الاتحاد

الملحق الثقافي

اجترار الأغاني القديمة

خطت دولة الإمارات في العقود الثلاثة الماضية خطوات واسعة في شتى المجالات التنموية، فضلاً عن الانفتاح على الآخر بصوره المختلفة. هذا التحول السريع نتج عنه تغيرات ثقافية واجتماعية واقتصادية متوالية.
وقد انعكست مظاهر التغير الاجتماعي على الأسرة بشكل ملحوظ نجم عنه تحسن جذري في مستوى المعيشة، ووجود مجالات عمل متعددة، وفتح أبواب التعليم، كل ذلك أدى في نهاية المطاف إلى إحداث نقلة اجتماعية في المجتمع التقليدي، وجدت صدىً لها في الكتابة السردية لا سيما القصة القصيرة.

ولّد الانتقال السريع والتغير الاجتماعي الجذري في مجتمع الإمارات صراعاً بين القديم والجديد، وعادة ما تكون القوى القديمة أقوى وأشد تأثيراً من القوى الجديدة، بحكم أن القديم يرتكز على موروثات قديمة راسخة، وقيم وأعراف اجتماعية ثابتة، وهذا بدوره يفرز اتجاهات فكرية متمثلة في الاتجاه التقليدي المحافظ، والاتجاه المتحرر نسبيا، والاتجاه الداعي للتغيير. وقد تغلغلت تلك التغيرات الاجتماعية وتعددت الاتجاهات الفكرية داخل نطاق الأسرة لتبلور أفكاراً وقيماً مغايرة.
لكن، وبالرغم من تطور هذه العائلة التقليدية الممتدة باتجاه نظام الأسرة الصغيرة، إلا أن الأب في الأسرة العربية يبقى هو المركز الذي تنتظم حوله العائلة، وهو الذي يملك السلطة الاقتصادية والاجتماعية. هذا ما تبوح به، على الأقل، معظم النصوص القصصية التي تظهر قراءتها أنها ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بنظام الأسرة وتنوع الحياة الاجتماعية، ومشكلات التحول الاجتماعي، ومعالجة القضايا العالقة في جدار المنظومة الاجتماعية للقيم، لاسيما تلك المؤطرة بعلاقتها بالرجل، إذ سعت إلى إبراز سلطات مختلفة في الأسرة، منها سلطة الأب صاحب الرأي الأول، والمسيطر في المنزل وعلاقاته بأفراده. أما السلطة الثانية في القصة الإماراتية، فهي سلطة الأخ الأكبر، وهي بدورها مستمدة من سلطة الأب، وسلطة الإرث الاجتماعي، وسلطة القبيلة في الأسرة كنظام اجتماعي. وقد عملت القصص على إبراز تسلط الأب في محيطه الأسري والعملي، كما أبرزت الصراع الداخلي الكامن بين قيم المجتمع القديم وقيم المجتمع الجديد. ولعل هذا ما أوجد شخصيات قصصية حائرة، وقلقة، ومتأزمة.
وفي القصة الإماراتية، نجد الكتاب يرصدون علاقة الإنسان من خلال ارتباطه بمجموعة من الوشائج، كالقيم والأخلاق، وهي في حالة تفكك وانحلال أو تماسك ومودة، وعلاقة الإنسان ضمن بيئته وعمله ودائرة علاقاته الاجتماعية.
كل ذلك ترك أثراً في نمط العلاقات وتفاعل الشخصيات، في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتغيرة، فجاءت الكتابات الأولية والأصوات الجديدة في معظمها راصدة لهوية المجتمع وقضاياه، وفي بعضها ناقدة لقيم المجتمع الجديد، مشيدة بالماضي القديم الذي عصفت به رياح التجديد، ومتأثرة بالمتغير الاجتماعي، وساعية للتعايش مع مضامينه وثقافاته وقيمه.
ومعظم القصص الإماراتية تجنح إلى الرومانسية، وتميل إلى الحزن وكل مشاعر الأسى والندم والخيبة، وأغلب موضوعاتها تدور حول هموم اجتماعية كغلاء المهور، وقسوة الأب، وزواج الصغيرات من الكهول الأثرياء، وفرض الأب أو الأخ على الأخت شريك الحياة، وهموم المرأة، ومظاهر التفاخر الاجتماعي، وأثر العمالة الوافدة، وما إلى ذلك من مشاكل جديدة سادت المجتمع الإماراتي.

