الاتحاد

تقارير

الجيش الأميركي.. حنين لحروب القوى العظمى!

«لقد عادت سياسة القوى العظمى»، هذا هو الشعار الذي كان يردده المسؤولون المدنيون والعسكريون بوتيرة متزايدة على مدار السنوات الخمس الماضية. وأصبح هذا التشخيص متأصلاً الآن في استراتيجية الدفاع الوطني لإدارة ترامب، والتي نشر البنتاجون ملخصها في منتصف شهر يناير الماضي.
وأعلنت وثيقة الاستراتيجية المذكورة أن «المنافسة الاستراتيجية بين الدول، وليس الإرهاب، هي الآن الشاغل الرئيسي للأمن القومي في الولايات المتحدة». وهذا يعني أن الصين وروسيا أصبحتا على رأس الأولويات بالنسبة لمخططي الدفاع، وليس «داعش» أو «القاعدة» أو الإرهابيون الموجهون ذاتياً والذين يقيمون في الولايات المتحدة أو خارجها.
وصاحب ظهور سياسة القوى العظمى التي أقرتها البنتاجون ارتفاع في الحديث المرتبك من قبل كبار القادة المدنيين والعسكريين بشأن المنافسة الجيوسياسية. ومن دورس الحرب الباردة المهمة اليوم، أن هذا ناجم عن الطريقة التي يتحدث بها المسؤولون الأميركيون عن أعداء البلاد. إن الروايات الرسمية تشكل التفكير، والذي من الممكن أن يؤدي بعد ذلك إلى مبادرات سياسية خارجية مكلفة للغاية وتأتي بنتائج عكسية.
فكر في عدد قليل من العبارات الحديثة المقتبسة من مسؤولي الدفاع بشأن الحكمة التقليدية الناشئة والتي تحيط بالحرب الباردة الثانية التي تحظى بترحيب كبير الآن. ومن التعليقات التي تُسمع كثيراً الآن أن المنافسة الجيوسياسية هي «حرب». وقال الجنرال «مايك هولمس» (من القوات الجوية) إن «الحرب اللانهائية هي منافسة طويلة الأمد ضد الخصوم من الأقران». ويعرف قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية كلمة «لانهائي» بأنه «الشيء الذي لا حدود له أو لا نهاية له في المدى أو الحجم؛ ومن المستحيل قياسه أو حسابه». والمعنى الضمني هنا هو أنه في كل مكان في الكون، وفي كل مجال يمكن تصوره، ستتحدى دول الصين وروسيا والولايات المتحدة بعضها البعض حتى نهاية الزمن.
وعلاوة على ذلك، لماذا يفكر المرء في النزاع السلمي للنفوذ النسبي في مناطق مختلفة في جميع أنحاء العالم باعتباره شبيهاً لـ «الحرب؟»، إذا كان القتال، مجازياً، من أجل تحقيق نتائج سياسية والوصول للأسواق ومصانع الإنتاج وتمويل الأبحاث والتطوير هو المعادل للحرب، فإن عشرات الدول حالياً هي في حالة حرب. حتى الولايات داخل الولايات المتحدة هي في حالة تنافس طوال الوقت، وبالتالي، وفقاً لهذا المنطق، يجب أن تكون في حالة حرب أيضاً!
دعونا نترك فكرة الحرب لهذه الأنشطة المدمرة التي تستحق التسمية. إن لم يكن الأمر كذلك، فإن كل السياسة الخارجية هي حرب ونحن جميعاً مقاتلون.
قبل بضع سنوات فقط، أشار مسؤولو الأمن القومي إلى القتال مع المتطرفين الإسلاميين باعتباره التهديد الأكبر للأمن القومي والذي لا يمكن مواجهته سوى من خلال حرب تستغرق سنوات عديدة.
وفي عام 2015، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال «مارتن ديمبسي»، إن الصراع «ربما يستغرق 30 عاماً»، بينما وصفه مدير وكالة الاستخبارات المركزية «جون برينان» بأنه «حرب كانت قائمة منذ آلاف السنين» وحرب «سنخوضها دائماً ويجب أن ننتبه لها». فإذا كان هؤلاء المسؤولون مخطئين بشأن إعطاء أولوية لتهديد الإرهاب، وفي تقديرهم للفترة الزمنية التي يستغرقها لهزيمته، فلماذا نجد أقرانهم اليوم لديهم هذه الثقة العالية بشأن الخصوم من «الأقران القريبين»؟
وبالصدفة، فقد أدلى الجنرال «هولمس» بالإعلان الغريب خلال خطاب ألقاه في شهر فبراير الماضي في قاعدة نيليس البحرية، حيث قال: «لقد أنشئت الصين لكي تلعب لعبة لا نهائية، وهدفي هو محاولة التأكد من أن أحفادي وأحفادكم لديهم خيارات غير القيام بجلسات التدليك للسائحين الصينيين عندما يكبرون». هذا النوع من التصريحات الارتدادية عادة ما يعرِّض طياراً يحمل رتبة رائد للتوبيخ، لكن بالنسبة لمسؤول كبير، فإنه مر دون تعليق. (وبالإضافة إلى كونه ضربة كبيرة ضد المعالجين بالتدليك، فإنه يتجاهل الاحتمال الكبير بأن هذه الوظائف سيتم استبدالها بروبوتات في غضون جيلين). وهناك أيضاً إجماع متزايد على أن دولاً أخرى تلعب سياسة القوى العظمى، بينما تشارك