الاتحاد

الملحق الثقافي

روستم بهاورشا: المسرح الهندي وفخاخ التبادل الثقافي

عُرف الناقد والمخرج المسرحي الهندي روستم بهاروشا (1959) في العالم العربي، بعد ترجمة كتابه ‏?»?المسرح ?والعالم: ?الأداء ?وفن ?السياسة ?الثقافية? «?الذي ?أنجزه ?على ?مدار ?سنوات ?عديدة (?1981 - 1989)? ?في ?شكل ?مقالات ?عن ?التواصل ?والتداخل ?الثقافي، ?قبل ?أن ?يصدره ?في ?كتاب ?مطلع ?تسعينيات ?القرن ?الماضي، ?حيث ?تُرجم ?بعد ?سنوات ?قليلة ?إلى ?العربية (?أمين ?حسين ?الرباط ? ?وحدة ?اللغات ?والترجمة ?في ?أكاديمية ?الفنون ?في القاهرة) ?ليغير ?في ?منظور ?العديد ?من ?الباحثين ?إلى ?بعض ?التجارب ?المسرحية ?الغربية «الطليعية» التي ?تجاوزت ?إرثها ?المحلي ?من ?الإداءات ?والممارسات ?لتنفتح ?على ?المشهد ?الشرقي ?في ?الهند ?والصين ?واندونيسيا ?وتستفيد ?مما ?راكمته ?هذه ?الثقافات ?من ?أشكال ?وأساليب ?أداء ?واحتفاليات ?وتطعم ?به ?عروضها ?وتوجهاتها ?المسرحية ?الجديدة.

يتعلق الأمر بمسرحيين، مثل انطونان ارتو (1886 1945) جيرزي غرتوفسكي (1933 1999) يوجينا باربا (مواليد 1939) وبيتر بروك (مواليد1925) وسواهم. الأول في هذه القائمة كان شاهد في 1931 معرضاً نظم في باريس على مدى ستة أشهر، وضم مزيجاً من العادات والرقصات والأزياء والعمارة والأعمال الفنية الخاصة بشعوب من أنحاء العالم كانت مستعمرة من طرف الأوروبيين حينذاك. في ذلك المعرض شهد ارتو للمرة الأولى العرض الراقص الذي قدمته فرقة مكونة من أكثر من خمسين راقصاً من جزيرة بالي فانبهر به انبهاراً ووجد فيه مبتغاه لتغيير وجه المسرح الفرنسي/‏‏‏ الأوروبي ومضمونه. ولقد عبّر آرتو عن انبهاره بالعرض في بيانه الذائع الصيت الذي صدر تحت عنوان «المسرح وقرينه». وبذلك فتح ارتو المجال أمام المسرحيين في أوروبا للتوجه إلى الثقافات الشرقية واستثمار أشكالها التعبيرية الشعبية السخينة والمعجونة بأوجاع وتجليات الروح لضخ دماء جديدة في شرايين المسرح الأوروبي الذي كان قد وصل إلى طريق مسدود!

زيف النظرة إلى الشرق
في الأبحاث والدراسات المسرحية، سواء الغربية أو العربية، نُظر دائما إلى توجه آرتو إلى الشرق باعتباره النقطة الأولى في الطريق إلى «التلاقح الثقافي» بين الثقافتين الغربية والشرقية، لكن، النظرة الاحتفائية إلى تلك التوجهات المستلهمة من صاحب كتاب «المسرح والطاعون» تغيرت مع الجهود البحثية والنظرية التي صدرت لاحقاً من طرف باحثين اسيويين من أمثال روستم بهاورشا.
يحدد بهاورشا معنى كتابه لحد كبير حين يقدمه بعبارة غاندي الشهيرة: (لا أريد لبيتي أن تحجبه الأسوار من كل صوب وحدب ولا أريد أن تغلق نوافذه فيفسد الهواء في داخله، بل أريد أن يغمره العبق الأصيل لكل ثقافات الدنيا وينتشر في حرية ولكنني أرفض وبشدة أن تنتزعني ثقافات الآخرين من جذوري!)، فبقدر ما هو منفتح على الثقافات الأخرى، إلا انه لا يريد لها أن تمسخه إلى تابع أو إلى لمحة من صورتها السياحية.
جهد الباحث الهندي الذي تبلور على أيام الحرب الباردة بدا أعلى قيمة وأكثر حرارة في الفترة التي تلتها، حيث زادت التواصلات بين ثقافات العالم ورسخت عبر تدخلات وسياسات مراكز الاقتصاد الدولي، كالبنك الدولي وصندوق النقد ومن خلال التوسعات الهائلة لوسائل الإعلام التي تزيد في كل يوم سعيها إلى رسم صورة واحدة لدول وحضارات العالم ولكن انطلاقاً من الإطار الذي تحدده أميركا وأوروبا.
يقول بهاروشا، إن الحاجة إلى«تخيل» الثقافات الأخرى قلّت كثيراً مع توافر وسائل السفر وترجمة النصوص، فلقد بات ممكناً اليوم أن نرى مباشرة هذه الثقافات من خلال السياحة والاتصالات التلفونية وأنظمة الأقمار الصناعيّة والشركات متعددة الجنسيات والحواسيب والانترنت، وسواها من معدات يبدو أنها صُنعت لتوحيد العالم، وما التبادل الثقافي (أو المسرحي) إلا صورة مصغرة منها.

