الاتحاد

الاقتصادي

القطارات من البخار إلى الطلقة

حسونة الطيب (أبوظبي)

يمتد تاريخ القطارات، على مدى المائتي سنة الماضيتين من الحضارة الحديثة للإنسان، الذي كان يستغل هذا الاكتشاف العظيم لتغيير قطاع الصناعة وانتشار العنصر البشري وطريقة الترحال اليومية.
ومنذ المرة الأولى التي تدحرجت فيها عجلات القطار البخاري على السكك الحديدية في إنجلترا مستهل القرن التاسع عشر، إلى الوقت الذي تم فيه اختراع القطارات الطلقة، التي تحمل آلاف الركاب وأطناناً من البضائع على متنها منطلقة بسرعة فائقة للغاية، أسهمت القطارات في الدفع بعجلة الحضارة وتحقيق نتائج فاقت التوقعات.
في غضون ذلك، تقلصت المسافات وأصبحت الرحلة التي كانت تستغرق أياماً، لا تتعدى سوى ساعات قليلة بالقطار.
كما تم دعم الصناعة بالمواد الخام والجاهزة، حيث استدعت سرعة التنقل، ضرورة إيجاد مناطق زمنية حول أرجاء المعمورة كافة.
وتتباين استخدامات القطارات في العصر الحديث من قطارات الإنفاق والكهربائية والترام وقطارات المسافات البعيدة المجهزة بأنواع الخدمات كافة، وقطارات الشحن في المدن الصغيرة، إلى القطار الطلقة الذي تتجاوز سرعته 600 كيلو متر في الساعة.
بدأ تاريخ القطارات بتصاميم غاية في البساطة وبطء في السرعة، حيث سبقت اكتشاف المحركات البخارية باستخدام الحضارات المصرية واليونانية والأوروبية، عربات عدة، تجرها الأحصنة.
ومع بناء السكك الحديدية، ليس المطلوب من الأحصنة أو الثيران بذل جهد كبير لنقل الفحم والحديد والشحنات الأخرى.
ويبدو أن ريسزوج، هو أقدم خط السكك الحديدية، معلق في التاريخ لا يزال قائماً، يقوم بتوصيل البضائع لقلعة هوهين سالزبورغ في مدينة سالزبورغ النمساوية، حيث يعود تاريخه لما بين 1495 و1504.
وفي منتصف القرن السادس عشر، انتشر استخدام خطوط الترام في أوروبا بسكك من الخشب وعربات تجرها أحصنة لتسهيل نقل أحواض الخام من وإلى المناجم.
أما خط ميدلتون في ليدز الذي يعود تاريخه لعام 1758، فهو أقدم خط السكك الحديدية ما زال يعمل حتى الآن، بيد أنه تم تحديثه.
وفي أميركا، كان خط لويستون في مدينة نيويورك في عام 1764، الأقدم في الولايات المتحدة الأميركية.
يمثل اختراع القطارات، واحدة من أهم الحقب التاريخية لحياة الإنسان وتطوره، حيث صادف ظهور أول قطار تاريخ 1804، بسعة حمولة قدرها 25 طناً و70 شخصاً، وقطع مسافة قدرها 10 أميال.
واستخدمت القطارات في وقودها على مر التاريخ، البخار والكهرباء والديزل.
وببروز محركات البخار المضغوط غير المكثف، في بداية القرن التاسع عشر، تمكن المهندسون من بناء نوع جديد من نظام السكك الحديدية وعربات القطارات لنقل شحنات ومواد تفوق بكثير ما تعود عليه الناس في الماضي.
وفي عام 1837، تم بناء أول قطار يعمل بالكهرباء بوساطة الكيميائي روبرت ديفيدسون في أبردين بإسكتلندا، بحمولة قدرها ستة أطنان وسرعة ستة كيلو متر في الساعة.
وفي عام 1883، كان افتتاح خط السكك الحديدية فولكس الكهربائي في برايتون إنجلترا، الذي ما زال يعمل حتى اليوم ليكون الأقدم من نوعه في العالم.
