الاتحاد

الملحق الثقافي

نصُّ الحُلُم


ما من سُقمٍ أصابَ نصوصَ الإبداع وأوهَن جسدَها على مَرِّ تاريخها إلاّ وجاء من باب تواطؤِ المبدعين مع أنظمة المعيش الماديّة والرمزيّة السائدة وخضوعهم لسُلطانها، لكأنّ صرحَ الإبداع لا يُبْنى إلا بحربِ تُحرِّرُ كلَّ سائدٍ من طمأنينته، فالاطمئنان إلى الذات وإلى الموجود لا يصنع مجدَ الكتابة، لا، ولا مجدَ الكاتِبِ. وإنّي لواجدٌ في كتاب «المشاجرات الأدبية 1761» لأوغستين سيمون إيرايْ أنّ المبدِعَ محارِبٌ بالضرورة، ومضطَرٌّ إلى أنْ يُعلِنَ حربَ الكتابة على كلّ شيء: على الأعداء، فإن لم يجدهم (وهو أمر نادر) فعلى الأصدقاء، فإن لم يجد هؤلاء (وهم كثرٌ) فعليه أن يعلن حربَه على نفسه. وعلى ما في هذا الرأي من إطلاقية فإنّه لا يخلو من وجاهةٍ إذا ما نظرنا إليه من جهة علاقة المبدع بنُظُم مجموعته الاجتماعية المادية والرمزية.


لا أعدم في صحائف تاريخنا الأدبيِّ العربيّ وجودَ سِيَرٍ لشعراء وناثرين انتفضوا على السائد من أحوال مجتمعاتهم المادية والرمزيّة وحقّقوا إضافات فنية وقِيَمية مثّلت قوّة دفعٍ نوعية لحركة الإبداع في زمنهم. وهو ما يُنبئُ بحقيقةِ أنه لن ينجح كاتبٌ في مواجهةِ مألوفِ العالَم بالكتابة إلا متى أعلن في الآن نفسه مواجهةً للكتابة ذاتها. وإذْ هو يفعل ذلك يُحرّر للتخييلِ سماءً وَسيعةً يجرُّ فيها غيومَها إلى أقصى معانيها، يجرُّها إلى حيث يريد لها هو أن تُمطِرَ لا إلى «أمْطري حيثُ شئتِ». ولا إِخالُ كتابَ الشاعر عبده وازن الموسوم بـ «غيمة أربطها بخيط» إلا مشغولاً بإعلانِ حربه على المهترئ من أنظمة الواقع، ومتخيِّراً لها الخطّةَ والعتادَ المناسبيْن.

