الاتحاد

الملحق الثقافي

«النيروز».. أبعد من وجود الفرس!

في بدء أعياد النيروز على الأرض كان عيد «أكيتو»، عيد الطبيعة وشكر النعمة وحصاد الشعير، وأكيتو يعني في البابلية «الوقت، أو البداية، العتبة»، إنه أقدم احتفال إنساني بالربيع، منذ فجر السلالات وقيام الحضارات، تحديداً في جنوب العراق «سومر»، قبل أن ينتقل إلى بابل ثم آشور ومنها إلى الكرد والفرس والأقباط في مصر والشعوب الأخرى، متمثلاً باحتفالات أول آذار من كل سنة.
«نيروز» ليس عيداً يخص الثقافة الفارسية كما هو مشاع، إنه أبعد من تاريخ وجود الفرس. نبعت مراسم هذا العيد من حكاية ذلك الزواج المقدّس ما بين إلهة الجمال عشتار وإله الخصب تموز، وحدوث تفاصيل كثيرة متعلقة بذلك القرار العشتاري المتهور الذي أفضى إلى نزول عشتار إلى العالم السفلي، رغبة منها بإعادة الحياة إلى الأموات، ثم حجزها ومعاقبتها هناك على يد إلهة العالم السفلي، وعدم اكتراث زوجها تموز بذلك. وبعد أن تدخلت الآلهة وأعادت عشتار إلى الحياة، عرضت عشتار في مجلس الآلهة قضية غدر تموز، مطالبة بضرورة عقابه، فما كان من الآلهة إلا أن منحت تموز الخلود النصفي، وبعثه سنوياً إلى الحياة لمدة ستة أشهر فقط.
وهكذا حسب الميثيولوجيا السومرية صار تموز يُبعث إلى الحياة في اليوم الأول من أول (نيسانو) نيسان، ثم يعود إلى العالم السفلي مع نهاية شهر أيلول.
فكيف غاب عن إله الخصب أن زواجه من عشتار سيودي به في يوم ما إلى نصف حياة، ونصف تجدد؟ ستة أشهر ينهض فيها من الأنقاض مندفعاً لتخصيب الأرض وبعث عطرها المنعش، ثم لا تلبث الدورة النصف سنوية أن تنتهي، لتشح السقيا، ويجف كل ما توالد من خضرة وأجنحة ضوء وجمال.
بعد تلك الحادثة بأعوام مديدة، أعيدت ذكرى تموز عبر احتفالات مجتمعية شعبية كبيرة، يشارك فيها عموم الناس والآلهة وكهنة المعابد، وكان هذا الاحتفال يسمى بالزواج المقدس، يحصل في يوم رأس السنة، الذي يبدأ بالأول من شهر نيسان، والذي كان يقام في الألف الثالث ومنتصف الألف الثاني قبل الميلاد، حيث يتحرر من قبره في هذا اليوم (تموز - إله الخصب الذكوري) ويخرج من ظلمات الأرض، ليظهر إلى السطح ويخصب (عشتار إلهة الجمال والأنوثة) فتنتعش الحياة والولادات الجديدة، وتتنفس الأرض عشباً وغابة مطر وجنة ومحبة.