وفي صيف عام 1912، بدأ تشغيل أول قطار يعمل بالديزل في العالم في خط وينترثور رومانشورن في سويسرا، بيد أنه لم يحقق النجاح التجاري المطلوب.
لكن بالتعاون بين ألمانيا وسويسرا، انطلق أول قطار يعمل بالديزل والكهرباء في 1914.
وتستحوذ القطارات التي تتميز بصداقتها للبيئة وارتفاع تكلفة إنتاجها وصيانتها، على نحو 40% من الشحنات العالمية في الوقت الراهن.
وتقدر سرعة أول قطار بخاري «روكيت»، بنحو 96 كلم/‏‏ساعة من تصميم المهندس البريطاني ستيفنسون.
ويعتبر خط السكك الحديدية العابرة لسيبيريا السريع بطول 9297 كيلو متر، الذي يربط بين موسكو وفلاديفوستوك، الأطول في العالم.
وعلى صعيد القطارات السريعة، أطلقت اليابان طوكايدو شينكانسين في 1964 بين طوكيو وأوساكا، الأول من نوعه في العالم.
وبدأ منذ ذلك الوقت بناء هذه القطارات بسرعة دون وفوق 300 كيلو متر في الساعة، في عدد من البلدان، من بينها، إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وأميركا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وروسيا وكندا والصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا وغيرها.
ونجم عن انتشار هذه القطارات تراجعاً كبيراً في رحلات الطيران القصيرة بين المدن والبلدان الأوروبية.
وبجانب نقلها للركاب، تعمل القطارات السريعة أيضاً في نقل البضائع.
تعتبر بلجيكا، الرائدة في الثورة الصناعية في أوروبا، نموذجاً في إظهار قيمة السكك الحديدية في تسريع وتيرة الثورة الصناعية.
وبعد انفصالها عن هولندا في 1830، خططت الحكومة لبناء خطوط سكك حديدية تربط بين المدن الكبيرة والموانئ والدول المجاورة، لتصبح بذلك مركز شبكات السكك الحديدية في القارة.
واكتمل أول خط في بلجيكا في 1835 بين بروكسيل وميشلين.
وبرغم تراجع أرباح القطاع، ألا أنه تم إرساء البنية التحتية المطلوبة.
وفي المملكة المتحدة، أظهر قطاع النقل بالسكك الحديدية، نمواً سريعاً في عدد الركاب في الفترة بين 1829 إلى 2016.
وفي يوليو 1803، أنشأ وليام جيسوب، خط سوري أيرون الذي يعمل بالأحصنة، أول خط سكة حديد في بريطانيا.
ويعتبر الخط الذي يربط بين مانشستر، حيث زراعة القطن وليفربول حيث الميناء، أول خط حديث للسكك الحديدية لنقل البضائع والركاب يعمل وفق جدول زمني محدد.
وزادت المسافة التي تقطعها القطارات في بريطانيا بين 1830 إلى 1860، من 98 ميلاً إلى 10433 ميل.
مع أن الدراسات الأخيرة، تشير للمساهمة المتواضعة لقطاع السكك الحديدية في الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا، لكن من الواضح أن لها تأثيراً واضحاً في عدد من مجالات النشاطات الاقتصادية.
وتساهم خطوط السكك الحديدية في، خفض تكلفة البضائع ونقل وتوزيع السلع القابلة للتلف مثل اللحوم والألبان ومنتجاتها والأسماك والخضروات وغيرها.
وعند افتتاح نفق السكك الحديدية الذي يجري تحت مياه القناة الإنجليزية أو قناة المانش كما يسميها الفرنسيون، تم ربط بريطانيا العظمى بأوروبا للمرة الأولى منذ العصر الجليدي.
وبتكلفة 16 مليار دولار، اختصر الخط المسافة بين لندن وباريس، لساعتين ونصف الساعة فقط.
