صحيفة الاتحاد

تقارير

البرازيل.. فضيحة نهب «بتروباس»!

عندما ضربت فضيحة رشوة سياسية كبيرة البرازيل قبل بضع سنوات، اختلفت مع زميل لي في تحديد الفضيحة الأسوأ في تاريخ البلاد. وقد اخترت فضيحة «منسالاو»، مخطط الرشوة في البرلمان الذي شهد إدانة 25 شخصاً من أقطاب الحكومة وكبار المسؤولين، وكادت تؤدي إلى الإطاحة بالرئيس السابق «لويس إيناسيو لولا دا سيلفا»، فيما اختار زميلي مخطط لحم الخنزير مقابل الأصوات الذي وضعه سلف «لولا» لشراء عملية إعادة انتخابه.
بيد أن كلينا كان مخطئاً.
فلا يوجد شيء في البرازيل يقارن بعملية نهب «بتروباس». فالضرر يتجاوز مئات الملايين من الدولارات التي انتزعها المسؤولون من 23 مليار دولار، قيمة عقود توريد مع شركة النفط التي تديرها الدولة في البرازيل. ومع سمعة الشركة متعددة الجنسيات التي تضررت للغاية، يواجه 39 مسؤولاً تنفيذياً سابقاً فيها محاكمات بتهمة تضخيم الفواتير والرشاوى وغسيل الأموال. وقد أثرت فضيحة «بتروباس» على الرئيسة «ديلما روسيف» التي أعيد انتخابها في أكتوبر الماضي وأثارت الرعب بين المستثمرين، ما جعل هذه السوق الناشئة التي كانت بالأمس القريب في مقدمة الأسواق الواعدة تتضرر إلى حد بعيد.
وعلى أي حال، فقد ظهر السلب والنهب في «بتروباس» عن طريق الصدفة، عندما كانت الشرطة الفيدرالية تجري تحقيقاً مع بعض الصرافين المشبوهين الذين يعملون خارج محطة للوقود. وعندها فقط اكتشف المحققون عالم عجائب من جرائم الاحتيال والكسب غير المشروع وغسيل الأموال، حيث تمت سرقة الأموال واستبدال المبالغ المسروقة بالدولار بدلاً من الريال البرازيلي وتهريبها إلى حسابات بالبنوك السويسرية.
وبالمثل، فقد تفجرت فضيحة «منسالاو» أو الأقساط الشهرية التي كان يدفعها حزب العمال الحاكم للبرلمانيين لضمان دعمهم السياسي في منتصف 2005-2006 بفضل التجسس اليقظ، وحليف صغير في ائتلاف الكونجرس الخاص بالرئيس «لولا» الذي شكا عندما تم خداع عصابته في اتفاق الأصوات مقابل النقود. وكما ذكر «جيل كاستيلو برانكو»، وهو خبير اقتصادي يدير مجموعة للرقابة الحكومية تحمل اسم «الدفاتر المفتوحة»، فإنه: «لم يأتِ أي من الفضائح السياسية التي ظهرت في العشرة أعوام الأخيرة نتيجة آليات مراقبة الفساد في البرازيل».
وقد بدأت سلسلة من التحقيقات المكثفة عبر الحدود مع شركة «بتروباس»، حيث ضبطت الشرطة الفيدرالية الأصول وسجنت الجناة. وتقوم وحدة الجرائم المالية بوزارة المالية باقتفاء آثار الأموال الإلكترونية من المكاتب الصغيرة لكبار المقاولين في البرازيل إلى البنوك في «بيرن».
ومع وجود الأصول بالخارج وتداول الأسهم في بورصة نيويورك، لم تعد «بتروباس» بمثابة الوحش المحبوس في قمقم. وتجري لجنة الأوراق المالية والبورصات تحقيقاً في الأخطاء التي ارتكبتها شركة النفط العملاقة هذه، بينما قامت عشر شركات للمحاماة برفع دعاوى قضائية نيابة عن عدد من المساهمين في الشركة.
ولا يزال أمام القضاء على الفساد في البرازيل طريق طويل. فالميزانيات المبهمة والعطاءات التقديرية قد تساعد على تغطية سرقة المال العام. ولا تزال شركة «بتروباس» العملاقة والبنك الوطني للتنمية في البرازيل يتمتعان بإعفاء من رقابة سلطة الإنفاق، كما بذل هذان الكيانان العملاقان قصارى جهدهما أيضاً لمعارضة قانون حرية المعلومات في البرازيل. ويقول الخبير الاقتصادي «كاستيلو برانكو» إن «شركات القطاع العام هي ديزني لاند السياسيين. فهم يملكون الكثير من الأموال، ويقعون فريسة للتلاعب السياسي والافتقار إلى الشفافية».
وثمة قانون صارم لمكافحة الفساد يتم تفعيله منذ شهر يناير، وبموجب هذا القانون يمكن للشركات الملتوية أن تواجه غرامات باهظة ومنعها من المزايدة على العقود العامة. غير أن الرئيسة «روسيف» لم تصدر بعد اللائحة التنفيذية للقانون. وحتى يقع هذا، سيجد المحامون المهرة ثغرات للعصابات للمرور من خلالها والإفلات من العقاب، والبرازيل لديها الكثير من هؤلاء.

ماك مارجوليس *
* محلل سياسي متخصص في شؤون أميركا اللاتينية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سرفيس»