عيد آكيتو
بحلول الألف الأول قبل الميلاد أصبحت ذكرى الزواج المقدس ما بين عشتار وتموز جزءاً من عيد مبهج أكبر، واحتفال ديني شعبي أكثر تعقيداً، متمثلاً في عيد «آكيتو - رأس السنة البابلية»، مستغرقاً اثني عشر يوماً، يبدأ في اليوم الأول من نيسان الذي يدور حول نقطتين أساسيتين حسب الاعتقاد البابلي، النقطة الأولى ذلك المنبع التاريخي لأسطورة الزواج المقدس والموت النصفي لإله الخصب تموز والتي أسلفنا ذكرها.
النقطة الثانية برز من خلالها ربط أعياد النيروز البابلية «أكيتو» بالخلق الكوني والخلق البشري، متمثلاً الربط بأسطورة التكوين البابلية، الصراع ما بين قوى الطبيعة وانتصار العناصر الباعثة للحياة في فصل الربيع، وانتصار آلهة الخير على أرباب الخراب في الكون، وبذكرى انتصار الإله مردوخ «سيد الوضوح وإله النور»، وشطره لأهم مكونين وعنصرين في الأم الأولى إلى شطرين: «تيامة» المياه المالحة و«أبسو» المياه العذبة، خالقاً منهما السماء والأرض. وانتصار مردوخ على جيش تيامة التي تمثل العماء، كان محط احتفال مقدس من الكهنة البابليين.
لقد جرت العادة كما ذكرنا على إقامة الاحتفال بعيد «آكيتو» كل عام حسب التوقيت البابلي القمري في الأول من نيسان، ابتداءً من العصر البابلي القديم، كما كان يحتفل في بعض الأحيان في بعض المدن السومرية مثل أور ونيبور مرتين في السنة، في بداية الربيع وبداية الخريف، يمكننا العودة إلى قراءة ملحمة كلكامش - اللوح الثالث، لنتعرف على مرجعية الاحتفال البابلي لعيد أكيتو مرتين في السنة الواحدة، فعندما بدأ كلكامش بالتحضير للذهاب إلى غابة الأرز بمعية صديقه أنكيدو، واللقاء بالإلهة ننسون في معبدها، رجاءً في بركاتها، قرر في حضرتها أنه سيحيي احتفال رأس السنة مرتين.

نص اللوح الثالث من الملحمة:
(عسى أن أرى وجهك ثانية بالسلامة
وأعود مبتهج القلب عبر بوابة أوروك
وحين أعود سأحيي احتفال رأس السنة مرتين
سأقيم الاحتفال مرتين في السنة
ليقم الاحتفال.. ليبدأ الفرح.. لتقرع الطبول بحضورك). *

مراسم عيد أكيتو
وثّق عيد أكيتو تاريخ بلاد الرافدين على نحو جيد، نتلمس عظمة هذا العيد من نص أوتا نبشتم، حين كان يهيئ لبناء سفينة النجاة من الطوفان العظيم، إذ يروي: «لقد نحرت للناس ثيران عديدة، وكنت أذبح لهم نعجة كل يوم، وأقدم للعمال عصير العنب والنبيذ الأحمر والسمن والنبيذ الأبيض، كنت أقدمها لهم بسخاء، كما لو كانت من مياه النهر، حتى أنهم أقاموا احتفالاً كما لو كانوا في يوم أكيتو». *
وكان الاحتفال الأكثر أهمية في مراسم أكيتو عند سكان بابل هو موكب الآلهة، حيث كانت الآلهة تمثل نفسها مرة في السنة، في موكب عظيم يدور حول المدينة بكل مهابته وبهرجته، وكان المواطنون يندفعون لرفع الأطفال والمرضى للمس تمثال الإله، طمعاً في نيل العافية والشفاء والتبرك للسنة القادمة.
يحتفل الناس خلال 12 يوماً بعيد أكيتو البابلي الآشوري، ويمكننا تتبع أيام العيد بحسب ما لخصه الباحثان طلعت ميشو وأكد مراد:
الأيام الثلاثة الأولى: تطهير وتنظيف المعابد وتعميد أدواته وتعميد رجال الدين، ويقوم رئيس الكهنة بإكساء تمثال إله أشور «مردوخ» بكسوة قشيبة، وتقدم القرابين وينشد التراتيل وإقامة الصلوات وتلاوة قصة الخليقة وتطهير معبد أشور و قراءة التعاويذ.
اليوم الرابع: يعلن الكاهن الأكبر بدء الاحتفالات الشعبية التي تبدأ بقراءة قصة الخليقة البابلية «اينوما ايلتش».
اليوم الخامس والسادس: يصل الملك إلى بابل قادماً من مدينة بورسيبا وبصحبتهِ الإله «نابو»، ويتوجه إلى بوابة المعبد، حيث يقوم رئيس الكهنة بنزع شاراتهِ الملكية مؤقتاً، وهي التاج والصولجان والحلقة والسيف، عندها يدخل الملك إلى المعبد منحنياً بكل تواضع ورضِا لكبير الكهنة.
اليوم السابع: تمثل درامة محزنة عن موت الإله أشور وصعوده إلى السماء فيعم الحزن على الناس. ثم يقوم كهنة الإله نابو ابن الإله مردوخ بتقديم طقس معين يرمز إلى مشاركتهِ في تخليص أبيه مردوخ من أسر العالم السفلي، ثم يقومون بتقديم تمثيلية افتراضية، تُصور موت الإله مردوخ وانتقالهِ إلى العالم السفلي، ويخرج الناس باكين منتحبين ممزقين ملابسهم وباحثين في كل الطرقات عن إلههم مردوخ. ولعلها أهم أيام الأكيتو وأكثرها فرحاً - حين يتم الاحتفال بصب «الماء العجائبي المقدس» على قبر الإله مردوخ في المعبد، ليتم الفرح بنهوض الإله مردوخ من عالم الأموات.
اليوم الثامن: يحتفل الناس برجوع الإله أشور إلى الحياة.
اليوم التاسع: تقام مسيرة شعبية يتقدمهم الملك و الكهنة.
اليوم العاشر: تقام درامة رمزية يمثل فيها الملك دور الإله أشور في مقارعة إلهة العالم السفلي «ثيامات» و يصرعها.
اليوم الحادي عشر: ولعله من أغرب أيام العيد، حيث يسلم الحكم إلى أحد المجانين، ويعطى له الصولجان ليحكم كما يشاء و ينشر الفوضى في البلاد. ليعود الملك الحقيقي في اليوم الثاني عشر ليعم الهدوء والاستقرار ويقدم أبناء الشعب الولاء والطاعة للملك الشرعي.