نعم للتداخل الثقافي ولكن!
يرحب بهاروشا بالتداخل الثقافي بين شعوب المعمورة، ولكنه يريد لهذا التداخل أن يراعي ويحترم خصوصية كل ثقافة، وألا تلتهم الثقافات الكبرى تلك الصغرى تحت أية اعتبارات أو ذرائع. ولهذا السبب تحديداً انطلق في رحلته البحثية التي لم تقتصر على الرؤى أو الأفكار النظريّة، بل صحبتها بعض التجارب العملية الهادفة إلى التأكيد على أن الممكن لعملية تبادل ثقافي أن تتم من دون أن تشويه أو تقليل لأي طرف من طرفيها.
بيد أن ما فعله آرتو وبعده غرتوفسكي ويوجينا باربا وبيتر بروك وسواهم من المسرحيين الغربيين، بالنسبة للناقد الهندي، لم يكن سعياً إلى التعرف على ثقافتها أو حضارة الشرق بل بحثاً عن «المصادر» و «الأصول». يقول بهاروشا: «إن تاريخنا يبدو عديم القيمة بالنسبة للمهتمين بالتبادل الثقافي، إنما هي ’تقاليدنا’ وماضينا «المجيد» الذي وجدوا فيه بعض الاكتشافات..».
يرصد الباحث كيف أن الهند زودت تيار التبادل الثقافي بالعديد من التقنيات الأدائية كاليوجا والرقصات الطقسية وتدريبات العين وحركات اليدين والأزياء على أن كل ذلك لم يكن كافياً لحض سادة التواصل الحضاري على التعرف بشكل عميق على تاريخ هذه البلاد الوسيعة.
ويقرأ بهاروشا تنظيرات ريتشارد ششنر للانفتاح بالمسرح الأميركي على ثقافات اسيا وافريقيا، مشيراً إلى أن الاستعارة والتبادل مع الثقافات الأخرى ليس بالضرورة «إثراء» للثقافات نفسها فهذا النوع من التبادل الثقافي يمكن أن يكون تحريراً، ولكن يمكن أيضا أن يكون استمراراً للاستعمارية، واستغلالاً أبعد للثقافات الأخرى.

سوء التقديم
وفي حالة انطونان ارتو، يشير بهاروشا إلى أن مشروع المسرحي الفرنسي لو لم ينوجد، لكنا فقدنا رؤية نادرة للمسرح، ولكن أيضا كانت الثقافات الشرقية ستتفادى سوء التقديم والعرض الذي استمر يشوه خصائصها وتقاليدها إلى يومنا هذا. إن كتابات آرتو عن «المسرح البولونيزي» إشارة إلى مسرح جزيرة بالي في نظر بهاروشا لم تكن «تاريخية» وافتقرت إلى الوصف المنظم وكانت مجرد تخيلات وكانت صورة شعرية لما كان يريده هو وليس لما هو قائم في الواقع.
إن الخصائص المتفردة لمسرح النو والكابوكي وعروض الأداء الهندية التي انجذب لها آرتو ليس بسبب تقنياتها، إنما لتجسيدها الخارق للمجهول والما وراء كلها أُدرجت في سياق واحد هو «المسرح الشرقي»، وهو ما يعده بهاروشا انقاصاً وتشويهاً لها، أحدثه رائد التبادل الثقافي في المسرح الغربي!
يتبنى بهاروشا نظرة جرتوفكسي إلى اقتراحات آرتو في التواصل مع سحر الأداء الشرقي، ويذكر أن صاحب كتاب «المسرح والميتافزيقيا» فرض دلالات فوقية على الايماءات والإشارات والتعبيرات الجسدية التي رآها في أداء الفرقة الاندونيسية ولم يعط نفسه الوقت لفهمها وتدبرها في سياقها التاريخي والطقسي المحلي.
وحين ينتقل إلى تجربة المسرحي البولندي غرتوفسكي الذي كرس ما عرف بـ«المسرح الفقير»، يشير بهاورشا إلى انه كان «نفعياً» و«مادياً» في تعاطيه مع الإرث الأدائي الهندي، إذ ركز لسنوات على الاستفادة من تقنيات رقصة الكاتاكلي واليوجا في تمارين معمله المسرحي ولكنه استغنى عنها لاحقاً حين اكتشف، وخصوصاً مع اليوجا، أنها تخلّف «تركيز داخلي له أثر ضار على الممثلين». في 1971 يشرح غرتوفسكي قناعته الأخيرة كما يورد بهاورشا، ويقول: «بينما يتدرب الأوروبي لتحسين مهاراته ليتمكن من التغلب على خصومه فإن الشرقي يستخدم مهاراته للتفوق على نفسه ومواجهة متطلبات الحياة..».
ويبين بهاورشا أن التحدي الذي واجه غرتوفسكي في تطوير منظوره إلى «الممثل المقدس» هو «الغياب النسبي للطقوس الدينية في المسرح الغربي المعاصر على خلاف ما هو موجود في الهند. لا يوجد في الغرب إطار مرجعي عام يربط بين الحقيقة الفردية للمؤدي والحقيقة الكونية التي تتجسد في منظومة محددة من العلامات والرموز والإيحاءات».
ويتطرق الأكاديمي الهندي إلى تجربة المسرحي البولندي يوجينا باربا، رفيق غرتوفسكي، والذي أسس ما يعرف في حقل الدراسات الثقافية ب «انثربولوجيا المسرح» وله استديو تدريبي يعرف بـ مسرح الاودين، وهو من أكثر مسرحيي العالم سفراً وهجرةً (جاء إلى بعض البلدان العربية) وكان زار مدينة كيرلا في الهند في 1963، في إطار بحثه عن مصادر جديدة لإثراء ثقافة الممثل المسرحي ولكنه شاء أن يتوجه إلى الأشكال التعبيرية البدائية بمنطق أنها تشكل المظهر الجوهري للطبيعة الإنسانية، بيد أن التعقيد الذي صادفه باربا حين أراد استلهام الحركات الأدائية التي تصحب عمل الممثل الهندي اكتشافه أنها أكثر من مجرد تمرينات ونبضات جسدية، بل إن لها مرجعيتها الطقسية التي يتربى على تقديسها الممثل على مدار حياته وليس أثناء استعداده لتقديمها.
ويؤكد بهاورشا الملاحظات النقدية التي رافقت عرض بيتر بروك لعمله الضخم الموسوم «المهابهاراتا» (1987) ويقول إن بروك بصم بالتفاهة على الثقافة المحلية في عرض الاساطير والملاحم الهندية، وخصوصاً في طريقة عرضها التي صُممت بحيث تلائم جمهوراً عالمياً. ويمثّل بهاروشا لتجربة بروك بتجربة الاستعمار البريطاني للهند ويورد: «أخذوا منا المواد الخام وقاموا بتصديرها لمصانعهم في مانشستر ولانكشاير، حيث حولت إلى سلع، ثم بيعت لنا بعد ذلك في الهند».

