الاتحاد

الملحق الثقافي

هل يتحقق أمل البشريّة في عوالم بديلة؟


أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) بالتعاون مع المرصد الأوروبي الجنوبي، خلال الشهر المنصرم، عن اكتشاف سبعة كواكب يقارب كل منها في حجمه حجم الأرض، توجد في الفضاء الخارجي على مسافة 40 سنة ضوئية. الخبر أثار انتباه الجميع، وشغل جل وسائل الإعلام الدولية، كما قامت شركة غوغل بتغيير رمز محركها احتفالاً بهذا الحدث. هذه ليست أول مرة يتم الإعلان فيها عن وجود كواكب أخرى صالحة للحياة، ضمن مجرتنا، لكنها أول مرة يتم فيها الإعلان دفعة واحدة عن هكذا اكتشاف.

تم هذا الاكتشاف بفضل التعاون بين مجموعة من العلماء في أوروبا وأميركا، حيث اعتمدوا تليسكوبات جد متطورة لذلك، منها تيلسكوب موجود في المغرب فوق جبل أوكايمدن اسمه ترابست الشمالي تابع لجامعة القاضي عياض بمراكش، والتليسكوب الفضائي سبيتزر التابع لناسا. كما ساهم في هذا الاكتشاف بعض العلماء العرب من بينهم المغربيّان: زهير بن خلدون وخالد البركاوي، والسعودي ياسين المليكي.
يقول الخبر، إن كل هذه الكواكب صلبة، ويوجد من بينها ثلاثة تقع ضمن (النطاق الصالح للحياة ــ La zone habitable)، وهي المنطقة المعتدلة، نظراً لقربها من النجم، بحيث تسمح بوجود الماء في حالة سائلة إذا ما وجد على هذا الكوكب. الأمر يتعلق بنظام كوكبي متكامل يدور حول نجم صغير أطلق عليه (ترابيست 1 ــ Trappist-1)، وهو عبارة عن (قزم فائق البرودة)، أي أنه نجم ذو كتلة صغيرة. ما هي إذن أهمية هذا الاكتشاف وما هي الصعوبات التي تحيط بفك لغز الكواكب الخارجية؟

علم واعد
قصة اكتشاف (الكواكب الخارجية ــ Les Exo planetes) حديثة النشأة لا تتعدى العقود الثلاثة الأخيرة، ارتبطت على وجه الخصوص بأعمال الفلكيين السويسريين: ميشيل مايور وديدييه كيلوز. أول كوكب اكتشف كان سنة 1995 وهو مجرد عملاق غازي أطلق عليه (51 pegasi b) ويبعد عنا خمسين مليون سنة ضوئية، ثم تتالت الاكتشافات بوساطة التليسكوب كيبلر، الذي لا تمضي سنة إلا ويكتشف المئات من الكواكب التي تدور حول نجومها، والتي يقدر العلماء أن واحداً من بين كل خمسة كواكب يمكن أن يكون شبيهاً بالأرض، هذا يعني أننا سنحصل في نهاية المطاف على عدد هائل يقدر بـ 11 مليار كوكب.
علينا أن نعلم أن هذه الاكتشافات هي في غاية الصعوبة، فليس من السهولة ملاحظة وجود كواكب تبعد عنا ملايين السنين الضوئية. لهذا السبب يلجأ العلماء إلى طرق ملتوية لرصدها، أهمها (طريقة المرور ــ la transite)، والتي تقوم على قياس انخفاض شدة لمعان النجم عندما يمر من أمامه الكوكب. الأمر يشبه رؤية يراعة تمر أمام منبع للضوء من على بعد كيلومرات.
ولكن هل يكفي هذا لمعرفة الطبيعة الداخلية لهذا الكوكب؟ إن ملاحظة تغير ضوء النجم عندما يحجبه الكوكب المار من أمامه قد يعطينا فكرة عن كتلته، ولكنه لا يجيبنا عما إذا كان هذا الكوكب غازياً أم صخرياً؟ وهل له غلاف جوي؟ أو هل يحتوي على مياه سائلة؟. لهذه الأسباب تقوم ناسا حالياً بتطوير تيلسكوب جد متطور مقارنة مع ما سبقه، وهو (جيمس ويب) من أجل معرفة المزيد عن الظروف المحيطة بالكواكب السبعة المكتشفة، والتأكد، على وجه الخصوص، مما إذا كانت هناك حياة فوقها من خلال تحليل البصمة الكيميائية في أغلفتها الجوية.

