الاتحاد

دنيا

الطعنة الغادرة


سعاد جواد:
بعد غيبوبة طويلة فتح الأب عينيه، أين أنا؟ ماذا حدث لي؟ حاول ان يرفع جسده فلم يستطع من شدة الألم، تذكر تلك الطعنة القاسية التي تلقاها من ولده، جالت عيناه في المكان، حيطان بيضاء وساعة معلقة تشير إلى رقم معين، هل هو ليل أم نهار؟ لا يدري، غير ان زوجته كانت إلى جانبه تغط في نوم غير مريح على كرسي بجانب السرير، استعاد ذاكرته تدريجياً، تذكر ابنه وما فعله به، انه مخلوق غريب لا يشبه أبداً ذلك الطفل الجميل الرائع الذي اختطف من حضنه، لا يوجد أي تشابه بينهما، أين هذا من ذاك، انه أمر عجيب، لقد مسخوه وحولوه إلى انسان عديم الاحساس والمشاعر، إنسان غريب يستطيع أن يوجه السكين إلى صدر والده المحب ويطعنه طعنة غدر وهو نائم·
عاد الاب بذاكرته الى الوراء لأكثر من عشر سنوات، إلى اليوم المحدد للنزهة الأسبوعية، في عطلة نهاية الاسبوع، ففي ذلك اليوم المشؤوم أخذ الأب عائلته في نزهة إلى احدى الحدائق، حيث انطلق الأولاد يلعبون هنا وهناك بينما جلس الوالدان على احد المقاعد القريبة، مر الوقت واقتربت الشمس من موعد الغروب، نادى الأب أولاده للعودة، بصعوبة عاد الجميع متثاقلين ولكن ذلك الولد كان قد اختفى تماماً، بحث الأب في كل مكان فلم يجده، قام بإبلاغ الشرطة واستنفروا للبحث عنه في أرجاء الحديقة وخارجها، وللأسف فانهم لم يعثروا عليه، مر الوقت·· وانتصف الليل ولم ييأس الأب وبقي يبحث ويبحث حول المكان، عبثاً حاول رجال الشرطة اقناعه بالعودة لمنزله وأنهم لن يقصروا في البحث وسيبلغونه بأي أمر مستجد، لم يقتنع وبقي يلف ويدور في الشوارع دون جدوى ودموعه تنهمر من عينيه بلا انقطاع لاعتقاده بان ابنه ربما قد مات، انه شيء عجيب لا يمكن تصديقه، كيف يختفي الولد هكذا ببساطة دون ان يشعر به احد، فالمكان آمن وهو محاط بأسوار عالية·· ربما يكون قد خرج من البوابة الرئيسية، وربما قد صدمته سيارة، أو ربما قد سقط في حفرة، أسئلة محيرة وأفكار مؤلمة تدور برأسه وهو عاجز لا يستطيع ان يفعل شيئاً سوى البحث المستمر بلا كلل ولا ملل وليومين متواصلين دون نوم أو طعام·
جاءت الأيام الاخرى متوالية ولا أثر للولد تماماً، اصبح الأب يقضي معظم يومه في تلك الحديقة فهو يعتقد بأن ابنه ربما سيعود إليها ليبحث عن أهله، كان يجلس صامتاً وهو يتخيل بأن ولده يتعرض لاشياء فظيعة فتسقط دموعه ويبدأ بالتوسل إلى الله ان يحفظ ولده ويعيده له سالماً·
مرت أشهر وسنين على اختفاء الولد، وبقي الأب ينتظر عودته بلا يأس، فلو كان الولد ميتاً لوجدوا جثته، لابد ان يكون حياً وسيعود بإذن الله·
وحدثت المعجزة
مرت عشر سنين على ذلك والجرح يكبر في صدر ذلك الأب والنار تزداد توقداً في قلبه شوقاً لولده خصوصاً عندما يرى من هم في مثل عمره أو من يشابهه، وكان يتساءل باستمرار مع نفسه: يا ترى أهو سعيد أم حزين؟ كيف يعيش ومع من؟ أين ينام؟ وماذا يأكل؟ هل يذهب إلى المدرسة؟ هل هو حي فعلاً؟ حتى أحس بانه قد تقدم في السن كثيراً خلال تلك الفترة، فقد الاحساس بطعم الحياة والعيش الهنيء، لم يعد يكترث لصحته ولا لطعامه، لقد تلاشت لديه الرغبات واصبح همه الوحيد في هذه الدنيا هو ان يجد خيطاً يدله على ضالته·
