الاتحاد

الملحق الثقافي

المغتربون في «الفيسبوك»

التأصيل أو التخريج الصوتي اللغوي في العربية لكلمة «الفيسبوك»، كما ورد في تأملات صديقي الشاعر الدكتور نصار عبد الله نصار في مقال له منشور بجريدة المصري اليوم بتاريخ 13/‏9/‏2015، جاء على النحو التالي: إن كلمة «فيسبوك» بكسر الفاء وتسكين السين وضم الباء، كلمة جديدة دخلت إلى القاموس العربي، لتشير إلى موقع التواصل الاجتماعي الشهير، أما مُستخدِم الموقع، فيُطلَق عليه «فيسبكي» (بتسكين السين أيضاً)، ويُجمع على «فسابكة»، مثل: برمكي وبرامكة، ويجوز جمعها في صيغة منتهى الجموع على وزن «فسابيك» مثل «صعاليك» وغيرها.. أما مؤنثه فهو «فيسبوكية» وجمعها «فيسبوكيات». وكان أول من استخدم كلمة «الفسابكة» للإشارة إلى مستخدمي الفيسبوك هو الشاعر اللبناني أحمد بيضون، ثم استخدمه الكاتب اللبناني رامي الأمين في كتابه الممتع «معشر الفسابكة» الذي صدر في بيروت عام 2012.
ولا شك أن هذا التحليل اللغوي لا يخلو من غمز ولمز أو سخرية مستترة؛ وهي سخرية أفصح عنها المقال سالف الذكر في تصريح مقتضب في عجالة، ربما لضيق مساحة المقال. وقد يكون هذا التحليل اللغوي للكلمات والأسماء مفيداً، ولكنه لا يغوص في تحليل معنى الظاهرة. فالتحليل اللغوي يصبح ضرورياً حينما نبحث في أصول المصطلحات الفلسفية- على سبيل المثال- في لغتها الأصلية. ولكن في مثل هذه الحالة التي نحن بصددها، فإن ما يُعنيني في المقام الأول- باعتباري مهتماً في سائر كتاباتي بتحليل معاني الظواهر- هو فهم معنى الظاهرة في تجلياتها في عالمنا العربي على وجه الخصوص. غير أنني لا أهتم في مقالي هذا بالاستغراق في الحديث عن الظواهر اللاأخلاقية المقترنة بعالم الفيس بوك، والتي تبلغ أحياناً حد الجرائم؛ لأن مثل هذه الظواهر معروفة للقاصي والداني، وهي متداولة في أخبار صفحات الحوادث؛ ومن أكثرها شيوعاً رذائل ترويج الشائعات والأكاذيب، وتشويه سمعة الآخرين، ومنها ما يصل إلى حد التدبير لجرائم النصب والاحتيال، وغير ذلك.
ما أريد الكشف عنه هنا هو ظاهرة شعورية مرتبطة بعالم الفيسبوك، أعني تلك الحالة الاغترابية التي نشأت عن عالم التكنولوجيا الذي تهيمن فيه أدواتها على عالم الإنسان المعاصر. ولا أجد مثالاً يجسد هذه الحالة من حالات الاغتراب المعيش في الحياة الإنسانية المعاصرة، خاصةً في واقعنا العربي، أبلغ من تلك الحالة التي أسميها «الحالة الفيسبوكية»؛ لأنها بالفعل تمثل حالة من حالات التكنولوجيا حينما يُساء استخدامها بحيث تصنع وجوداً آخر يحلق في عالم وهمي أو افتراضي على شبكة المعلومات... حالة من الاغتراب اليومي المعيش تجعل من الوجود وجوداً عابراً لا مُقيماً. يحدث هذا بوجه خاص في كثير من بلدان عالمنا العربي، وإنْ كان يحدث أيضاً في غيرها من البلدان التي يُسَاء فيها استخدام مكتسبات التكنولوجيا. تأملت فتساءلت: هل لذلك علاقة بأننا غير منتجين للتكنولوجيا وأدواتها؛ ومن ثم لا نعرف استخدامها في الغرض الذي أُنشِئَت من أجله؟! فالتكنولوجيا في حد ذاتها أداة محايدة أنتجها صانعوها من أجل تيسير سبل حياتهم وإثراء معرفتهم، وربما أيضاً من أجل هيمنتهم من خلال ما تتيحه هذه التكنولوجيا من معرفة؛ أما مستهلكوها من دونهم، فاتخذوها وجوداً آخر بديلاً عن الوجود الحقيقي. ولا شك إذن أن هذا الأمر له صلة وثيقة بدرجة الثقافة أو الوعي، سواء نظرنا إلى الثقافة على مستوى الشعوب أو الأفراد؛ ومن ثم فإن المرء الذي يكون في المرتبة الأدنى من حيث مستوى ثقافته أو وعيه، سوف يستهلك نفسه في عالم الفيسبوك؛ وبذلك يصبح أداة في يد التكنولوجيا في صورة من منتجاتها، بدلاً من أن تكون التكنولوجيا ذاتها مجرد أداة خادمة له. وذلك شكل أساسي من أشكال الاغتراب الوجودي العميق للإنسان المعاصر على وجه العموم، وإنْ كانت هذه الحالة الاغترابية تبدو أكثر تعمقاً وشيوعاً في النسخة العربية من عالم الفيسبوك، أعني تلك الظواهر التي تتجلى في أسلوب استخدام- أو بالأحرى استهلاك- التكنولوجيا الذي يشيع في كثير من بلدان عالمنا العربي، وإنْ كان يشيع أيضاً في كثير من البلدان ذات الرتبة الأدنى ثقافةً بالقياس إلى عالم الشعوب المتحضرة.