من بابل إلى شعوب العالم
احتفل الناس بعيد أكيتو في مدن العراق تحديداً جنوبها ووسطها، مثل أريدو، أور، لجش، كيش، أوروك، ثم انتقل هذا العيد إلى شمال العراق «أشور» حين قام الملك الآشوري «تيكولتي نينورتا الأول» بغزو وتدمير مدينة بابل، ونقل تمثال الإله مردوخ ضمن غنائم الحرب إلى بلاد آشور، وكان ذلك قبل سنة 1200ق.م.
انتشر هذا العيد الرافديني إلى عقائد الشعوب وأعيادهم في آسيا الآرية والتركستانية بعد سقوط بابل على يد الفرس «539ق.م»، واقتبس الفرس عيد النوروز مع ميراث الحضارة العراقية القديمة من كتابة وعلوم وفنون ومعتقدات وطقوس، وفي لغتهم «نوروز» أي اليوم الجديد، وقد بدأ الفرس يحتفلون به حسب السنة البابلية التي كانت تبدأ في أول نيسان.
كما انتقلت تقاليد الاحتفال بهذا العيد إلى الشام حيث السكان الأوائل، مع انتقال الميراث السومري إلى الساميين، وسمي بعيد «أدونيس»، وقابلوه بمظاهر الفرح والابتهاج وشعائر الشكر. أما التركمان في مدينة آرضروم، فيعتبرونه يوم بعث الموتى وانطلاقهم للمرح في الحياة. وهو يوم المنقلب الربيعي عند الصابئة، وقد ورثوه عن أسلافهم منذ أيام بابل ونينوى.
أما في الديانة المسيحية فهو بنفس مضمون العيد العراقي القديم أكيتو، فبدلاً من عودة تموز من العالم السفلي وخروجه للحياة جالباً الخصب والإنبات، فإن في يوم الفصح ينبثق المسيح ليجلب إلى نفوس البشر خصب الإيمان والربيع والبشارة بالنعيم. كما تعددت تسميات عيد أكيتو عند شعوب العالم المعاصر، والأصل والطقوس والأساطير واحدة، فهو «ني - يارؤو» عند الأقباط في مصر القديمة، ويعني عيد الأنهار، ثم «شم النسيم» في مصر المعاصرة وهو أول يوم في السنة الزراعية الجديدة. و«عيد الشجرة» في الأردن، وعند شعوب أفريقيا القديمة «ريس عود عامت»، أي رأس عودة العام. و«عيد السيدة» في أوروبا أو «نيو يير» السنة الجديدة، فلم تعتمد أوروبا أول يناير رأس السنة إلا منذ أربعة قرون، وبعض دول أوروبا اعتمدت أول يناير في القرن الفائت.