صورة سلبية
ومن أبرز الإكراهات الاجتماعية التي تجلت في القصص الإماراتية سلطة الأب ومواقفه الخاضعة لقيم المجتمع وأعرافه المتكلسة.
ففي قصة (امرأة مستحيلة) لباسمة يونس، نرصد الرفض الأسري الذي يحول دون رغبة الفتاة، ويشكل جدلًا قائماً بين الذات والمجتمع بقيمه وعاداته، حيث ترفض العادات الأسرية أن تتزوج فتاة بمن هو أقل منها في الأصل والنسب، ما يدفع الأسرة لتزويجها برجل كهل يضاعف عمرها الغض.
وفي قصة (المفاجأة) لسارة النواف، تواجهنا شخصية الوالد الذي يرفض أن تكمل ابنته دراستها الجامعية، ولا يسمح لها بأن تعمل، أو تزور صديقاتها المقربات بسبب النظرة السلبية تجاه البنت، وأنها خلقت للمنزل فقط، فتشعر الفتاة بالوحشة والوحدة وتبحث عن متنفس آخر.
في حين تصور لنا (قصة أحلام ملونة) لفاطمة المزروعي حكاية فتاة ناجحة في عملها بلغت الأربعين من عمرها، وحصلت على أعلى الدرجات العلمية، يحترمها الجميع إلا أفراد أسرتها الذين أساؤوا معاملتها على الدوام. فكانت تمني نفسها بالأحلام وبرجل يمنحها الحنان والدفء ويرأف بها أكثر من أسرتها المتمثلة في أب متعجرف قاس، وزوجة أب شديدة.
أما القاصة (سلمى مطر سيف)، فقد احتلت المرأة جل اهتمامها لما تعانيه من قسوة الرجل واضطهاد المجتمع، فتسلط العدسة على هذه الجوانب. وتكشف عن طبيعة الإكراهات التي تتعرض لها الأنثى في مجتمع يعتقد أن حرية المرأة تهدد سلطة الأعراف، فيمارس قمعا ضدها.
ففي قصة (ساعة وأعود) ضمن مجموعتها القصصية (عشبة) يمارس الأب المحافظ سلطة قمعية مطلقة تجاه ابنته، فيمنعها من الخروج امتثالاً للموروث التقليدي، وتشبثاً بالأعراف التي تجري في دمائه وتشكل جانبا مقدسا مهما، مما اضطرها ــ كردة فعل للاستلاب والتسلط ــ إلى الهروب من البيت، وتعرضها للاغتصاب من مجموعة من الشباب، ما أدى إلى ضياعها.
وفي قصة (نفافة) لمحمد المر يضرب الأب طفلته ويقسو عليها حينما يراها تلعب مع الأطفال وذلك بحكم الأعراف والموروث الاجتماعي مما ولد في نفسها جرحاً غائراً وخوفاً دفيناً صيرها فتاة بكماء ذات شعر أبيض. كل ذلك لأن أصحابه قالوا له: «لا تدع البنت تخرج للأسواق ستفسد أخلاقها».
في قصة (سلمووه) لعلي الحميري، تطالعنا تلك النظرة العرفية السائدة تجاه الأنثى، وما تتعرض له من اضطهاد اجتماعي، وازدراء جاهلي، ونفور مقيت جعلها حبيسة البيت، لا تجلب لأهلها إلا العار، ولا يقام لها وزن مقارنة بالولد.