تشيع الآن ظواهر عديدة في أسلوب استخدام عالم الفيسبوك الذي يُعتبر دالًا على حال مستخدميه، على نحو يمكن أن يُشخِّص أوضاعهم الاجتماعية والثقافية. يسود عالم الفيسبوك في نسخته العربية (بالمعنى سالف الذكر) حالة من النفاق الاجتماعي لا التواصل الاجتماعي.. سيل من الأخبار والصور الشخصية التي يبثها يوميّاً كل ساعة أشخاص لا تعرفهم إلا من بعيد، وربما تعرفهم بالسماع فقط: فهذا قد رُزِق بمولود أو حفيد، وذاك قد نال شهادة تافهة، وآخر ينشر صوره اليومية في أوضاع وأماكن مختلفة، ويكون المطلوب منك أن تعلق على ذلك كله أو تُبدي إعجاباً به؛ وإنْ لم تفعل ما هو مطلوب منك أصبحت شخصاً غريباً على عالم الفيسبوك أو- على الأقل- أصبحت غير فاعل فيه، رغم أن عزوفك عن هذا المسلك الشائع هو في حقيقته محاولة للنجاة من حالة اغترابية يسود فيها مسلك القطيع.
تتجلى أيضاً في النسخة العربية لعالم الفيسبوك ظاهرة أخرى متلازمة مع أعراض الظاهرة المَرَضية السابقة، وهي حالة أسميها «بالاستجابة النمطية للأحداث» أو «تنميط الشخصية»؛ إذ يختفي هنا الشخص.. تختفي شخصيته التي تضيع في استجابة نمطية صنعها غيره، أعني صنعها كثير من الناس الذين يستخدمون الاستجابات نفسها، بل اللغة نفسها أو الرموز في التعبير، لا فحسب عن الآراء والمعلومات المتواترة دون تحقق من صدقها، وإنما أيضاً في التعبير عن مشاعرها الذاتية! مثل هذه الاستجابة النمطية لدى المُتلقي هي استجابة لفعل نمطي من جانب الشخص المرسِل: فالشخص المُرسِل ينشر خبراً -على سبيل المثال- عن أنه قد ابتُلي بوفاة عزيز لديه، أو رُزِق بمولود أو حفيد! وهو ينشر هذا الإعلان على من أضافهم على صفحته، وأكثرهم من غير الأصدقاء بالفعل، وإنما هم مجرد معارف عبر الفضاء الإلكتروني، ويكون مطلوباً من هؤلاء أن يؤدوا الواجب المطلوب منهم في مثل هذه الحالات، فلا يجدون مناصاً سوى اتباع الاستجابات المزيفة النمطية لدى غيرهم الذين يسارعون إلى إزجاء كلمات وعبارات التهنئة من قبيل: «مبروك»، وهي الكلمة التي عادةً ما يكتبونها بمد الواو هكذا: مبروووووك؛ وكأنهم يعبرون بذلك عن مزيد من عمق الشعور الذي هو- في أغلب الحالات- شعور مزيَّف تكمن طبيعته في النفاق الاجتماعي الذي يعتاده المرء إلى أن يصبح جزءاً أصيلاً في طبيعة تكوينه.
تُرى كم من الوقت الذي تحتاجه يومياً للتواصل مع مثل هذه الاستجابات النمطية لأخبار وأحداث يتم بثها كل دقيقة؛ فلو أنك أمضيت دقائق معدودات فحسب للرد على كل ما يصلك من هذا القبيل؛ فلن تجد وقتاً آخر يمكن أن تُنجِز فيه شيئاً مفيداً. أدمن كثير من الشباب هذه الحالة «الفيسبوكية». طالما رأيت ذلك رأي العيان. ترى الشباب في المقاهي والمنتديات، بل في البيوت وأماكن العمل، يتصفحون الفيسبوك للرد والتعليق على كثير من تفاهات الحياة. ولأن أخبار ومواقف الفيسبوك متسارعة بشكل يفوق بما لا يحصى سرعة الحياة الواقعية، فقد ابتكر الشباب لغة خاصة مختزلة لا علاقة لها بلغتهم الأصلية، وبذلك تتوارى اللغة الأصلية لتحل محلها لغة جديدة. ينفر مثل هؤلاء الفيسبوكيين من المقالات والأفكار التي يمكن تداولها عبر الفيسبوك، وقلما تجد شخصاً يبث لك مقالاً تتعلم منه أو لوحة تثري وجدانك وذائقتك الفنية والجمالية أو حتى وقائع ثقافية مفيدة؛ إذ لا يحدث هذا غالباً إلا بين فئة خاصة من المتعاملين مع الفيسبوك من المثقفين والمبدعين ممن لهم صفحات خاصة مقصورة على أشباههم.
وهناك حالة أخرى من الرغبة المحمومة في الوجود الوهمي عبر الأثير من خلال الوجود الجسماني، وهي حالة تشيع غالباً بين النساء والفتيات ممن يعرضن صورهن كل يوم في حالة جديدة، يستعرضن فيها رشاقتهن وطلتهن الجديدة، وكأن الواحدة منهن تبحث عن مخرج سينمائي أو مخرج إعلانات ليستعين بها، أو تبحث على الأقل عن استجداء عبارات المديح والإطراء من رواد صفحتها على الفيسبوك. المرأة في مثل هذه الحالات تستخدم الصورة النمطية لها التي صنعها المجتمع الذكوري، أعني أن المرأة قد تستخدم أحياناً نفسها باعتبارها سلعة معروضة عبر عالم الفيسبوك. أما الجرائم التي تقع عبر هذا العالم الافتراضي، فلا حصر لها.. إنها تحدث بشكل يوميّ من خلال الإيقاع بالفتيات الغريرات باسم الحب عبر هذا العالم الوهمي الافتراضي الذي يتحول إلى مآسٍ حينما ينتقل هذا العالم الوهمي إلى مجال الواقع الفعلي، وهذا أمر شائع في عالم الفيسبوك بوجه عام.
ورغم أنني من المنتمين إلى عالم الفيسبوك، فإنني أشعر أحياناً أنني قد انتميت إليه بالخطأ؛ لأنني أشعر كأنني قد أصبحت ملزماً بالدخول في عالم اغترابي. أعرف أنه عالم لا يخلو من فوائد إذا ما أُحسِن استخدامه، ولكنني لا أستطيع أن أنساق فيه مثلما ينساق الكثيرون من المستخدمين؛ ولذلك قررت أن أقف موقفاً خاصاً من هذا العالم الافتراضي، فلا أدخل عليه إلا إذا كان لدي شيء يمكن أن يكون مفيداً للآخرين، سواء على مستوى المعرفة أو حتى على مستوى الشعور الحقيقي الذي يكون نابعاً بصدق من نفسي تجاه الأحبة والأصدقاء.