رابط الزمن بالطبيعة
لقد أكد عيد أكيتو البابلي اهتمام السومريين بالزمن وربطهم التاريخ بالطبيعة المتحولة وتغيرات المناخ الجذرية وتقديس النّعم، فأوجدوا التقويم الذي يضم اثني عشر شهراً بأربعة فصول، ويكون بداية فصل الربيع وبداية السنة في أول نيسان، المجدد لجمال الحياة وطبيعة الأرض والأنهار والكائنات.
مع مرور الزمن ستمتد يد العبث على التقويم الطبيعي، وتمحو بعض السياسات والمرجعيات الدينية حقائق الطبيعة وقوانينها وأصل الأعياد البشرية، وفق مصالحها وتدخلاتها وتاريخها الخاص، وتختلف مليارات الشعوب حول النيروز، منبته، مشروعيته، ومرجعية الاحتفال به.
نتساءل دائماً، كيف نتغذى من تراثنا بعقلية متفهمة متسامحة مستوعبة ومستعيدة لبعض الصدى القديم لعادات وتراث الإنسانية الأولى الباعثة لمشاعر الابتهاج والاحتفال بالطبيعة والمواسم، والتي يكون وراءها تعليم روحي فطري، قائم على شكر الرب والطبيعة والامتنان للنعم والفرح وربيع القلوب.
إن النيروز أو أكيتو، عيد المشاعر والابتهاج والاحتفاء بموسم الولادة، عيد شكر الرّب والطبيعة، يربي ذاكرة وعواطف الأجيال على قيمة التمتع بآلاء الأرض وتقديس الوقت والبدايات السعيدة، مهما كان منبت النيروز وأصل فكرته الأسطورية، فهو عيد المحبة والبهجة والتسامح وربيع الأرواح وتبادل الحب مع الأرض، قبل أن يكون خُلقاً والتزاماً وناموساً أو شعائر دينية.
فما المانع من أن «نتنورز» مرة في السنة؟ مادام هذا العيد يمنحنا أحقية في التقرب إلى أمنا الطبيعة وتقاسم أفراحها. كما كان يفعل الإنسان القديم في سومر، ذلك المتحرر من الحمولات الدينية والرواسب الفكرية المتعصبة.

الخلود النصفي
(نيروز) ليس عيداً يخص الثقافة الفارسية كما هو مشاع، إنه أبعد من تاريخ وجود الفرس. نبعت مراسم هذا العيد من حكاية ذلك الزواج المقدّس ما بين إلهة الجمال عشتار وإله الخصب تموز، وحدوث تفاصيل كثيرة متعلقة بذلك القرار العشتاري المتهور الذي أفضى إلى نزول عشتار إلى العالم السفلي، رغبة منها بإعادة الحياة إلى الأموات، ثم حجزها ومعاقبتها هناك على يد إلهة العالم السفلي، وعدم اكتراث زوجها تموز بذلك. وبعد أن تدخلت الآلهة وأعادت عشتار إلى الحياة، عرضت عشتار في مجلس الآلهة قضية غدر تموز، مطالبة بضرورة عقابه، فما كان من الآلهة إلا أن منحت تموز الخلود النصفي، وبعثه سنوياً إلى الحياة لمدة ستة أشهر فقط.

........................................................
- بيت أكيتو
هو المعبد الذي أقيمت فيه احتفالات الربيع، يقع خارج أسوار مدينة بابل، شمال شارع الموكب، على إحدى التلول المحاذية لنهر الفرات، والذي عرف عند المنقبين باسم «التل الشرقي»، وقد أسفر التنقيب عن مخططه الأرضي المضلع الشكل، وكانت جدرانه قد شُيّدت على أسس حجرية، منحتها القوة والمتانة والشكل الهندسي المنظم.
- حكمت بشير الأسود/‏‏ أكيتو ـ رأس السنة البابلية الآشورية /‏‏ المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية.
- ملحمة كلكامش /‏‏ طه باقر /‏‏ دار الرافدين
- صفحة كلكامش السومري:
https:/‏‏/‏‏ar-ar.facebook.com/‏‏KalkamshAlswmryGilgameshAlsumari/‏‏
- طه باقر /‏‏ ( ديانة البابليين والآشوريين ) /‏‏ مجلة سومر.
- صفحة كلكامش السومري.
- طلعت ميشو /‏‏ أكيتو عيد الربيع البابلي/‏‏ الحوار المتمدن.
أكد مراد/‏‏ الأول من نيسان رأس السنة البابلية الآشورية.

اقرأ أيضا