكان يجلس عليها شاب وعجوز يلعبان النرد ساعة أو ساعتين بمنتهى التهذيب، لكن فجأة ينهض أحدهما وهو يضحك ويغادر بينما صاحبه ينتظره إلى أن يبتعد عن المكان فيقول له بصوت مسموع: (...)
تعلّمنا لعبة الطاولة مع الأيام، ورحنا نتنافس فيما بيننا بطريقة خروج المغلوب، وكان زهر النرد لا يفارق يدي، فأنا أكثر من يبقى في جو اللعب يجرّع اللاعبين طعم الهزيمة. وحين أنتهي منهم جميعاً وأرى أن أنوفهم احمّرت وكلامهم أصبح بارداً، أنفخ صدري وأحتسي الشاي بثقة.
لم أعرف طعم الخسارة إلا حين انضم أخي إلينا، وأصبح الزهر في معظم الوقت معه، فهو يلعب مع الجميع، والجميع لا يلعب إلا معه هو، ووجدت نفسي مجرد رقم في قائمة الخاسرين، أنتظر دوري لألعب معه مصمماً على الفوز واسترداد أمجادي الضائعة، لكنه يطيح بي ويقول بلهجة ساخرة: “اللي بعده”.
بلغ بي الحال إلى نفخ خدي من القهر بمجرد رؤية أخي يقترب من المقهى، لأنني لا أطيق رؤية ابتسامة الانتصار على وجهه، ولأنه سيهزمني كالعادة بعد أن يحرق أعصابي بصوت ضرباته القوية على طاولة النرد وهو ينقل أحجار اللعب بخفّة.
وكنت متعجباً مما يحصل، فالذي أعرفه عن نفسي أنني أحب المنافسة الشريفة، ولعبت سنوات طويلة كرة القدم ولعبة “كليلي ماطوع” أو كريكيت الخليج، وكان فريقي يفوز مرة، ويخسر مرات، لكنني لم أكن أكره الفريق الخصم. وشاركت في منافسات الجري والجمباز والدراجات الهوائية في أيام الصبا، وكنت أخسر أحياناً ولا أحمل شيئاً في صدري تجاه المنتصر.
فكّرت في المسألة إلى أن توصلت إلى هذا الاستنتاج: في الألعاب الجماعية، تتفرّق مشاعر الهزيمة بين أعضاء الفريق، ومن ثم لا تتحول إلى عداء ضد الفريق الآخر. وفي الألعاب الفردية التي تحتاج إلى مجهود بدني، يكون القلب مشغولاً بالنبض السريع، والصدر منهكاً باللهاث، ومن ثم لا مكان للأحقاد.
لكن في ألعاب الدومينو والورق والنرد، ورغم أنها ألعاب فردية، إلا أنها تعتمد على الكثير من الحظ والقليل من التكتيك وبلا أي مجهود بدني يحرق التوتر، فالمنافسة ذهنية وفي أجواء من الاستفزاز والسخرية، فإن الهزيمة تُشعل نار البغضاء في الصدور، ومن الطبيعي أن يتبادلوا شتم الأمهات، ثم يعودوا للعب في اليوم التالي، وهكذا كل يوم إلى أن يصلوا إلى شتيمة اللا عودة.
لكن في حالتي، أمُّ الخصم هي أمي، وشتمه شخصياً يعني أنني إنسان جاهل، فما العمل؟ لم يكن أمامي إلا كوب الشاي الذي وجدته يهتز على الطاولة بفعل حماسة اللعب، وكان الكوب موضوعاً في الطرف الذي يجلس إليه أخي، ورحت أضرب رجل الطاولة بقدمي حتى يقع الكوب وينسكب الشاي الساخن على أخي.
في المساء، وأثناء متابعة شريط أحداث اليوم، عرفت أنني أسير في الطريق الخاطئ، فاليوم أحاول حرق أخي وغداً سأقتله. لذلك قررت التوقف عن مثل هذه الألعاب.. وليبحث الشيطان عن طريق آخر للإيقاع بي.

اقرأ أيضا