إدمان.. وتخريب لغة
أدمن كثير من الشباب هذه الحالة «الفيسبوكية». طالما رأيت ذلك رأي العيان. ترى الشباب في المقاهي والمنتديات، بل في البيوت وأماكن العمل، يتصفحون الفيسبوك للرد والتعليق على كثير م ن تفاهات الحياة. ولأن أخبار ومواقف الفيسبوك متسارعة بشكل يفوق بما لا يحصى سرعة الحياة الواقعية، فقد ابتكر الشباب لغة خاصة مختزلة لا علاقة لها بلغتهم الأصلية، وبذلك تتوارى اللغة الأصلية لتحل محلها لغة جديدة.

تأصيل ساخر
إن كلمة «فيسبوك» بكسر الفاء وتسكين السين وضم الباء، كلمة جديدة دخلت إلى القاموس العربي، لتشير إلى موقع التواصل الاجتماعي الشهير، أما مُستخدِم الموقع، فيُطلَق عليه «فيسبُكي» (بتسكين السين أيضًا)، ويُجمع على «فسابِكة»، مثل: برمكي وبرامكة، ويجوز جمعها في صيغة منتهى الجموع على وزن «فسابيك» مثل «صعاليك» وغيرها.. أما مؤنثه فهو «فيسبوكية» وجمعها «فيسبوكيات». وكان أول من استخدم كلمة «الفسابكة» للإشارة إلى مستخدمي الفيسبوك هو الكاتب اللبناني أحمد بيضون، ثم استخدمه الكاتب اللبناني رامي الأمين في كتابه الممتع «معشر الفسابكة» الذي صدر في بيروت عام 2012.
نصار عبد الله نصار

نفور
ينفر كثير من هؤلاء الفيسبوكيين من المقالات والأفكار التي يمكن تداولها عبر الفيسبوك، وقلما تجد شخصاً يبعث لك مقالاً تتعلم منه أو لوحة تثري وجدانك وذائقتك الفنية والجمالية أو حتى وقائع ثقافية مفيدة؛ إذ لا يحدث هذا غالبًا إلا بين فئة خاصة من المتعاملين مع الفيسبوك من المثقفين والمبدعين ممن لهم صفحات خاصة مقصورة على أشباههم.

اقرأ أيضا