نقلة للبشرية
هناك فرق بين القول، إن هذه الكواكب (صالحة للسكن ــ Habitable ) والقول بأنها مسكونة فعلاً (Habitée). الأولى تعني أن هذه الكواكب صخرية وليست غازية، ثم إن كتلتها قريبة من كتلة الأرض، كما أنها توجد في النطاق الصالح للسكن ـ كما سبقت الإشارة ـ وهذا معناه أنها تحتوي على مياه سائلة وغلاف جوي. أما الثانية فهي تدل بالإضافة إلى العوامل السابقة، على أنها استطاعت أن تطور شكلاً من أشكال الحياة كيفما كان نوعها. طبعاً لحد الآن لم يستطع علم الفلك أن يثبت بشكل قطعي وجود حياة على الكواكب الخارجية التي تم اكتشافها منذ بداية الاهتمام بهذا الموضوع، غير أنه في حالة هذه الكواكب السبعة، يرى العلماء أن هناك احتمالاً كبيراً جداً أن تتوافر على حياة، وإذا ثبت هذا فسيكون هذا الأمر نقلة نوعية ليس فقط في تاريخ علم الفلك، بل في تاريخ البشرية ككل. إنه الأمل الذي يعيش عليه جل علماء الفلك، فهم يهتمون بالفيزياء النظرية، لكنهم يرجون أن ينتهي اشتغالهم بالبيولوجيا أي باكتشافهم لحياة فضائية.
السؤال إذن ما ذا سيكون رد فعلنا إذا ما تأكدنا في المستقبل من وجود شكل من أشكال الحياة على هذه الكواكب ؟ بل أكثر من ذلك ما نوع التأثير التي سنتلقاه في حالة العثور على حياة عاقلة ؟
إن لقاء من النوع الثالث، كما يسمى في عالم اليوفولوجي، سيكون غير مسبوق في تاريخ البشرية، وكما صرح عالم الفيزياء الفلكية الأميركي ميشيو كاكو فإن حدثاً من هذا النوع لا يعادله سوى ما وقع في فجر التاريخ، عندما انفصل الهوموسابيانس عن باقي الأنواع من الكائنات الشبيهة به كي يصبح إنساناً عاقلاً. وهذا صحيح تماماً فظهور المسيح أهون علينا من ظهور الكائنات العاقلة، لأن المسيح جزء من الثقافة الإنسانية، ونحن مهيئون لذلك من الناحية الدينية، أما ظهور الكائنات العاقلة فسيكون صدمة كبيرة يصعب علينا استيعابها، وستضطرنا إلى إعادة النظر في الأسس التي انبنت عليها حضارتنا من جميع النواحي.

معضلة المسافات الهائلة
هل بإمكاننا الوصول إلى هنالك ؟ من المعروف في علم الفلك أن المسافات، نظراً لشساعة الكون الهائلة تقاس بالسنوات الضوئية، أي بمقدار السرعة التي يمكن أن يقطعها الضوء خلال سنة واحدة، مع العلم أن أكبر سرعة يمكن أن يصل إليها أي جسم هي سرعة الضوء. على سبيل المثال نحتاج إلى نحو 4 سنوات ضوئية كي نصل إلى ألفا سنتوري، وهو أقرب نجم إلى الكرة الأرضية بعد الشمس. غير أننا نحتاج إلى نحو 40 سنة ضوئية كي نصل إلى الكواكب السبعة، ورغم أنها مسافة بعيدة جداً، إلا أنها تعتبر مسافة قريبة من المنظور الفلكي، لأن هناك نجوماً تبعد عنا آلافاً وملايين السنين الضوئية. المشكلة إذن هي أننا لو رغبنا في الذهاب إلى هذه الكواكب، فإننا لن نتمكن من ذلك بوساطة التكنولوجيا المحدودة التي نتوافر عليها اليوم. هل سيمكننا التطور التكنولوجي مستقبلاً من التغلب على معضلة المسافات الكونية الهائلة والوصول إلى نجوم أخرى؟ هذا شيء صعب جداً لكنه مع ذلك ليس مستحيلًا. لقد استطاع العقل البشري أن يحل الكثير من المعضلات وقد لا تعجزه هذه، ولكن لكي يتمكن من تحقيق هذا الإنجاز غير المسبوق، عليه أن يفكر بطريقة جريئة معتمداً على أسس علمية (غير معتادة ــ Non conventionnelle ) مثل فكرة الثقوب الدودية أو تجاوز سرعة الضوء، أو استعمال نقيض المادة كطاقة أو غير ذلك.