أخيراً حدثت المعجزة، جاءه احد الاصدقاء ليخبره بانه قد سمع عن عصابة تقوم بخطف الأولاد وتربيهم ليكونوا اعضاء مخلصين تستغلهم في السرقة والتسول وتسويق المخدرات وجميع الأعمال غير المشروعة من أجل جلب المال، ثم أخبره بانه يستطيع ان يجمعه مع احد أفراد تلك العصابة وهو على استعداد للتعاون معه مقابل المال·
كان ذلك بمثابة جرعة من الهواء النقي بعد سنين من الاختناق، الهواء الذي أعاد للأب حياته بعد ان كان قريباً إلى الموت يأساً، لتعود له الرغبة في العيش من أجل إيجاد ولده، و·· بدأت رحلة البحث الصعبة، قاده ذلك إلى إيجاد رئيس العصابة فتوسل إليه بحرارة ووعده باعطائه كل ما يريد إن ساعده في الوصول إلى ابنه، فقال له رئيس العصابة: اسمع، ان عرضك مغرٍ تماماً، ولكني بصراحة لا أدري أي واحد من هؤلاء الأولاد هو ابنك، ان كنت تعرفه، فابحث عنه بنفسك· نظر الأب حوله فوجد مجموعة من الشباب ذوي المظهر البائس من أعمار مختلفة، ازدادت ضربات قلبه وهو يبحث بينهم عن ولده، طلب منهم ان يكشفوا عن اكتافهم لان ولده كان يحمل وحمة مميزة على كتفه، أمعن النظر في جميع الموجودين فلم يجده بينهم، عاد لرئيس العصابة واخذ يتوسل إليه مرة اخرى ليريه الباقين من غير الموجودين في المكان، فأخذ الآخر يساومه ويرفع المبلغ إلى أقصى ما يستطيع، وبعد ان اتفقا على السعر، رضي ان يريه بقية الشباب ممن اطلق عليهم اسم (أصحاب الزعامة)·
جاء اصحاب الزعامة وكان منظرهم اكثر بؤساً من زملائهم السابقين، اخذ يبحث بينهم فوجده، وجد ابنه أخيراً وقد تغير تماماً في شكله ومظهره، احتضنه واخذ يبكي بحرقة بكاءً مراً بزفرات وحسرات عشر سنين من الألم المتواصل، لم يكن الولد يعي ما يحدث ولم يتأثر لبكاء هذا الرجل الغريب الذي يدعي أنه والده، نظر إلى رئيس العصابة نظرة متسائلة فتلقى منه غمزة فهم من خلالها بأن مهمة جديدة قد أوكلت إليه، فرافق الرجل إلى حيث يريد·
عودة الابن الضال
دخلا البيت فهب الجميع لاحتضانه وهم يبكون، اخذ يمثل عليهم الدور باتقان ولكنه بدأ منذ اللحظة الاولى بتقييم الموجودات في المنزل وتقدير ما يمكن ان يحصل عليه من غنائم·
اخذه أبوه إلى غرفته بعد ان تناولوا طعامهم وطلب منه ان ينام ليرتاح ووعده بان يأخذه معه في الصباح ليستخرج له أوراقاً رسمية تؤهله للبحث عن عمل·
لم يستطع الولد النوم فهو لم يعتد على مثل هذا الوضع، فهرب من الشباك وعاد إلى وكر العصابة، فقد كان معتاداً على تعاطي المخدرات كمكافأة يومية على العمل، عاد ليحكي للجميع عما وجده من أشياء عجيبة في تلك المغامرة·
قبل طلوع الفجر عاد إلى غرفته فنام، حاول الأب إيقاظه عند صلاة الفجر فلم يفلح، ثم حاول ايقاظه عند منتصف النهار فاستيقظ بصعوبة·
انقضت الأيام التالية بمحاولات مستميتة من الأب وأفراد اسرته لتعويض ذلك الولد عن الحب والحنان الذي حرم منهما بعيداً عنهم، ابتدأت بعرض مجموعة من صوره عندما كان طفلاً، فحاول ان يتذكر ما حدث ولكنه كان قد تحول إلى مخلوق آخر بعيد كل البعد عن ذلك الطفل البريء·