البديل
يشدد بهاروشا على أن نقده للاستخدام الغربي للممارسات الثقافية والشعبية الهندية ليس قائماً على فلسفة الجمال، ولكن على ما يسميه «أخلاقيات العرض».
إذن، كيف يمكن أن يتم التبادل الثقافي بين شعوب العالم؟ يقترح بهاروشا تجربته التي شاركه فيها صديقه الألماني ‏manuel lutgenhorst ?، ?في ?إخراج ?وانتاج ?مسرحية «حفلة ?موسيقية ?شهيرة» ?للامريكي ?أف ? ?أكس ?كروتيز، ?والتي ?جرت ?بروفاتها ?في ?نيويورك ?وعرضت ?في ?العديد ?من ?المدن ?الهندية ?قبل ?أن ?تقدم ?في ?عدد ?من ?العواصم ?الآسيوية، ?ولقد ?تم ?العمل ?فيها، ?بحيث ?تقدم ?في ?كل ?بلد ?وفق ?ثقافة ?أهله ?وعاداتهم. ?يرصد ?بهاروشا ?مختلف ?التعديلات ?والقطع ?المحذوفة ?والمضافة ?التي ?عرفها ?العمل ?خلال ?مسار ?عرضه، ?من ?اشارات ?وايماءات ?الممثلة ?وحركاتها ?إلى ?الأثاثات ?والعناصر ?المشكلة ?لبيئة ?سكنها ?وقيمها ?واعتقاداتها، ?لافتاً ?إلى ?استجابات ?الجمهور ?التي ?غالباً ?ما ?بدت ?راضية ?ومتقبلة ?لدلالات ?العرض ?وجمالياته.

خوف غرتوفسكي
يشير بهاورشا في قراءته لتجربة المسرحي البولندي غرتوفسكي الذي كرس ما عرف بـ«المسرح الفقير»، إلى أنه كان «نفعياً» و«مادياً» في تعاطيه مع الإرث الأدائي الهندي، إذ ركز لسنوات على الاستفادة من تقنيات رقصة الكاتاكلي واليوجا في تمارين معمله المسرحي ولكنه استغنى عنها لاحقاً حين اكتشف، وخصوصاً مع اليوجا، أنها تخلّف «تركيزاً داخلياً له أثر ضار على الممثلين». في 1971 يشرح غرتوفسكي قناعته الأخيرة كما يورد بهاورشا ويقول: «بينما يتدرب الأوروبي لتحسين مهاراته ليتمكن من التغلب على خصومه فإن الشرقي يستخدم مهاراته للتفوق على نفسه ومواجهة متطلبات الحياة..».

اقرأ أيضا