تبنت شركات الفحم في فرنسا، تشغيل أول خطوط للسكك الحديدية في البلاد في 1823، حيث ساعدت في تطوير المناطق النائية والمتخلفة.
وبنت فرنسا شبكة للقطارات مركزها في العاصمة باريس، بجانب خطوط جانبية تمتد من الشرق للغرب والجنوب.
وبحلول 1880، بلغ عدد عربات القطارات، ستة آلاف بسعة 51600 راكب، ونحو 21200 طن من البضائع سنوياً.
وترمي فرنسا من وراء إنشاء خطوط السكك الحديدية، لأهداف اجتماعية وسياسية وعسكرية، أكثر منها اقتصادية.
ونتيجة لذلك، تعتبر قطارات الشحن أقصر طولاً وأقل حمولة، بالمقارنة مع بعض الدول الصناعية الأخرى مثل بريطانيا وبلجيكا وألمانيا.
وفي أميركا، لعبت السكك الحديدية دوراً كبيراً في تطور البلاد، من الثورة الصناعية في الشمال الشرقي في الفترة بين 1810 إلى 1850، إلى المستعمرات في الغرب من 1850 إلى 1890.
وبدأ القطاع بخطوط قصيرة تربط مناطق إنتاج القطن والقمح بالأسواق، ليصبح نظاماً متطوراً بحلول 1910، بيد أن الشاحنات شكلت منافسة قوية له في ذلك الوقت.
وانخفضت المسافة التي تغطيها القطارات من 254 ألف ميل في 1916، إلى 140 ألف في 2009.
كانت خطوط السكك الحديدية، من العوامل المهمة في مراحل التطور الأولية في اقتصاد أميركا الجنوبية، خاصة فيما يتعلق بربط المناطق الزراعية بالموانئ المعدة للتصدير.
وساهمت هذه الخطوط، في زيادة صادرات السلع الأساسية، ورفع معدل واردات السلع الضرورية، في حين أدى زيادة نشاطها لجذب الاستثمارات الأجنبية ورفع العائد الصناعي ووتيرة الاقتصاد عموماً.
انتجت اليابان، أول قطار لها في 1872، بمساعدة فنية ومواد تم جلبها من بلدان غربية مثل، بريطانيا وأميركا.
وفي الهند، بدأ انطلاق القطارات من مدينة مدارس في الجنوب في عام 1837، بغرض نقل أحجار الجرانيت لتعبيد الطرق.
وأعقب ذلك، أول قطار للركاب في 1853 بين مدينتي بومباي وثين.
وفيما يتعلق بمستقبل قطاع القطارات السريعة، يخطط المهندسون، لصناعة قطار لا يستخدم العجلات، وبالتالي يرتفع نسبياً عن ملامسة مجرى السكك الحديدية بنحو ما بين 10 إلى 20 ملم.
ويكمن الحل في تقنية «ماجليف» أو الارتفاع المغناطيسي الذي يعمل بمبدأ القوى المغناطيسية في جذب الأقطاب المعاكسة وطرد المتشابهة.
وتتميز هذه القطارات، بعدد من المزايا التي تتفوق بها على القطارات التقليدية مثل أنها لا تتضمن قطع غيار متحركة قابلة للتلف ولا تصدر ضجيجاً أبداً وتتطلب صيانة بسيطة للغاية، بجانب صداقتها للبيئة.
وبينما تقدر الانبعاثات الكربونية لقطاع مركبات الطرق بنحو 72% وقطاعات أخرى بنحو 26.4%، لا تزيد انبعاثات القطارات عن 1.6% فقط، وفقاً لآخر بيانات متوافرة.
وتملك الصين وحدها، 20 ألف كيلو متر من مسارات القطارات السريعة، ما يتجاوز المسافة الكلية لبقية دول العالم مجتمعة.
وحقق خط بكين شانغهاي لقطار الطلقة، أعلى مستوى ربح في العالم بنحو 1 مليار دولار خلال العام الماضي.