اخذ يستغل الجميع للحصول على المال، وقد لاحظوا بان تصرفاته غير طبيعية، فتوقفوا عن اعطائه المال وصاروا يعاملونه بجفاء، عندها اخذ يسرق منهم كل ما يملكونه، حتى تعالت صيحات الاستنكار من الجميع وطلبوا من والده إيقافه عند حده·
حاول الأب ان يصلحه ويذكره بالخوف من الله ومن عقوبات الآخرة، إلا ان الولد لم يكن يعي شيئاً من ذلك واستمر بطريقته تلك، بعدها اكتشفوا هروبه من المنزل كل ليلة وعرفوا بانه مدمن للمخدرات، وقد دخل السجن عدة مرات فتوسط له الأب لاخراجه، في كل مرة كان يقدم الوعود بالتغير، إلا انه كان ينكث وعده ويعود إلى ذلك الوكر الملعون·
فكر الأب ان يخطو خطوة جريئة للقضاء على ذلك الوكر ليخلص ولده والناس من شرهم، فقام بإبلاغ الشرطة عن أفراد تلك العصابة وأعطاهم كل ما لديه من معلومات تسهل عملية القبض عليهم، وهو يعتقد بان ذلك سيساهم في اصلاح ابنه·
تم إلقاء القبض على أفراد العصابة كلهم وأودعوا السجن، وبالطبع فان الولد لم يكن في الوكر اثناء ذلك فلم يسجن معهم·
بقي في منزله لأيام قليلة ثم عاود الهروب ليلاً بعد ان سرق المال من والده ليتعاطى المخدرات، هدده والده بالتبليغ عنه ان عاد للسرقة والتعاطي فلم يكترث له وعاد لفعلته مرة اخرى، قام الأب بالتبليغ عنه بعد ان يئس من اصلاحه، معتقداً ان وجوده في السجن سيساعده على التخلص من الإدمان·
في احدى الزيارات الى السجن، وفي لحظة ضعف اعترف الأب لابنه العاق بانه هو من قام بالتبليغ عن العصابة وعنه بدافع حبه والخوف عليه، اندهش الولد واخذ يفكر في الانتقام من والده·
تظاهر بانه قد تغير وانصلح واصبح يخاف الله ويفكر بالتوبة من المعاصي، توسط له الأب ليخرجه من السجن، وفعلاً استطاع اخراجه بعد مدة وقد استبشر الجميع بتوبته وعودته·
بعد خروجه من السجن انتهز أول فرصة مناسبة وقام بطعن والده بالسكين انتقاماً لنفسه وللعصابة التي ينتمي إليها·
آخر المشوار
أدخل الولد إلى السجن وأدخل الوالد إلى المستشفى وهو في حالة خطيرة، بعد أيام قضاها الأب في غرفة العناية المركزة، كتب الله له الحياة مرة اخرى فاستعاد صحته بعد ان شفي تماماً وخرج من المستشفى ذهب لزيارة ولده، استغرب الولد لتلك الزيارة، تقدم الأب قريباً من ابنه، وقال له: عندما كنت صغيراً كنت متعلقاً بك بشكل عجيب، خطفوك من حضني وطعنوني في اعماقي طعنة قاسية دمرتني، اخذوك وقتلوا فيك كل ما هو آدمي وجعلوك مخلوقاً مسخا، إن كانت بذور الخير التي تجري في دمك وقد ترعرعت عليها ثماني سنين في أسرتك قد ماتت تماماً ولم يعد لها وجود فإني سأتبرأ منك إلى الأبد، وان كانت لاتزال حية وتستطيع بها التغلب على الشر الذي تربيت عليه فأثبت لي ذلك، وعد إلي معززاً مكرماً لأدلك على الحياة الشريفة الكريمة التي تكسب فيها رزقك الحلال بعرق جبينك ولتحس بطعم رضا ربك·
قال كلماته تلك وأدار ظهره وانصرف بخطوات ثقيلة متعبة، بقى الولد ينظر إليه حتى اختفى، فانفلتت دمعات غزيرة من عينيه وهو يتابع ظل والده المنصرف·

اقرأ أيضا