الاتحاد

الملحق الثقافي

النص الخلدوني.. طاقةُ التأويل وإنصافُ الحداثة

«كُتب الكثيرعن ابن خلدون في القرنين الأخيرين، وربّما أكثر من غيره من أعلام المؤرّخين العرب حتّى أصبح ظاهرة هيستوغرافيّة حقيقيّة» (نبيل خلدون قريسة) من دلائلها أنّ «البيبليوغرافيا حول ابن خلدون غزيرة إلى حدّ أنّها لا تجد مكانها هنا (أي في قاموس العلوم التّاريخيّة)» (محمّد الطّالبي). ويذكر محمّد أركون أنّ «الأدب المتراكم منذ القرن التّاسع عشر حول هذه المقدّمة يسمح بالحديث عن ظاهرة اسمها ابن خلدون». ويفسّر محمّد عابد الجابري السّبب بأنّ ابن خلدون قد حاول «أن يُفلسف التّاريخ الإسلاميّ إلى عهده. وهي محاولة فريدة حقّا لا نجد لها مثيلاً في تراثنا العربي الفكريّ على ضخامته، وتنوّع منازعه، وتعدّد مشاربه».

قد تبدو هذه الشّهادات والمواقف مغالية بعض الشّيء في التّنويه بابن خلدون و«مقدّمته» لأنّ أصحابها، مؤرّخين وفلاسفة، من المغرب العربي الكبير. ولكن حين نجد فيلسوفا ومؤرّخا من قامة أرنولد توينبي معجبا أيّما إعجاب بابن خلدون معتبرا إيّاه «ألمع مترجم لمورفولوجيّة التّاريخ عرفه العالم إلى حدّ اليوم»، ثمّ يقدّم في شأنه الشّهادة التّالية في كتابه الشّهير «دراسة التّاريخ»: «إنّ ابن خلدون قد تصوّر وصاغ فلسفة، هي دون شكّ أعظم عمل لم ينجزه مفكّر من قبل، في أيّ زمن ولا في أيّ بلد» فإنّ القارئ لا يجد ما يجحد به فضل الرّجل. وقد شاطر مؤرّخ الحضارات الكبير فرناند برودال توينبي الرّأي نفسه لمّا كتب مقالته «ابن خلدون السّلف القروسطيّ لتاريخ الحضارات» وهي عبارة تغنينا عن كلّ تعليق.