كل شيء يتحرك
لماذا يهتم إذن الإنسان بالبحث عن العوالم البديلة والكواكب الخارجية التي ربما قد لا يبلغها يوماً ما؟ إن الجواب البدهي عن هذا السؤال يكمن أولاً في الرغبة في فهم الكون وحب الاستطلاع المعرفي الذي يتميز به الإنسان. فمنذ ظهوره على الأرض وهو يتساءل عن سر وجوده. يقال في هذا الصدد إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرفع وجهه إلى السماء، وهو يفعل ذلك طبعاً ليس من أجل القيام بإحصاء النجوم، بل من أجل طرح السؤال الأساسي حول المعنى الكلي للوجود، ماذا يوجد هناك في الأعالي؟ أية حقيقة تخفيها هذه النجوم التي تتلألأ في القبة السماوية؟ هل هناك حياة أخرى في الكون؟
إن مثل هذه التساؤلات، وغيرها تعبر كما قلنا عن الرغبة في اكتناه سر الوجود. لكن مع ذلك فالاهتمام بهكذا موضوع محكوم على المدى البعيد ـ وقد يكون هذا أقرب مما نظن للأسف ـ بمغادرة البشرية للأرض إذا ما أرادت أن تضمن بقاءها. ذلك أن الشمس في يوم ما ـ يقدر ذلك بنحو 5 مليارات سنة ـ سيخفت بريقها وتنفجر في نهاية المطاف، مبتلعة أغلب الكواكب القريبة بما فيها الكرة الأرضية. حياتنا إذن متناهية، هذا شيء كنا ندركه كذوات فردية ولكن مع الغزو الذي قام بها الإنسان للفضاء منذ الأزمنة المعاصرة اتضح لنا بكل جلاء هشاشة الكرة الأرضية، هذه النقطة الزرقاء الضائعة على هامش الذراع الحلزونية لدرب اللبانة. طوال قرون وقرون ونحن نعتقد أنها ـ ونحن معها ـ نوجد في المركز. والآن نحن نعلم جيداً أن الأرض تدور حول نفسها بسرعة (1.674.66) كيلومتراً في الساعة، وهي سرعة أكبر من سرعة الصوت. وتدور حول الشمس بسرعة (108.000) كيلومتر في الساعة، بل أضاف الفلكي الأميركي إدوين هابل أن المجرات جميعها في تسارع مستمر نتيجة توسع الكون. غير أن الغريب في هذا كله هو أن كل شيء في الكون يتحرك، حسب ما يقول العلم، بما فيه الأرض التي نعتقد أنها ثابتة تحت أقدامنا، إلا شيء واحد، يأبى إلا أن يظل ساكناً جامداً لا يتحرك أبداً، إنه عقلنا المتكلس الذي يتشبث بالانغلاق على ذاته رافضاً كل تجديد أو انفتاح.

عند «جيمس ويب» الخبر اليقين
ينبغي عدم الحماس والإفراط في الاعتقاد أننا وصلنا فعلاً إلى اكتشاف حياة فضائية، فالمسألة ما زالت لحد الآن مجرد «فرضية»، وعلينا أن ننتظر إطلاق التليسكوب جيمس ويب سنة 2018 كي نقوم بالتحليل الكيميائي لغلافها الجوي والحسم في هذا الأمر. ولكن إذا كان الأمر مرتبطاً فقط بالوقت، فهذا يعني أنه علينا أن نستعد نفسياً، وذهنياً لهذا الحدث المؤسس وغير المسبوق.

اقرأ أيضا