الاتحاد

ثقافة

حتا·· حاضنة التاريخ وخزانة الذاكرة

من محتويات قلعة حتا

من محتويات قلعة حتا

أول ما لفت اهتمامي عندما نزلت في دبي، هو اسم حتا، فهو اسم قريتي الفلسطينية التي دمرها العدو الصهيوني ضمن أربعمائة قرية مسحها عن وجه الأرض، وقلت يومها: ''لابد من حتَّا ولو طال السفر''، وها نحن في ''حتا'' نعاين ملامحها وأبرز معالمها، نستمع إليها ونشاهدها، بدءاً من مكتبتها التي طالعتنا بوصفها الملمح الثقافي الأول في هذه القرية الصغيرة النائية، وصولاً إلى مركز الثقافة والفنون والتراث، وانتهاء بالقرية التراثية وما تنطوي عليه من كنوز معمارية ومعالم من تراث دولة الإمارات·
حتا في التاريخ
حتا في التاريخ، قيل إنها ''حتحتت عقول العلماء''، وقيل إن من أشهر الشخصيات التي برزت منها المؤرخ الشهير فيليب حتي، ولكن من يعلم؟ فهناك الكثير من الأسماء التي تحمل اسم الحتي أو الحتاوي، كما هو الحال مع الكاتب المسرحي الإماراتي سالم الحتاوي، وكنت قد فكرت في بدايات مسيرتي الشعرية والصحفية أن أضيف اسم ''الحتاوي'' إلى اسمي الذي أكتب به، لكنني ترددت ثم تراجعت عن ذلك لأسباب شتى·
وبما أنني لم أعرف حتا الفلسطينية التي ولدتُ بعيداً عنها ولم تتهيأ لي حتى زيارتها، فسوف أترك لحتا دبي أن تحكي حكايتها مع الزمان والمكان، مع البشر والحجر، فهي تملك شهادتها على الطبيعة المتعددة البيئات التي تنطوي عليها من سهول وجبال ورمال ومياه ينابيع تجري بين الجبال الصخرية والأشجار صغيرة الحجم التي ظلت ترافقنا طوال الطريق، كما تملك حتا علاقة جوار وتداخل حميمة مع سلطنة عمان، حيث كنا نجد أنفسنا أحياناً أمام يافطات تعلن دخولنا أراضي السلطنة، وأحياناً ندخل في أراضي إمارة عجمان ورأس الخيمة من بعض أطرافها·
رحلتنا التي استغرقت ما يقارب أربع ساعات -ذهاباً وإياباً- كانت ممتعة في حد ذاتها، سواء من حيث الطريق السالك الممتد بين مكتبنا في دبي وبين حتا بما يزيد قليلاً عن مائة كيلومتر، والذي يتسم بكثرة كثبانه الرملية الجميلة، لكن الوصول إلى قرية حتا جعلنا نتحفز لقراءة كتابها ورسم ملامحها الأساسية والتفصيلية، لكن الرحلة الواحدة لا تكفي، كما يبدو، للإلمام بهذه الملامح والعلامات التي وجدنا عديد السياح يقبلون للتعرف عليها·
حتا إذن -الواقعة في قلب سلسلة جبال هجار- ليست مجرد جغرافيا، هي قرية صغيرة من حيث حجمها وسكانها، لكنها خزانة من خزائن التاريخ في الإمارات· قرية هي ذات شخصية مزدوجة، صيفية وشتوية في آن، فالجبال المحيطة بها تشكل مصيفاً ملائماً، والقرية في أسفل الجبال هي مشتى رائع·

فنون شعبية

بخيت المقبالي نشر الوعي التراثي، وربط الأجيال ببعضها من خلال الحفاظ على العادات والتقاليد وإحياء الفنون الشعبية والتراثية وعدد الفرق المنتمية تحت مظلة الجمعية فقد بلغ عددها 11 فرقة وهي تقدم كل الألوان الشعبية الإماراتية، ولعل من المفيد أن نشير إلى أن تاريخ المنطقة تاريخ عريق ضارب بجذوره في قديم الزمن·
وبما أن هذا التاريخ أصبح تراثاً تتوارثه الأجيال، فقد لزم أن يتم تنظيم ممارسته وتهيئة المناخ الملائم لنموه وانطلاقته، لذلك جاءت الجمعية في أواسط التسعينات أولاً في شكل فرق شعبية للرقصات والفنون التراثية ومجالس الشعر، ثم جاءت المرحلة التالية في التأسيس والإشهار لتنطلق بعد ذلك في إرساء وغرس مفاهيم التراث والفنون والموروث الشعبي التي تعتبر حتا من أقدم المناطق في الإمارة وفيها الكثير من الموروثات الشعبية التي مازالت قائمة حتى اليوم، وتأسيساً على ما تقدم في شأن النشأة والأهداف تتشكل شخصية الجمعية من مظلة وواحة للإبداع والثقافة الإماراتية الخليجية العربية والإسلامية·
وفي حديث مع بخيت المقبالي رئيس مجلس إدارة جمعية حتا للثقافة والفنون والتراث· قال: ''إن الجمعية نفذت الكثير من الفعاليات والأنشطة الناجحة، وأنجزت أيضاً الأهداف التي أقيمت من أجلها ومنها نشر الوعي التراثي، وربط الأجيال ببعضها من خلال الحفاظ على العادات والتقاليد وإحياء الفنون الشعبية والتراثية، وتنشيطها على مستوى منطقة حتا من خلال لجان شكلت لهذا الغرض هي اللجنة الثقافية واللجنة الدينية ولجنة التراث والأدب والشعر ولجنة الفنون الشعبية واللجنة النسائية· كما شكل مؤخراً قسماً للكمبيوتر والإنترنت يعنى بالموقع الخاص بالجمعية وتعليم الشباب· وتتشكل شخصية الجمعية من مظلة وواحة للإبداع والثقافة الإماراتية الخليجية العربية والإسلامية· وتنتظم حركتنا العملية كخلية نحل متكافلة ومتكاملة لتحقيق أهدافها السامية، ويمكن القول إن ملامح هذه الشخصية الحيوية لجمعيتنا تتبدى من خلال أعمالنا وليس من خلال مجرد الكلام فقد أصبحت الجمعية اليوم كياناً قائماً بمؤسسته المنظمة، تسير على نهج مدروس بخطوات متزنة نحو أعمار الحياة والارتقاء بالتذوق الثقافي منطلقة من أرض التراث الصلبة ومستفيدة من تجارب الآخرين''·

القرية التراثية

وبالانتقال إلى القرية التراثية ومديرها خالد علي غريب، نجد أن القرية تمت إعادة ترميمها وافتتاحها على يد سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية في السادس من فبراير عام ،2001 وهي تعتبر إضافة جديدة للمواقع التراثية في الدولة عموماً وفي إمارة دبي على وجه الخصوص·
وتمثل القرية التراثية النموذج الذي كانت عليه المنطقة قبل أن تشهد نهضة اجتماعية ومعمارية شاملة، حيث كانت بيوت القرية قديما مبنية من الطين والأحجار الجبلية وجذوع النخيل والطين، ومن أبرز معالمها الحصن الذي يجسد شكل الحياة الدفاعية والأدوات والأسلحة المستخدمة قديماً، بالإضافة إلى القلاع والحصون الدفاعية، وهناك بيوت تقليدية تحتوي على غرف نوم ومجلس ومطبخ ومخزن وكلها ترمز إلى أسلوب ونمط الحياة التي كان يعيشها الآباء والأجداد·

اقرأ أيضا

زايد.. قوة الإمارات الناعمة