فلاسفة الحداثة والمقدمة
ولا نرى فائدة في استعراض كبرى الدّراسات العربيّة من عزيز العظمة إلى عبد الله العروي فعبد السّلام الشّدّادي، ولا شهادات المستشرقين وفحول المؤرّخين ممّن أشادوا بـ «عبقريّة ابن خلدون» (ألفراد بال) وعظمة إسهامه الفكري، فاعتبرت المقدّمة من بين أهمّ «المؤلّفات الّتي أنتجها العقل البشريّ» (إيف لاكوست). ورغم ذلك تلاقيك من حين إلى آخر، وأنت تتصفّح بعض الكتب في الفلسفة أو التّاريخ أو علم الاجتماع...، عنوان «المقدّمة» أو اسم «ابن خلدون»، فتعثر عليهما على وجه الصّدفة، وأنت لا تتوقّع أبدا وجودهما، في هوامش هذا الكتاب أو متن ذاك المقال، فتتساءل ماذا يصنع ابن خلدون ومقدّمته في كتاب جيل دولوز وفيليكس غواتاري «ألف مسطّح»؟ وتحديدا في فصل عنوانه «مقالة في علم البداوة: الآلة الحربيّة»، حيث يحيل المؤلّفان على مقدّمة ابن خلدون في موضعين من مقالتهما، ويعتبران أنّ من أهمّ أغراض «هذه الرّائعة» (ce chef-d’œuvre)، هو مشكل العصبيّة السّوسيولوجيّ وغموضها.
ولكن إذا كان استحضار ابن خلدون مفهوما في مقالة تتعلّق بالبداوة الّتي خصّها ابن خلدون بفصول بديعة في مقدّمته فإنّنا نتساءل ماذا يفعل «صاحب المقدّمة» في كتاب الفيلسوف الفرنسي ريمي براغ «أوروبا، الطّريق الرّومانيّة»؟ فهذا الكتاب قد كتب في سياق تأسيس جديد للهويّة الأوروبيّة. فألّفت كتب كثيرة ساهم فيها المفكّرون من فلاسفة ومؤرّخين بالجواب عن سؤال: من هو الأوروبيّ؟ وقد بيّن ريمي براغ من جهته أنّ الأوروبيّ إنسان إمبرياليّ بسبب الشّكل الإمبراطوريّ الرّومانيّ، بحيث يمكن القول إنّ الأوروبيّ هو ذاك الّذي تولّى عمليّة نقل الإمبراطوريّة أو ذاك الشّكل الإمبراطوريّ بوساطة الاستحواذ، لا الاحتواء الثّقافيّ، أي بما يسمّيه ريمي براغ «السّبيل الرّومانيّة» أو ««رومانيّة» أوروبا. ومنطلقه في تصوّر هذا المفهوم هو المعطى التّاريخيّ المتمثّل في طريقة الرّومان في احتواء الثّقافة اليونانيّة ونقلها إلى العالم الّذي غزته، بيد أنّ حذق ريمي براغ للّغة العربيّة واطّلاعه الثّاقب على تراثها الفلسفي قد يسّر له أن يقارن بين الشّكل الإمبراطوريّ الرّوماني، والشّكل الإمبراطوريّ العربيّ الإسلاميّ في الاستحواذ على الثّقافة اليونانيّة. وقد اعتمد في تلك المقارنة فصولا دقيقة من المقدّمة، كالفصل الخامس عشر « في انتقال الدّولة من البداوة إلى الحضارة»، الّذي صاغه ابن خلدون بأسلوب نظريّ تجاوز الخاصّ من الحوادث إلى القانون التّاريخيّ العامّ، فيقول: «وأهل الدّول أبداً يقلّدون في طور الحضارة وأحوالها للدّولة السّابقة قبلهم. فأحوالهم يُشاهدون، ومنهم في الغالب يأخذون، ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح، وملكوا فارس والرّوم واستخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة.» (المقدّمة، ج1، ص195). غير أنّ هذا السّلوك الّذي نهض على تقليد الآخر المتحضّر في البداية قد آل بعد ذلك إلى امتصاص كلّ ما يمتلكه هذا الآخر من علوم ومعارف، ونقله بلغة العرب نقلا تامّا، «فنقلوها بالترجمة إلى علومهم، وأفرغوها في قالب أنظارهم، وجرّدوها من تلك اللّغات الأعجمية إلى لسانهم». وهو نقل تامّ ألغى بعده كلّ المصادر الّتي أخذ منها ونقل، وجعلها «نسياً منسياً وطللاً مهجوراً وهباء منثوراً». (المقدّمة، ج2، ص710).