وارتفعت قيمة السلع المنقولة بالقطارات من الصين إلى أوروبا خلال النصف الأول من 2017، بنحو 144%، بالمقارنة مع الفترة نفسها من 2016.
وتقدر الكمية التي تم نقلها خلال العام، بنحو 180 ألف طن، مقارنة مع 52 مليون عبر البحار و700 ألف طن بالجو، من المرجح تحول معظمها للسكك الحديدية في المستقبل القريب.
وتسهم الاستثمارات في قطاع السكك الحديدية في النهوض بالاقتصادات، حيث تنتظر مشروعات في هذا القطاع في أوروبا، تمويلات تزيد على 27 مليار يورو.
وربما يكون الوقت مناسباً، لتخصيص حزم تحفيز اقتصادية لعمل استثمارات طال انتظارها في تقنية السكك الحديدية وبنيتها التحتية ومحركاتها.
وأنفقت كازاخستان، نحو 3.2 مليار دولار، على تطوير خطوط السكك الحديدية القديمة لإنعاش تجارتها مع الصين من خلال عبور السلع الصينية لأوروبا.
ومن المرجح في غضون العامين إلى خمسة أعوام المقبلة، زيادة العديد من البلدان مثل الصن والهند، لاستثماراتها في القطاع في ظل ما تعانيه من ازدحام في مدنها الكبيرة.
وتضع الصين، بناء شبكة السكك الحديدية بين مدنها، على رأس أولوياتها ضمن الحزمة التحفيزية المقدرة بنحو 585 مليار دولار.
وخصصت أميركا للمرة الأولى في تاريخها، حصة مقدرة من حزمتها التحفيزية لقطاع السكك الحديدية.
وبينما تقدر تكلفة الازدحام في أميركا بنحو 78 مليار دولار في سنة 2005، بلغت في أوروبا فيما يتعلق بعمليات التأخير والوقود المهدر نتيجة الازدحام، 3% من الناتج المحلي الإجمالي في العام ذاته.
وتؤثر الانبعاثات الناتجة عن المواصلات، على مقدرة أوروبا للإيفاء بهدفها لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة قدرها 20% بحلول 2020، ليكمن الحل في التحول من الطرقات للسكك الحديدية.
ويرجح خبراء القطاع، تراجعاً في معدل نمو القطاع من 3.2% في 2014، إلى 2.3% سنوياً بحلول 2020، في سوق قوامها السنوي نحو 200 مليار دولار.
ومن الضروري تبني القطاع للحلول الرقمية والتقنية من أجل منافسة المشغلين والمصنعين الذين يترتب عليهم التركيز على خفض التكلفة.
وفي غضون ذلك، تعتبر سوق منطقة أفريقيا والشرق الأوسط، الأسرع نمواً في قطاع السكك الحديدية، حيث بلغ حجمها في 2016 نحو 7 مليارات يورو.
ومن المتوقع استمرارها في النمو خلال الخمس سنوات المقبلة، بمتوسط سنوي قدره 7%. وفي سوق غرب أوروبا المقدرة قيمتها بنحو 44 مليار يورو في 2015، من المتوقع إحراز متوسط نمو سنوي بنحو 3.2% حتى 2020.
وهيمنت في تلك السنة، خمس أسواق على 50% من قطاع السكك الحديدية العالمي، الصين وأميركا وروسيا وألمانيا وفرنسا.
وعلى النحو العالمي، يوجد نحو 1500 مشروع للسكك الحديدية بقيمة 2.1 تريليون دولار، مخططاً لها أو قيد الإنشاء، ضمن شبكة تمتد على نحو 1.3 مليون كيلو متر.
وبينما كانت القطارات في الماضي، تشكل نقطة التقاء بين الناس وقيام صداقات خلال الرحلات التي يطول وقتها، لا اعتقد أن القطارات الطلقة ستوفر مثل هذه الفرص أو حتى لإلقاء التحية.

اقرأ أيضا

حمد الشرقي: الإمارات تحرص على استدامة الموارد الطبيعية