الاتحاد

دنيا

بطالة الرجل تخضعه لسطوة المرأة

تنتقل من غرفة إلى غرفة، تراودها أفكار حزينة، وتسترجع ذكريات مؤلمة، كيف ستدبر احتياجات أبنائها؟! فعبدالله يريد ملابس جديدة، وسلطان يبحث عن أقلام ملونة، والكبرى سلمى تحتاج إلى «لاب توب»، أمام كلِّ هذا وجدت نفسها مجبرة على دفع إيجار الشقة التي تقطن فيها، إلى جانب فاتورة الكهرباء والجمعية والخادمة، أخذت الأفكار تتزاحم في رأس أم قاسم، كيف ستدبِّر أمورها بعد أن تعرض زوجها لحادث أقعده عن الحركة، وأجبرته الظروف أن يكون عاطلاً عن العمل مع سبق الإصرار والترصد.

حاجز نفسي

كانت هذه هواجس أم قاسم، التي لم يكن لديها أي خيار آخر سوى العمل، تقول عن ذلك: «أن تعمل المرأة فذلك ليس أمراً معيباً، ولكن أن يكون هناك رجل عاطل عن العمل، قابع في البيت بلا حركة، فهنا المشكلة».
تصمت لبرهة وتضيف: «معروف عنا نحن الشرقيين أنَّ الرجل هو الذي يتحمل أعباء المنزل، وتقع على كاهله كافة المسؤوليات، ولكن عندما ينقلب الميزان رأساً على عقب، أي عندما تعمل المرأة، ويكون الرجل، لظروف قاهرة، عاطلاً عن العمل، نكون أمام قضية».
يعد خروج الزوج للعمل ركيزة هامة لها أثرها في استقرار الحياة بين الأزواج، لما تحمل من قيمة مادية ومعنوية معاً، وإذا لم يحظ بها الزوج فإنَّ الحياة لا تستقيم على حال السعادة والاستقرار مهما كانت طبيعة التفاهم بين الزوجين، إذ يبقى الحاجز النفسي لدى الزوج أكبر من أي توافق وتفاهم، والرجال العاطلون عن العمل أنواع، فمنهم من يكون عاطلاً بإرادته، أو لأسباب خارجة عنها، ولكن المشكلة تبقى نفسها مهما تعددت الأسباب: سي السيد قابع في المنزل، وحواء تعمل. تعاني ليلى قيس من ظروف زوجها العاطل عن العمل، وهي تقول عن ذلك بحزن: «هل يتقبل الرجل فكرة جلوسه في البيت لتذهب زوجته إلى العمل؟! تصمت لبرهة قبل أن تدعِّم سؤالها بآخر: «ألا يعتبر هذا تملصاً من المسؤولية؟ وما شعور المرأة آنذاك: هل تتقبل الأمر بطيبة خاطر، أم ترى نفسها مجبرة على مواصلة العمل لتوفير متطلبات أفراد أسرتها الذين أصبحوا بحاجة لها أكثر من أي وقت مضى»؟

التماس العذر
أم باسم تعرض زوجها رجل الأعمال لخسارة فادحة في تجارته، جعلته يعتزل العمل ويستسلم لواقعه الجديد، تقول عن ذلك: «من نظراتي الخفية نحوه، أجد زوجي في لحظة سكونه يشعر بالضجر من حاله، ويتفوه بكلمات ورموز غير مفهومة حين يكون لوحده، أعرف أنَّ ما مرَّ به ليس بالأمر السهل، ولكن التجارة ربح وخسارة.
تصف أم باسم ما تشعر به تجاه زوجها، وتقول بهدوء: «أشعر بما يشعر به، فليس من السهل أن يعتاد الرجل على الجلوس في المنزل مجبراً، في مقابل ذلك يرى زوجته تتفانى في عملها، وتحصل على أفضل العلاوات والترقيات والامتيازات، ولكن رغم ذلك أحاول جاهدة أن أخفف عليه، وأجد له العذر فيما يمر به».