الولايات المتحدة فقط في «نظام دولي قائم على قواعد». في شهر يناير، صرّح وزير الدفاع جيمس ماتيس بأننا في الواقع «لا نغزو الدول الأخرى»، مشيراً إلى التدخل الذي ترعاه روسيا في أوكرانيا، لكنه أسقط الغزوات الثلاث التي قادتها الولايات المتحدة خلال 12 عاماً الماضية بهدف تغيير النظام، والاحتلال الحالي لأجزاء من سوريا دون موافقة الحكومة السورية. كما زعم «أننا سنسوي الأمور عن طريق سيادة القانون الدولي». ناهيك عن أنه لا توجد دولة تصدق أن الضربات الجوية التي تشنها الولايات المتحدة في أماكن خارج ساحة المعركة تتفق مع القانون الدولي. فالحقيقة هي أن وزارة الدفاع تخطط، وتحتفظ بحقها في القيام بذلك، أي باستخدام القوة في أي مكان من العالم – بما في ذلك ضد البنية التحتية الحيوية الصينية والروسية – في محاولة لهزيمة أي تهديد محتمل. وكما أشار ناشط السلام الأميركي «إيه جي ماست» في عام 1949، فإنه «لا توجد أي دولة عظمى في التاريخ على الإطلاق تعتبر نفسها معتدية. وهذا لا يزال صحيحاً حتى اليوم». وهو أيضاً صحيح في موسكو وبكين وواشنطن.
ولعل أكثر ما يثير القلق بشأن التعليقات الأخيرة لمسؤولي البنتاجون حول منافسة القوى العظمى، هو أنهم على ما يبدو يريدون - وربما حتى يحتاجون - أن تكون الصين وروسيا هما المنافستين لأميركا. وكما ذكر مسؤول بارز في وزارة الدفاع لـ«نيكولاس شميدل»، فإن «الرجال الحقيقيين يخوضون حروباً حقيقية. نحن نحب وضوح الحروب الكبيرة». وإذا كنت قد أمضيت بعض الوقت مؤخراً في البنتاجون أو في مدرسة خدمية، لكنت سمعت هذا الشعور يتم التعبير عنه كثيراً. وهناك مؤشر آخر، وهو أن هذا الشعور تم التعبير عنه في جلسة استماع في مجلس النواب يوم الخميس، عندما أعلن الجنرال «دارين ماكديو»، قائد قيادة النقل في القوات الأميركية: «لم نعد نمتلك كل المجالات بعد الآن. فالبقاء سبعين عاماً دون خوض حروب وضعنا في مكان مختلف كأمة». بالطبع، لقد كانت الولايات المتحدة في حالة تشبه الحرب في معظم الوقت خلال سبعين عاماً الماضية، لكن هذه ليست أنواع «المعارك» التي يهتم بها الجنرالات اليوم. وغني عن القول إنه في حين أنه لم تكن هناك حرب بين القوى العظمى خلال أكثر من سبعة عقود، لا يوجد ضابط عاقل يريد وجود مثل هذه الحرب.
بيد أن هناك اعترافاً متزايداً بين كبار القادة العسكريين بأن الزيادة النسبية للصين في القوة السياسية والاقتصادية لم يتم «التحقق منها» عبر ما يقوم به البنتاجون على أفضل وجه: إنفاق المزيد من الأموال، وشراء المزيد من منصات الأسلحة، وإجراء المزيد من استعراضات القوة ودوريات حرية الملاحة. والكثيرون في البنتاجون يريدون أن تحاول الصين تحدي الولايات المتحدة علناً في المجالات التي تتمتع فيها بمميزات عسكرية متميزة، وأن تفشل الصين من أجل إعادة تأسيس التفوق الأميركي. وبالطبع، فإن القادة الصينيين في غنى عن الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة مباشرة. وهكذا، تظل وزارة الدفاع إلى حد ما على الهامش، بينما يصبح الصعود السياسي والاقتصادي الصيني المتصور أكثر قبولاً ورسوخاً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وباقي أنحاء العالم.
والحقيقة هي أن منافسة القوى العظمى (لاسيما مع الصين) لن يتم كسبها أو خسارتها عبر المزيد من الإنفاق الدفاعي، وعروض القوة وقدرات الحرب الفضائية الجديدة أو بعض الاختراقات التكنولوجية. وما سيحدد الأداء النسبي لأميركا هو قدرة السياسيين بها على التغلب على صراعاتهم الحزبية الشديدة لمعالجة المشاكل المستمرة في الوطن والتي تحد على نحو متزايد من القوة النسبية للولايات المتحدة والمناشدة الدولية. إن المزايا التنافسية التي تتمتع بها أميركا في مواجهة الصين ليس لها علاقة كبيرة بمؤسسة الدفاع، وما يتعلق برفاهيتها السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية والاجتماعية. وكل منها يمثل تحدياً معقداً للغاية من الممكن أن يواجهه السياسيون بالتركيز السياسي والموارد الضرورية في الداخل، الأمر الذي سيكون بدوره له التأثير الأكبر على منافسة القوى العظمى في الخارج.

*زميل بارز في مركز العمل الوقائي بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا