الاتحاد

دنيا

الحقيقة لا تموت


هالة دروج:
في أواخر شهر يناير استطاعت السلطات القضائية في مدينة مانشستر البريطانية من تحقيق العدالة في واحدة من أكثر الجرائم التي حيرت الشرطة على مدى ثلاثين عاما· فقد أصدرت هيئة المحكمة هناك حكمها بالسجن مدى الحياة على القاتل جوردن بارك بعد أن اعتقد أن الأعوام الثلاثين التي مضت على فعلته المشينة قد محت كل أثر يدينه وأنه تمكن بالفعل من ارتكاب ما يطلقون عليه مصطلح الجريمة الكاملة· فقد أدين الرجل البالغ من العمر 62 عاما بجريمة قتل زوجته كارول والقاء جثتها في واحدة من أكثر البحيرات عمقا في بريطانيا في جريمة تصنف من أبشع الجرائم التي شهدها التاريخ البريطاني· ولم تحتج هيئة المحلفين لأكثر من سبع ساعات للتشاور لتنهي محاكمة جوردن التي كانت قد بدأت قبل شهرين فقط· بعد النطق بالحكم شهدت قاعة المحكمة الكثير من البكاء والدموع التي انهالت من عيون القاتل وأفراد عائلته بمن فيهم زوجته الثالثة البالغة من العمر 60 عاما، وتلك التي ذرفتها عينا شقيق القتيلة الذي انتظر أكثر من 29 عاما لتتحقق العدالة في قضية مقتل شقيقته·
يمارس بارك عمله في مجال التربية والتعليم، وهو يهوى الابحار كثيرا ويعيش حياة مستقرة مع زوجته الثالثة وأبنائه وأحفاده· ولا يبدو أن هناك أي شيء يعكر صفو هذه الحياة الأسرية المستقرة بعد أن ظن أنه نجا بنفسه من العقاب بعد حادثة مقتل زوجته· لكن شاءت الأقدار أن يكتشف بعض الغواصين جثة الزوجة التي استقرت على عمق 25 مترا من سطح البحيرة وذلك بعد أكثر من 21 عاما من الحادثة· وهذا ما أدى بالطبع الى اعادة فتح التحقيق في حادثة اختفاء الزوجة من جديد· واحتاج رجال الشرطة لأكثر من سبعة أعوام أخرى كي يتمكنوا من جمع الأدلة التي تكشف ملابسات تلك الجريمة·
بارك هو وحده الذي كان يعرف ما حدث في تلك الليلة من شهر يوليو عام 1976 التي قتلت فيها زوجته· لكن المحكمة حصلت على مجموعة من الأدلة الجنائية وشهادات الشهود التي أكدت جميعها أن الزوج هو القاتل·
فبعد اكتشاف الجثة في شهر أغسطس من عام 1997 اتهم بارك بالجريمة لكن التهمة سقطت لعدم توفر الأدلة الكافية لادانته· وبعد سقوط تهمة القتل عنه لأول مرة تقاضى جوردن 50 ألف جنيه استرليني ليروي قصته لاحدى الصحف التي قال فيها: 'أنا لست رجلا عنيفا ولا أؤمن بالعنف· لم أرغب يوما بضرب أحد ولا سيما ان كان امرأة مهما كانت الدوافع'·
شهادات و أدلة
بيد أن رجال الشرطة لم يستسلموا لقرار المحكمة، وقرروا متابعة الجهود الى أن توفر لديهم ما يكفي لوضع الزوج في قفص الاتهام من جديد· جاء الدليل الأول من شهادات بعض السجناء الذين رافقوا بارك أثناء احتجازه الأول في عام ·1997 فقد أكد هؤلاء أن بارك اعترف بنفسه أمامهم بقتل زوجته وذلك في جلسة كان يعيش خلالها حالة من الضغط النفسي والعاطفي· كما قال أحدهم إن بارك صرح بأن زوجته كانت تستحق القتل لأنه كان قد ضبطها مع رجل آخر في غرفة النوم في منزل العائلة·
ثم جاءت الشهادة الثانية قبل عامين من قبل سيدة تعرفت على بارك مؤكدة أنه نفس الرجل الذي رأته مع زوجها في عام 1976 وكان يقود قاربا في مياه البحيرة وقام برمي جسم كبير من جانب القارب· وتتذكر السيدة كيف قال لها زوجها على سبيل الدعابة: 'آمل ألا يكون قد رمى زوجته!'·
لم يكن أحد يتوقع أن يكون جوردون بارك هو القاتل· فكل من يعرفه يصفه بأنه رجل هادئ لطيف ينال الاحترام والتقدير بوصفه الأب الذي يكسب رزقه من مهنة شريفة ويكافح من أجل تربية أبنائه وتعليمهم· لكن وراء هذه الصورة المشرقة كان بارك يخفي سرا كبيرا، وخلف ذلك الهدوء كان هناك بركان يمكنه أن يثور في أي وقت· ويقال إن احدى ثورات الغضب كانت السبب وراء اقدامه على قتل زوجته·
يعتقد أن الزوجين بارك لم يكونا ينعمان بحياة زوجية هادئة اذ كان لكل منهما علاقاته الغرامية، وأنهما خاضا شجارا ليلة مقتل الزوجة· كانت كارول امرأة ذكية، وشابة جذابة تعمل في مجال التدريس وتمتاز شخصيتها بكثير من الحيوية والنشاط والاقبال على الحياة· وكان يعرف عنها كأم ولعها الهائل بأطفالها الذين كانوا يحظون بأقصى درجات الحنان والرعاية من طرفها· أقامت كارول علاقة مع رجلين على الأقل· لكن خلال فترة علاقتها مع العشيق الثاني تمكن الزوج من الحصول على حق حضانة الأطفال لنفسه· وهذا ما أثر كثيرا عليها واضطرها الى العودة الى منزلها لأنها لا تستطيع الصبر على بعدها عنهم·
أما جوردون بارك فكان مدير مدرسة متسلط شديد الحساسية صعب الارضاء· وكانت نقاط اللقاء بينهما نادرة جدا· وعندما لم يستطع الزوج تحمل طبيعة زوجته أو العلاقات الغرامية التي كانت تقيمها هربا من حياتها الزوجية الفاشلة صبَّ جام غضبه عليها وقتلها بطريقة وحشية وبدم بارد·
نقطة في بحر
وشهد آخرون بأن الزوجين كانا يتشاجران كثيرا وكان جوردون يلجأ الى العنف ليعلن تغلبه على كارول· لكن كل ذلك العنف لم يكن نقطة في بحر ما قام به ليلة مقتل زوجته· فقد كان أطفالهما ينامون بسلام في الكوخ القريب من بحيرة كونيستون، وهو الكوخ الذي بناه جوردن بنفسه ليكون مكاناً للاستجمام بعيدا عن منزلهم الكائن في قرية ليس التي تبعد 20 ميلا عن البحيرة· عندها تهجم على الأم حاملا فأس الجليد الذي حصل عليه من مجموعة الأدوات التي يستخدمها في التسلق وانهال به ضربا على وجهها· ويبدو أن الزوجة قد أبدت مقاومة باسلة لحماية وجهها بواسطة يديها اذ تبين عند فحص الجثة كيف سحقت عظام يديها· ولكنها أخيرا تهاوت على الأرض غارقة في دمها· سحب جوردن جثة زوجته وهي ترتدي ثوب نوم أزرق الى كراج السيارة، وأوثقها بالحبال مستخدما عقدا لا يعرفها الا بحار ماهر مثله· ووضع الجثة في اثنين من أكياس القمامة· بعد ذلك أعد حقيبة لجر الجثة باستخدام مئزر المطبخ الوردي الذي كانت الزوجة تستخدمه· ويعتقد رجال الشرطة أن جوردن انتظر لمدة أسبوع محتفظا بالجثة في ثلاجة قبل أن تتاح له فرصة الالقاء بها في مياه البحيرة· كما يعتقدون أيضا أنه استخدم لصقتين طبيتين لابقاء عيني الزوجة القتيلة مغلقتين· يقول أحد الضباط الذين أشرفوا على التحقيقات: 'مع بقايا الجثة تمكنا من الحصول على لصقتين كانت كل منهما تحتوي على آثار من رموش عيني كارول· لذلك نعتقد أن ما حدث هو أن الزوج استخدمها لاغلاق عيني الضحية· فبدونهما كانت ستبدو وكأنها تحدق اليه في كل مرة يفتح فيها باب الثلاجة·'
عندما حان الوقت المناسب ترك جوردن الأولاد في منزل العائلة في القرية وتسلل خلسة للقيام برحلة العشرين ميلا الى البحيرة· قاد قاربه الى المكان الذي يرتاده عادة، وهناك ألقى بجثة كارول لتستقر في قاع البحيرة· في اليوم التالي قام باصطحاب أبنائه في رحلة الى بلاكبول· ولم يبلغ عن تغيب زوجته الا بعد مرور ستة أسابيع، وادعى أنها هجرته من أجل رجل آخر كما فعلت في مرات سابقة· لكن هذه المرة لم تحاول كارول الاتصال للاطمئنان عن أطفالها الذين كانت تحبهم كثيرا·
ومن بين الأدلة التي أوحت باتهام الزوج طريقة العقد التي وجدت في الحبل الذي استخدم في ربط الضحية والتي كانت تشير الى خبرة القاتل في الابحار· ولكي تصبح الجثة ثقيلة ربطت بنوع من الحجارة التي لم تتوافق جيولوجيا مع المنطقة التي توجد فيها البحيرة، ولكنها جاءت مطابقة لتلك التي استخدمها جوردن في بناء الكوخ·
يقول المحقق جيف هادلستون الذي تولى استجواب الزوج بعد اعتقاله: 'عندما توجهنا لاعتقاله كان علينا الانتظار الى حين خروجه من الحمام حيث وقف أمامنا وهو يلف جسمه بمنشفة وكأنه أراد أن يقول إنه لا يكترث للأمر الذي جئنا لتنفيذه· لم يبد أبدا أي مؤشر على الندم أو العاطفة تجاه الحادثة·' لكن المحاكمة كانت محاطة بجو من الأسى الذي ارتسم على وجوه أطفال جوردون الذين بنيت حياتهم على كذبة ثم اكتشفوا أن أباهم قاتل· وقد أدركوا من الحقائق المتعلقة بوالدتهم خلال فترة المحاكمة أكثر بكثير من كل ما عرفوه عنها خلال السنوات الثلاثين الماضية·

اقرأ أيضا