خصائص بلّورية
تدفعنا هذه النّماذج من القراءات الّتي حاور فيها كبار الفلاسفة المعاصرين مقدّمة ابن خلدون إلى أن نتساءل: ما الّذي يوجد في النّصّ الخلدونيّ من طاقة تفسيريّة حتّى يحدث هذه التّأثيرات المختلفة على مرّ القرون ويستثير هذا الكمّ الهائل من القراءات المتزايدة مع الأيّام؟ هل نفسّر هذه الكثرة العجيبة بـ«الخصائص البلّوريّة» الّتي قلبت النّصّ الخلدونيّ إلى مرآة صقيلة يجد فيها كلّ قارئ ضالّته؟ هل ينبغي أن نفهم من ذلك أنّ هذه القراءات، وهي تتحدّث عن ابن خلدون، إنّما كانت، على اختلاف مشاربها، تبتدع ذاتها أو صورتها وهي تعيد تأويل النّصّ الخلدونيّ في أفق الحداثة؟ وقبل ذلك ما الّذي اكتشفه ابن خلدون ولم يتفطّن له من جاء قبله وبعده من المؤرّخين؟ ولماذا وجب أن ننتظر الأزمنة الحديثة حتّى يجد هذا النّصّ أفق انتظاره المناسب لعظمة اكتشافه؟
لنقل من البداية إن مقولة الواقع ذاتها قد ارتجّت وتزعزعت تماما لمّا تغيّر برنامج الحقيقة عند ابن خلدون، فصارت الحقائق تصنع ولا تخلق، تبتدع ولا تلهم، تكتشف قبل أن تنكشف. ويعسر وضع خطّ فاصل بين ابتداع الحقيقة بوصفها انكشافا (بعد تحجّب)، أو بصفتها اكتشافا، لأنّ معنيي الابتداع قد انصهرا في نصّ المقدّمة. فالابتداع في كلتا الصّورتين يفيد حدث الاكتشاف، أي ابتداع هذا الّذي كان موجودا من قبل ثمّ انكشف. فابن خلدون مبتدع «علم مستقلّ بنفسه»، موضوعه: «العمران البشريّ والاجتماع الإنسانيّ (...) أعثر عليه البحث، وأدّى إليه الغوص (...) وكأنّه مستنبط النّشأة. ولعمري لم أقف على الكلام من منحاه لأحد من الخليقة. ما أدري ألغفلتهم عن ذلك؟ وليس الظنّ بهم، أو لعلّهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا». (المقدّمة، ج1، ص.ص71-73.). فالابتداع هو هذا الحدث الجديد، هذه «المرّة الأولى»، أو جدّة هذا الجديد البارزة في مضمون هذا الشّيء المبتدع، أي»العمران البشريّ والاجتماع الإنسانيّ»، بيد أنّ الابتداع بمعنييه الانكشاف والاكتشاف لم يشمل سوى دلالة واحدة هي ابتداع الشّيء (أو الأفكار) وقد انكشف وجوده بعد أن اكتشف معناه وحقيقته. أمّا الدّلالة الأخرى من الابتداع فتتعلّق بشكل آخر من العلاقة بالحقيقة تخصّ العدّة المنطقيّة الخطابيّة الّتي جرى بواسطتها إنتاج الحقيقة. وفي هذا المستوى يمكن أن نتساءل: هل كان ابتداع الحقيقة عند ابن خلدون متعلّقا بعثوره على مادّة «العمران البشريّ والاجتماع الإنسانيّ» أم بابتداع طريقة جديدة مستحدثة في ترتيب هذه المادّة وبنائها؟
هاهنا نكون أمام جزء آخر من أجزاء الخطابة يسمّى باصطلاح اليوم «ترتيب الأقسام». ولنا أدلّة عديدة تشير إلى أنّ دلالة الابتداع بمعنى «التّرتيب» قد كانت ماثلة في نصّ المقدّمة بوضوح، منها قوله «واعلم أنّ الكلام في هذا الغرض مستحدث الصّنعة»، أو تلك المواضع من المقدّمة الّتي انتقد فيها منهج تأليف بعض العلوم أو ترتيب بعض الكتب المشهورة لموادّها، كانتقاده لطريقة تأليف ابن المقفّع أو الطّرطوشي (المقدّمة، ج1، ص.ص72-73.).