صورة إيجابية
في المقابل ثمة رؤية أخرى مغايرة لصورة الأب يبدو فيها محاطا بهالة من الاحترام والإجلال والتقديس أو يمثل فيها نداء الفضيلة أو الأب الحاني العطوف، فيغدو الأب شخصية إيجابية ونموذجا للإشعاع الإنساني، وموضعا للاحترام والتقدير.
ففي قصة (قلوب تحتضر) لباسمة يونس تصور القاصة شخصية الأب الواعي المتفهم الذي سمح لابنته بإكمال دراستها، ولم يعر اهتماماً لأي من الشائعات التي صورت علاقتها بأستاذها في الجامعة وهي مخطوبة لابن عمها. وقد استطاع الأب بعقله الناضج وخبرته في الحياة، وتعامله الراقي مع ابنته أن يكبح جماح كل من تسول له نفسه بأن يشوه سمعتها.
وفي قصة (أبي) لأمنيات سالم تقدم القاصة صورة نموذجية لذكرى الأب الذي يكد ويتعب من أجل أبنائه، ولا ينسى أن يفاجئهم بالهدايا والحلوى.
وفي قصة (المنطاد) لعلي الحميري يأسرنا تعامل الأب الحنون مع ابنته، فكان يجيب عن تساؤلاتها ويمازحها ويخرج معها في نزهة، ويلبي طلباتها كل ذلك بلطف ولين وعطف وحب.

صراع الأجيال
ثمة قصص عكست مضامين اجتماعية أخرى تتعلق بالمتغيرات والأوضاع الاجتماعية السائدة في مرحلة ما قبل النفط وبعده:
ففي قصة (الشقاء) يجسد الكاتب علي الشرهان صورة مأساوية لأسرة تعاني من شظف العيش، وتكافح من أجل البقاء. وهذه الأسرة مكونة من الأب والأم والابن، وهي نموذج لأسر كثيرة تكبدت مشاق الفقر والبؤس والعناء. نجد الأب يكد ويشقى ليلا ونهاراً وقد أخذ الشقاء منه عمره وشبابه، وبعد ذلك يقضي الأب نحبه كمداً وعجزاً وقهراً في ترعة نائية بعد شقاء طويل، وصراع يومي مميت، ومرحلة قاسية من مراحل العمر التي جسدت معاناة أهل الصحراء.
وتعكس قصة (السيد غير موجود) لناصر جبران جيلين يتصادمان: جيل ما قبل التحول، وجيل ما بعد التحول. جيل الماضي المتمثل في الأب الذي يعيش في أحضان الماضي، ويسكن القرية، ويمتهن البحر رافضاً الانتقال مع ابنه إلى المدينة، والابن المثقف الثري الذي يسكن المدينة بكل معاني الترف والعصرية، وقد انفصل عن الماضي مهنة ووجداناً وقيماً، ومن خلال زيارة الأب لابنه اكتشف حقيقة الزيف والخداع والنفاق التي يمارسها الابن، فعاد إلى البحر بصفائه وهدوئه بعد أن أدرك أن المدينة جرفت ابنه ببريقها الأخاذ، ونحرت قيمه العزيزة، ورسخت مفاهيم جديدة قائمة على المصلحة والقوة والمداهنة.
وإن كنا نتفق على أن الماضي يحمل أصالة فريدة وقيما نبيلة وجوانب مضيئة، غير أن الإصرار على البقاء في أحضان الماضي، واجترار الأغاني القديمة، موقف يرفضه الواقع الجديد، بإيجابياته وسلبياته، لذا على الأجيال المثقفة أن تقوم الحاضر، وتسترشد بإضاءات الماضي، والأمل في مستقبل أفضل.
وأغلب القصص الإماراتية تصور الماضي تصويرا مشرقا، وتضفي عليه طابع النقاء مقارنة بالحاضر المترع بضغوطات الحياة، كما تشير إلى الكثير من القيم الإنسانية في الزمان الماضي والتي تلاشت في الحاضر بتغيراته السريعة. ولكن هذا لا يعني انعدام القيم والأنماط السلوكية الحسنة في المجتمع الجديد، فلكل زمن قضاياه ومعاناته، مميزاته وسلبياته.
ويتبين من تحليل مضامين القيم التي حملها الأب في القصة الإماراتية أن نسبة القيم الإيجابية منخفضة مقارنة بالقيم السلبية. وبالتالي تكون صورة الأب صورة مشحونة بدلالات سلبية في معظمها على المستوى العام للقيم التي عكستها شخصية الأب من منظور علاقته بأبنائه بشكل عام.
ولعل تفسير هذا الأمر يعود إلى أنه حيازة شرعية مسبقة لكل الأفعال التي يقوم بها الأب، دونما مساءلة تدعم هذه الشرعية لديه، تلك الرؤية المقدسة للفحولة متغلغلة في نفوس جيل من الآباء تاريخياً وثقافياً.
هذه الفحولة تشكل ركيزة النظام الأبوي الذي تندمج فيه الأبوة بالذكورة، فتتآزران وتتلازمان، فتظهر الشخصية الأبوية المجسدة لقيم المجتمع التقليدي. تلك التربية الأبوية التقليدية الصارمة أحالت الأسرة إلى أسرة خائفة وسلبية، فالطاعة العمياء، والخوف، والمواربة في المواقف، والإذعان عناصر تستولي على تقديس الساحة الدلالية لنظام الخطاب الأبوي. وفي الوقت نفسه لا نعدم وجود مضامين إيجابية وسلوكيات تترجم معاني الحماية، والرحمة، والإنقاذ، والخوف على الأبناء، والحزم في تربيتهم. مما تقدم أرى أن القيم الثقافية السائدة في العلاقة الأسرية في مجتمع الإمارات قائمة على طاعة الأب كقاعدة رئيسة، وما يعكسه هذا الأب من استقرار اجتماعي ونفسي.
وقد تبين من خلال القصص الإماراتية أن دور الأب انحصر في اتجاه واحد قائم على التسلط والاعتداد بالعرف والحماية الزائدة التي تصل بالفتاة - تحديدا- إلى الشعور بالكبت والضغط النفسي، نظراً للموروث الفكري والاعتقادي لدى الرجل في السيطرة على مجريات الأمور. كل ذلك في ظل النقلة السريعة التي جعلت الأسرة تعيش في صراع وتصدع بين التمسك بالتقاليد السابقة والقيم المتوارثة وبين مواكبة التطور والطفرة الاقتصادية.
هنا أطرح السؤال: هل بقيت هذه النظرة المتوارثة وتلك المعتقدات العرفية التي حملها الأب في الزمن الغابر هي نفسها مع الآباء الجدد الذين ورثوا عن أسلافهم نظرتهم للأمور وأعرافهم الاجتماعية؟.

