الاتحاد

دنيا

رادارات الحيتان للتعارف والاكتشاف ورسم الخرائط


إعداد - عدنان عضيمة:
بعد أن كثر الحديث مؤخراً عن الأغاني التي تشدو بها الحيتان في أثناء إبحارها، فقد أصبحت مؤخراً موضوعاً لبحث متكامل أنجز في أميركا وقاد إلى نتائج مثيرة· ويشير تقرير نشر في هذا الصدد إلى أنه ما من أحد كان يدري أن هذه الإشارات الصوتية التي تصدرها الحيتان ليست لمجرد التعارف وتناقل المعلومات فيما بينها· ولقد أشار بحث جديد إلى أن الحيتان تستخدم الغناء باعتباره يمثل أصواتاً تنتشر لألوف الكيلومترات ثم ترتد عن القيعان مثلما يحدث في الرادار الكاشف للسفن· وبهذه الطريقة يمكن للحيتان رسم صورة ذهنية لخريطة القيعان في دماغها·
وأشار التقرير الذي نشره الكاتب العلمي جوناثان ليك في صحيفة (ساندي تايمز) إلى أن هذه الدراسة أماطت اللثام عن أحد الألغاز العلمية البحرية والذي يتلخص في السؤال التالي: كيف يمكن للحيتان أن تهاجر لمسافة ألوف الأميال عبر المحيط وبدقة هائلة في التوجه؟·
وقد تبين من هذا الاكتشاف أن الحيتان أكثر ذكاء بكثير مما كان يُعتقد لأن قابليتها لرسم مثل هذه الخرائط الذهنية تؤكد أن أدمغتها قوية للغاية· وتم التوصل إلى هذا الاكتشاف بعد أن تمكن علماء أميركيون من الحصول على اذن خاص بالدخول إلى شبكة الميكروفونات المزروعة منذ زمن بعيد في أماكن متباعدة من قاع شمالي الأطلسي بهدف الكشف عن أي تسلل محتمل للغواصات السوفييتية العدوة·
أناشيد لها مغزى
وتمكن العلماء عن طريق هذا النظام من الميكروفونات من الاستماع إلى الأغاني التي تنشدها المئات من الحيتان التي تستوطن المحيط· وكانوا قادرين على رصد حركتها بشكل دقيق في شمالي المحيط الأطلسي· وقال كريستوفر كلارك، مدير برنامج البحث في جامعة كورنيل في نيويورك، إنه بعد أن يطلق الحوت صوته الغنائي فإنه ينتظر حتى يستمع إلى صداه بعد انعكاسه على طبقات القاع· وتبلغ الأصوات التي تصدرها الحيتان من القوة ما يجعلها قادرة على قطع مئات الأميال قبل أن تنعكس عن التراكيب الجيولوجية البحرية لتعود إلى الحيتان من جديد· وقد تستغرق عودة الأصوات إلى الحيتان 20 دقيقة بعد صدورها· ويقول كلارك: 'يمكن للحيتان أن تستشعر وجود جبل قاعي على بعد يصل إلى 500 كيلومتر· وعندما تصل إليها فإنها تستشعر تكويناً قاعياً آخر· ولهذا تبدو الحيتان وكأنها لا تتوقف عن التنقل بين التراكيب الجيولوجية القاعية'·
اختلاف المقاييس
وتأكد كلارك من خلال تسجيل الأصوات الصادرة عن الحيتان من أنها تستخدم الغناء أيضاً كطريقة للتحادث فيما بينها عبر مسافات شاسعة· وقال خلال اجتماع للجمعية الأميركية لتقدم العلوم نظم في واشنطن: 'لقد أصبحنا بفضل هذا البحث نمتلك القدرة على تحديد مواقع الحيتان والمسافات التي تتبادل عبرها الأحاديث والأنغام· ولدينا الآن الدليل القاطع على أنها تقوم بالاتصال ببعضها البعض عبر ألوف الكيلومترات في مياه المحيط· ولا شك أن الغناء هو جزء من النظام الاجتماعي لعالم الحيتان'·
ولقد سمحت التجهيزات المعقدة التي يتألف منها نظام كشف الغواصات التابع للبحرية الأميركية من تسجيل 'الأحاديث' التي تتبادلها الحيتان على بعد مئات الكيلومترات· وتوصل من كل هذه الدراسة إلى النتيجة المهمة التي تفيد بأن الحيتان تتفاعل مع بيئتها وفق مقاييس اضخم بكثير من تلك التي يتفاعل بموجبها الإنسان مع بيئته· فالإنسان مثلاً لا يمكنه أن يسمع صوتاً صادراً عن منبع يبعد عنه أكثر من 200 أو 300 متر، ولا يمكنه أن يتصل بإنسان آخر بوسائله الطبيعية إذا كان يبعد عنه بأكثر من هذه المسافة· وهذا ما يجعل الحوت الذي يبدو لنا وهو يبحر منفرداً، يشعر بحرارة الإبحار الجماعي مع أقران له يبعدون عنه بمسافات شاسعة· وهو قادر في كل لحظة على تحديد أماكنها وبعدها عنه·
ضجيج البشر
ولم يكتفِ كلارك بالاستماع إلى أصوات الحيتان وحدها، بل تمكن من التقاط الضجيج الناتج عن النشاطات البشرية كأصوات محركات السفن التجارية والضجيج الذي ينتشر عن عمليات التنقيب عن النفط والغاز واستخراجه من تحت الطبقات القاعية للبحار· وعندما عمد كلارك إلى مقارنة هذا الضجيج مع الضجيج البشري المسجل من قبل، استنتج أنه يتضاعف من حيث الشدة كل عشر سنوات· وهذا يؤدي إلى إصابة الحيتان بما يشبه الطرش ويحرمها من قدرتها الخاصة على التواصل فيما بينها ومع بيئتها·

اقرأ أيضا