وعي الجديد
ولعلّ أطرف ما في المقدّمة، هو أنّ سياسة الابتداع عند ابن خلدون ما كانت لتلفت الانتباه لو لم يعاضدها وعي الرّجل الحادّ بجدّة ما انكشف له وجديد ما اكتشف. وهو ما اقتضى منه طريقة مختلفة في التّأليف والاستدلال قائمة على مبدأ المطابقة الّذي صار عنده كالقانون «في تمييز الحقّ من الباطل في الإخبار بالإمكان والاستحالة «تمييزا يعتمد النّظر «في الاجتماع البشريّ الّذي هو العمران». فعندما يتغيّر منهج التّفسير بترك تمحيص الأخبار بتعديل الرّواة أو تجريحهم، أي التّخلّي عن المعرفة الظّنّيّة القائمة على الثّقة، ويصبح «تمييز الحقّ من الباطل في الأخبار والصّدق والكذب بوجه برهانيّ لا مدخل للشّكّ فيه» نكون في واقع الأمر أمام ثورة غير بعيدة في شكلها العامّ عن بنية الثّورات العلميّة. والطّريف في كلّ ثورة أنّها تجعل المضطلع بها يخوض تجربة يكون فيها الإحساس بجدّة ما ينكشف ويُكتشف طاغيا، فتصنع في الآن نفسه أفقا إبستمولوجيّا يشي بتغيّر برنامج الحقيقة وتغيّر الأنموذج العلميّ.
هذا الأفق قد تجاوز في حالة ابن خلدون الإطار العلميّ وأضحى متعلّقا بأفق التّجربة الحضاريّ. ولعلّ التّفرقة بين تجربة ابن خلدون في نطاق الكتابة التّاريخيّة والأفق الّذي دشّنته نجده في اختلاف قرّاء ابن خلدون مشرقاً ومغرباً. فقد استقبل قرّاء ابن خلدون، القدامى منهم بصفة خاصّة، كتابه وقرؤوه بأفق تفكيرهم التّاريخيّ القديم وبمبادئ صناعتهم التّقليديّة، فكانت المقدّمة متجاوزة لذلك الأفق الكلاسيكيّ، مخيّبة لتوقّع قرّائه، وهو ما يفسّر ردود الفعل السّلبيّة الّتي قرأت المقدّمة بوسائل بالية لم تفهم هذا «الجديد» الّذي ابتدعه ابن خلدون في مقدّمته. ومعنى ذلك أنّ تجربة ابن خلدون في نطاق الكتابة التّاريخيّة خاصّة والإبداع العلميّ عامّة هي تجربة «حداثيّة» مادامت مسكونة بهاجس الجديد. غير أنّ المفارقة الّتي صاحبت هذه التّجربة هو أنّ أفق انتظارها الأوّل لم يطرق بعد أبواب الحداثة، لأنّه كان أفقا منكفئا على ماضيه يجترّ ميراثه. وليس أدلّ على ذلك من ردود الفعل المتباينة الّتي عرفها ابن خلدون ونصّه مغربا ومشرقا كردود كبار رجال الفقه والحديث مثل ابن عرفة أو ابن حجر العسقلاني أو السّخاوي وغيرهم. فلم يفهم في البيئة العربيّة الإسلاميّة حقّ الفهم. وكان ينبغي أن ننتظر «صدمة الحداثة» الّتي استقبلها العرب بطلقات مدافع نابليون ورصاص المطابع حتّى تجد مقدّمة ابن خلدون أفقها الفكريّ الأمثل الّذي انصهرت فيه على نحو عجيب لم يحظ به أيّ كتاب من التّراث العربي.

ثورة علميّة
سياسة الابتداع عند ابن خلدون ما كانت لتلفت الانتباه لو لم يعاضدها وعي الرّجل الحادّ بجدّة ما انكشف له وجديد ما اكتشف. وهو ما اقتضى منه طريقة مختلفة في التّأليف والاستدلال قائمة على مبدأ المطابقة الّذي صار عنده كالقانون «في تمييز الحقّ من الباطل في الإخبار بالإمكان والاستحالة « تمييزا يعتمد النّظر «في الاجتماع البشريّ الّذي هو العمران». فعندما يتغيّر منهج التّفسير بترك تمحيص الأخبار بتعديل الرّواة أو تجريحهم، أي التّخلّي عن المعرفة الظّنّيّة القائمة على الثّقة، ويصبح «تمييز الحقّ من الباطل في الأخبار والصّدق والكذب بوجه برهانيّ لا مدخل للشّكّ فيه» نكون في واقع الأمر أمام ثورة غير بعيدة في شكلها العامّ عن بنية الثّورات العلميّة. والطّريف في كلّ ثورة أنّها تجعل المضطلع بها يخوض تجربة يكون فيها الإحساس بجدّة ما ينكشف ويُكتشف طاغيا، فتصنع في الآن نفسه أفقا إبستمولوجيّا يشي بتغيّر برنامج الحقيقة وتغيّر الأنموذج العلميّ.
هذا الأفق قد تجاوز في حالة ابن خلدون الإطار العلميّ، وأضحى متعلّقاً بأفق التّجربة الحضاريّ.

اقرأ أيضا