أحلام نيتشوية
توزّع كتاب عبده وازن الصادر عن دار نوفل ببيروت سنة 2017 على بابيْن، تضمّن الباب الأول ثلاثَ مئة وتسعة وأربعين نصًّا أو حلمًا مكتوبًا، وضمّ الباب الثاني أحد عشر نصًّا تحدّث فيها الكاتب عن صلته بالأحلام وتفسيرها ومدارسها. وهما بابان وقع التقديم لهما بإشارةٍ نبيهةٍ أكّد فيها أنّ نصوصَه لا تزيد عن كونها أحلاما قد عاشها أو قد تخيّلها، فهو شخص «يحلم ويكتب أحلامَه»، ويشرح ذلك بقوله: «كلّ النصوص التي يتضمّنها هذا الكتاب المفتوح هي أحلام أبصرتها في الليل أو هي أحلام يقظة، تلك التي يعمد المرء عادةً إلى تخيّلها أو صنعها في حال من شبه اليقظة، أو اليقظة الخدرة». فالمبدع، على حدّ رأي الكاتب، قد يقع في حُلمه، وقد يدخله بمحض إرادته، غير أنه لا يملك في الحاليْن إلاّ أنْ يكون حالِمًا يَقِظًا: أيْ أنْ يحلم وهو واعٍ بأنه يحلم حلمًا صحيحًا. ولعلّ في هذا ما يُميّز حلَمه عن أحلام الناس العاديين، ويُخوّل له أن يكتُبَه وأن يصنَعَ منه وليمةَ معنى لهؤلاء. إنّ الثورة في الكتابة كالثورة في الحياة تبدأ دوما بحُلمٍ مَّا.
وقد بدَا الحُلم في هذا الكتاب مؤطِّرًا ثيميًّا لنصوصه، بل وبدَا لي سبيلاً فنيّةً سلكها الكاتبُ لاستدراج قارئِه إلى معمَل لُغته بإيقاع آلاتها وهديرِ دَلالاتها، غير أن ذلك لا يعني أنّ نصوص الكتاب أحلامٌ لاوعية ومختلِطة من نوعية تلك الأحلام التي تتعاورها الأضغاثُ ويلتَبِس على القارئ أمرُ تلقّيها، وإنّما هي أحلام من طبيعة نيتشوية، أحلامٌ كاشفةٌ لحقيقة الحقيقة، ومُنيرةُ لأعمق طبقات السائد، وهادمةٌ لما تكلَّس من أجسادِ المدلولات بُغيةَ بناء سردياتٍ لها جديدةٍ.
ولئن منح عبده وازن كلَّ نصٍّ من نصوص كتابه «غيمة أربطها بخيط» عنوانًا ممّا هو موجود في معيشه (شارع، تابوت، مائدة، موسيقى، شقائق النعمان، نسوة، قتل، رصاص، سمير قصير، أدونيس، غرق،...) فإنّه لم يحفل في متنِ النصِّ بسرد حكاية العنوانِ والإخبار عنه بما هو شائع من دَلالته الجارية بين الناس، وإنّما أجده متّكئا على وعيٍ هيدغيريّ وهو يسعى إلى الفصل بين دوال الموجودات ومدلولاتها، محرِّرًا بذلك منطقةً وسطى هي فضاء تخييليّ بِكْرٌ وصالحٌ لأنْ يُمارِسَ فيه النصُّ لذّةَ تهشيمِ المألوف من الحقائق وصناعةِ حكايةِ العالَم من جديد. ولعلّ في نصِّ «رصاص» ما ينهض شاهدًا على ذاك التهشيم الدَّلالي، حيث نقرأ فيه: «كان الرّصاصُ ينهمر علينا وكنّا في الساحة لا بيوت نلجأ إليها ولا أشجار نختبئ تحتها. أزيز الرصاص يتردّد ثمّ تسقط علينا رصاصاتٌ لم تكن تجرحنا. كان صديقي ينفضها عن شَعره، أمّا أنا فطفقتُ أجمعها عن الأرض وأُخبّئها في جيوبي لأبيعها للرجل المتجوِّل بعربته الذي كان يقصد حيَّنا ليجمع بقايا المعدن والنُّحاس». فالرصاصات، كما هو بيِّنٌ في النصِّ، تحافظ على طاقة القتل فيها طالما هي خارجة من أفواه البنادق، لكنها ما إنْ تدخُلَ منطقةَ السَّردِ حتى تفقدَ وظيفتَها وشكلَها، أي تفقد جوهرَها الناريّ وقوّةَ حركتها الاختراقيّةِ القاتلةِ، لتصير في النصِّ هباءاتٍ خفيفةً تعلَقُ بشَعر الأطفال دوت أن تجرحهم، أو خُردةً جامدةً ومَيْتَةً يلهو بها هؤلاء ويبيعونها للمتجوِّلين من تُجّار المَعْدِنِ والنُّحاس لتُذابَ بالنار ويُمحى كيانُها وصفاتُها فيكون لها، وقتذاك، مدلولٌ جديد مُخالِفٌ لمدلولها الأول.