أكثر حميمية
لا تختلف تجربة سليمة جاهد كثيراً عن سابقتها، وهي تقول في ذلك: «لقد تقبلت الوضع الجديد لزوجي، ولا يمكن أن أقبل به في أيام الرخاء لأتخلى عنه في أيام الشدة، فإنهاء خدمته من العمل وهو بكامل عطائه لا يجوز أن يعني نهاية المطاف».
تضيف سليمة عن علاقتها مع زوجها: «لم تتأثر علاقتي به بعد أن أصبح زوجي بدون عمل، فيما لا أزال على رأس عملي، هو لم يتذمر كثيراً من وضعه الجديد، بل أصبح أكثر حميمية من السابق، بات يساعدني في انجاز بعض الأمور المنزلية، إلى جانب تدريس الأبناء، وتلبية متطلبات البيت».

اعترافات عاطل
في المقابل يصف سليم طه شعوره بعد أن تخلت الشركة التي يعمل بها عن خدماته، قائلاً: «لا أعتقد أن كلَّ شخص أنهيت خدماته يصير هماً وغماً على شريكة حياته، فالزوجة التي تحب زوجها ترضى به في السراء والضراء، خاصة أنَّ ما يمر به من بطالة، إنَّما هو ظرف استثنائي، وليس حالة دائمة».
يروي سليم تجربته مع البطالة بالقول: «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»، فبعد أن خسرت عملي انتابني شعور بالنقص، وكثيراً ما أتحسر على حالي، خاصة إذا ما رأيت أصدقائي يتأهبون للتوجه إلى أعمالهم وأنا لست بصحبتهم، ولم يبق أمامي سوى الجلوس أمام شاشة التلفاز، أترقَّب البرنامج تلو الآخر، لقد كسرني الفراغ قد كسرني حتى إنني أصبحت أشعر بافتقاري إلى الشخصية، أما زوجتي فلن أنسى لها موقفها الشجاع معي، فقد ساندتني في محنتي، حتى إنها باعت كل ما تملك من ذهب لننفقه على احتياجاتنا الضرورية».

فتش عن التفاهم
«من المؤكد أنَّ مسألة بقاء الرجل بدون عمل تترك أثراً سيئاً على نفسيته»، يقول محمد المرزوقي : «قد تحدث بعض المشاكل داخل البيت، خاصة عندما تطول مدة بقاء الرجل دون عمل، وأعتقد أن هذه المسألة معتمدة على شخصية المرأة، ومدى تفهمها للأمر بحيث لا تجعل زوجها يشعر بأنَّه أصبح عالة عليها».
ويتفق خالد حسن مع المرزوقي، بالقول: «التفاهم هو الذي يتحكم في دواخل النفوس، لذلك فإن مسؤولية الزوجة في هذه الحالة ستكون مضاعفة، وستحتاج الى حنكة ودبلوماسية، فهي علاوة على الأعباء المادية التي ستقع على عاتقها بمفردها، ستكون مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتفهم الحالة النفسية التي تسيطر على الزوج، ومراعاة مشاعره وأحاسيسه التي لن تكون متوازنة ولا طبيعية».

الطب النفسي
بدورها تقول الأخصائية النفسية فاطمة علي: «من المعروف أنَّ الزوج هو عماد البيت، والركيزة الأساسية، وقد درجت العادة أن يخرج هو للعمل فيما تظل هي في البيت ترعى شؤون بيتها وأولادها، لكن مع اختلاف إيقاع الحياة، وفي ظل ظروف طارئة، قد يصبح الزوج عاطلاً عن العمل فجأة، على الزوجة هنا أن تتحمل المسؤولية بمفردها، ولو لفترة مؤقتة، أو لحين يجد زوجها عملاً آخر».
تستطرد الأخصائية قائلة: «هناك أزمات شتى تستدعي تدخل الزوجة لإنقاذ الوضع الذي تعرض له الزوج، ولابدَّ من مراعاة ظروفه وتفهمها بحنكة ودبلوماسية، وعليها أيضاً أن تشجعه، وتحثه على البحث عن عمل كي لا يعتاد الحال».
وللتخفيف من تلك الانعكاسات تشدد الأخصائية على ضرورة ألا يستسلم الرجل لحالة الكسل والبحث عن العمل، ليستعيد نشاطه وحيويته وقيمته الاجتماعية التي يشعر بفقدانها جراء مكوثه بين جدران المنزل.
فيما زوجته خارجه تؤدي المهام المناطة به، بالعمل وكسب الرزق.

اقرأ أيضا