صورة سلبية
يتبين من تحليل مضامين القيم التي حملها الأب في القصة الإماراتية أن نسبة القيم الإيجابية منخفضة مقارنة بالقيم السلبية. وبالتالي تكون صورة الأب صورة مشحونة بدلالات سلبية في معظمها على المستوى العام للقيم التي عكستها شخصية الأب من منظور علاقته بأبنائه بشكل عام.
ولعل تفسير هذا الأمر يعود إلى أنه حيازة شرعية مسبقة لكل الأفعال التي يقوم بها الأب، دونما مساءلة تدعم هذه الشرعية لديه، تلك الرؤية المقدسة للفحولة متغلغلة في نفوس جيل من الآباء تاريخياً وثقافياً.
هذه الفحولة تشكل ركيزة النظام الأبوي الذي تندمج فيه الأبوة بالذكورة، فتتآزران وتتلازمان، فتظهر الشخصية الأبوية المجسدة لقيم المجتمع التقليدي.

هيمنة الخطاب الذكوري
على الرغم من تطور العائلة التقليدية الممتدة باتجاه نظام الأسرة الصغيرة، يبقى الأب هو المركز الذي تنتظم حوله العائلة، وهو الذي يملك السلطة الاقتصادية والاجتماعية.
وعادة ما تستمد هذه السلطة الأبوية، من:
1. المجتمع العام وقيمه والقيم القبلية التي يعلو فيها شأن الرجل الحاكم والمسيطر، وتسوده أفكار الموروث التقليدي الذي يدعو إلى تضخيم الذكورة وتبخيس الأنوثة.
2. المجتمع الأسري المتمثل في أفراد الأسرة الذين مازالوا خاضعين لهذا النظام الأبوي، إضافة إلى ضعف المرأة وخضوعها لمشيئة الرجل.

اقرأ أيضا