استنطاق الدّوال
والرأيُ عندي أنّه ما كان لنصوص عبده وازن أن تُجْبرَ -بلُطفٍ- مفرداتِ العالَم المسرودةَ على هجرة مدلولاتها صوب أخرى جديدة لولا نهوضُها على دعامةِ بنيةٍ فنيّةٍ اخترقت كاملَ الجزء الأول من الكتاب ومنحت محكياتِه جِدّةً في التشكُّلِ وحركيّةً في إيقاعها الداخليّ. وصورةُ ذلك أنّ كلّ شخصيات الحكيِ نكرة متحرِّرةٌ من إكراهات اسم العَلمِ، وقد نوّعت النصوص من أحجامها فمنها الطويل ومنها القصير ومنها القصير جدّا، ونوّعت من لغتها الساردة حتى ليشتبه على القارئ أمرُ تصنيفها أهيَ شعرٌ ممزوجٌ بنثرٍ أم هي نثرٌ مأخوذٌ بفتنة الشِّعر، كما نوّعت من شخوصها فإذا هي أنهارٌ وجرحى وفنانون، وشجرٌ وريحٌ وسياسيون، وألحانٌ وحيوانات وكتب، وعواصم ونساء وغضب. وهو تنويع خضع في كثير من مظاهره إلى شيءٍ من التطويع عبّرت عنه عودة بعض عناوين النصوص عناوينَ لنصوص أخرى، حيث يتكرّر العنوان دون أن يتكرّر معه متنُ نصِّه كما لو أنّ الكاتب لا يطمئنّ إلى الموجود المتحقِّقِ فيعودُ يستنطق آلةَ العنوان لتبوحَ له بكلِّ المُمْكِنِ من نغماتها.
وبالإضافة إلى ما ذكرتُ من أمرِ الجانب الفنّي الذي حكم نصوص «غيمة أربطها بخيط» أُشير إلى أنّ الكاتب قد شيّد أجساد نصوصه وَفْقَ ترسيمة واضحة تبدأ بوضعٍ أوّليٍّ غالبًا ما يُبنى على تشبيهٍ ب«كأنّ» أو نفيٍ ب«لم»، يعقبه استدراكٌ ب«لكن» فيه فصل بين الدَّوال ومدلولاتها، ثم يحضر تفصيلٌ لموضوع الاستدراك مختومٌ بقَفْلةٍ هي إعلان عن وضع مفاجئ وحامل لدَلالة جديدة. وحتى نتبيّن ملامحَ هذه الترسيمة الفنية سأمثّل لها بنصّ «أقفاص» الذي جاء فيه قول الراوي: «كانوا يعرضون على طول الرصيف أقفاصًا لا عصافير فيها. أقفاص بالمئات تنتظر مَن يأخذها. اقتربتُ من أحد الباعة وقبل أن أسأله قال لي: لم يبقَ في العالَم عصافير. لقد انقرضت. لكنّك إذا وضعتَ أذنك على قضبان القفص تسمع زقزقةً وخفقَ أجنحةٍ». وكما حوّلت الكتابةُ القفصَ من سجنٍ للعصافيرِ إلى فضاءِ يُحيي زقزقَةَ تلك الكائنات المنقرضة ويحرِّرُ خَفْقَ أجنحتِها فإنها حوّلت المرآة أيضًا إلى منصّة لا تعكس صورنا كما هو معلوم من وظيفتها وإنّما هي تخلق لنا شبيها متحرِّرًا من شروطنا الفيزيائية وقد يعارضنا أحيانا في مواقفنا على غرا ما جاء في النص الموالي: «نظرت إلى المرآة فأبصرتُ شخصًا يشبهني، خفتُ وخفق قلبي... هذا أنا ولكن كأنّني شخص آخر. حرّكتُ عيْنيَّ لم تتحرّك عيناه، فتحتُ فمي لم يفتح فمَه، حدّثته لم يسمع. رفعتُ يدي وضربتُ المرآة بقوّة، تحطّمت وتناثرت شظايا، تضرّجت يدي بالدّم، لكنّ الشخص الذي يشبهني ظلّ هناك، ينظر إليّ ويبتسم».
ومتى حاولتُ توصيف نصوص/‏‏أحلام كتاب «غيمة أربطها بخيط» للشاعر اللبناني عبده وازن قلتُ إنها حُلمٌ واحدٌ: هو حلم الكاتبِ نفسِه بأنْ ينتهك نظامَ فهمنا للأشياء والأحياء ويحرِّرنا من سلطة أوثانها علينا، وهو إلى ذلك اختبارٌ لجَمالية في الكتابة ممكنة هي في رأيي أنموذجٌ فنيّ يمكن –إذا ما تمّ تنزيله منزلةَ البحثِ- أن يُخفّف من ترهّل كتابتنا الإبداعية.

أقفاص بلا عصافير
الكاتب شيّد أجساد نصوصه وَفْقَ ترسيمة واضحة تبدأ بوضعٍ أوّليٍّ غالبًا ما يُبنى على تشبيهٍ بـ «كأنّ» أو نفيٍ بـ «لم»، يعقبه استدراكٌ بـ«لكن» فيه فصل بين الدَّوال ومدلولاتها، ثم يحضر تفصيلٌ لموضوع الاستدراك مختومٌ بقَفْلةٍ هي إعلان عن وضع مفاجئ وحامل لدَلالة جديدة. وحتى نتبيّن ملامحَ هذه الترسيمة الفنية سأمثّل لها بنصّ «أقفاص» الذي جاء فيه قول الراوي: «كانوا يعرضون على طول الرصيف أقفاصاً لا عصافير فيها. أقفاص بالمئات تنتظر مَن يأخذها. اقتربتُ من أحد الباعة وقبل أن أسأله قال لي: لم يبقَ في العالَم عصافير. لقد انقرضت. لكنّك إذا وضعتَ أذنك على قضبان القفص تسمع زقزقةً وخفقَ أجنحةٍ».

هجرة المدلولات
ما كان لنصوص عبده وازن أن تُجْبرَ - بلُطفٍ - مفرداتِ العالَم المسرودةَ على هجرة مدلولاتها صوب أخرى جديدة لولا نهوضُها على دعامةِ بنيةٍ فنيّةٍ اخترقت كاملَ الجزء الأول من الكتاب ومنحت محكياتِه جِدّةً في التشكُّلِ وحركيّةً في إيقاعها الداخليّ. وصورةُ ذلك أنّ كلّ شخصيات الحكيِ نكرة متحرِّرةٌ من إكراهات اسم العَلمِ، وقد نوّعت النصوص من أحجامها فمنها الطويل ومنها القصير ومنها القصير جدّا، ونوّعت من لغتها الساردة حتى ليشتبه على القارئ أمرُ تصنيفها أهيَ شعرٌ ممزوجٌ بنثرٍ أم هي نثرٌ مأخوذٌ بفتنة الشِّعر، كما نوّعت من شخوصها فإذا هي أنهارٌ وجرحى وفنانون، وشجرٌ وريحٌ وسياسيون، وألحانٌ وحيوانات وكتب، وعواصم ونساء وغضب.

اقرأ أيضا