الاتحاد

الملحق الثقافي

اكتشاف «غريب» كامو العربي

من أميركا إلى الجزائر مروراً بباريس، خلال عامين من البحث الاستقصائي والتدقيق، توصلت الباحثة والكاتبة الأميركية «أليس كابلان» إلى الكشف الحقيقي عن رمزية شخصية العربي المجهولة في رواية «الغريب» للكاتب «ألبير كامو»، والمغزى من العنوان: «الغريب» وعلاقته باللامبالاة والأحداث الرئيسة للرواية: الموت، العشق، العلاقات، القتل، السجن، الملامح، وذلك في كتابها «البحث عن الغريب» الصادر شهر سبتمبر الماضي عن منشورات جامعة شيكاغو الأميركية، وتولّى ترجمته سامي حباطي.

الشخصية المجهولة التي كثيراً ما ربطها النقاد والمعلقون بمواقف سياسية لـ«كامو»، وبفلسفته الخاصة وانتماء الرواية للمذهب العبثي في الأدب، دحضتها أليس بالبحث الميداني في محيطه، عبر مقالاته ومراسلاته، وصولاً إلى عائلات الشخصيات الحقيقية الكامنة خلف شخوص الرواية لتعثر على الحادثة، فوجدت أبطال الشجار الحقيقيين على شاطئ «بويسفيل» في وهران، صيف سنة 1939، و«ميرسو» اليهودي الذي تشاجر مع عربي يدعى «قدور طويل» بحسب الأخبار التي نقلتها جريدة «ليكو دوران» (صدى وهران) اليمينية آنذاك.

وكان كامو، الكاتب المسرحي والفلسفي الوجودي، الجزائري المولد من أب فرنسي وأم إسبانية، قد حول هذه الوقائع إلى رواية «الغريب»، التي ساهمت في منحه جائزة نوبل، وروى حكاية رجل تموت والدته في دار للمسنين، ويسافر لحضور مراسيم دفنها. عندما يعود، يتجه للسباحة مع صديقته، ويرافقها بعد ذلك إلى السينما. يقوم بتحرير رسالة إلى صديق خشن الطباع، ثم يقتل عربياً على الشاطئ. يُحال إلى العدالة التي تحكم عليه بعقوبة الإعدام، ويبقى ينتظر تنفيذ الحكم، وهو ما تختتم به الرواية.

ما يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، في الرواية، تقول عنه أليس العكس تماماً، بعد توغُّلها في الشخوص الواقعية للعمل، وتسجل أنه خلال سنوات تدريسها، وتقديم مداخلات حول رواية «الغريب»، التي تعد من أشهر الروايات عالمياً، كتبها كامو بالفرنسية في 1942 وترجمت إلى 40 لغة منها العربية، بأن كثيرين قرأوها مرتين في أغلب الأحيان، والنقاشات الدائرة حولها عادةً ما تكون ساخنة، ومن الأسئلة المطروحة ما يخص ملامح العربي في «الغريب»؟ وهل يمثل «ميرسو» الشرط الإنساني؟ هل يجب التعاطف معه؟ لماذا لم يذرف دموعاً في جنازة أمه؟ ولماذا يريد في نهاية الرواية أن يجتمع الناس لمشاهدة إعدامه ويحيونه بصرخات الكراهية؟ ويتساءل القراء الناطقون باللغة الإنجليزية إذا ما كان استعمال كلمة «الغريب» في ترجمة عنوان الرواية، أصح من كلمة «اللامنتمي»، ويريدون أيضاً معرفة أهمية السياق الجزائري في الرواية، والفرق الذي يحدثه عامل أن يكون «ميرسو»، جزائرياً فرنسياً في إطار «كولونيالي»؟ وسبب عدم إعطاء العربي المقتول اسماً؟

تحقيق مضاد

تقول كابلان: «إن العربي في رواية الغريب موجود في الواقع، والروائي الجزائري «كمال داود» استخرج موسى وميرسو من أنقاض الماضي في عمل مضاد ضمن روايته التاريخية، وفي لقاء جمعها به خلال الرحلة التي قادتها إلى مدينة وهران صيف عام 2014، علقت على روايته «ميرسو تحقيق مضاد»، بالقول «إن رواية داود تحدتني للتفكير في الشخص الضائع في قلب رواية كامو، وقدم لي داود ملاحظة في لقائنا السريع لم أتوقف عن التمعن فيها، حيث قال: «الجزائريون والأميركان والفرنسيون لا يقرؤون «الغريب» بالطريقة نفسها، فلكل منا قراءة استيهامية خاصة به».

لقد تمكن داود في روايته «ميرسو، تحقيق مضاد» من تحدي كاتب فرنسي كبير مثل «ألبير كامو»، والرد على قصة حادثة الاغتيال التي ارتكبتها إحدى الشخصيات الأكثر جدلاً في رواية «الغريب» لكامو وهو ميرسو، ثم الإفصاح عن رواية أخرى للحادث بوجهة نظر جزائرية، مستنطقاً هارون (أخ موسى) في الرواية، وموسى هو (العربي) دون تحديد اسمه.

وتحدث كمال في الرواية بكل غضب عن المستعمرين الفرنسيين، الذين قتلوا شخصاً عربياً لم يكونوا يعرفون اسمه، فبقي دون اسم حتى بعد موته، وعقب على الرواية: «يجب عليَّ أن أخذلكم، أنا لست الشخص الذي يدعو إلى وقف الاستعمار ويريد الانتقام من الروائي الفرنسي كامو»، ولكنه أراد أن يكتب الرواية بعناية، وهكذا تطور البطل خلال الرواية، وهو هارون كأخ توأم لـ ميرسو، وحتى هارون يبدأ عملية قتل غير معقولة، ولكنه لم يقتل عربياً كما فعل ميرسو، بل فرنسياً كان موجوداً في المكان والزمان الخاطئين».

هذه خلفية ما سجل في لقاء بين كابلان وكمال داود، وخروجها في كتابين مختلفين، واحد روائي وآخر استقصائي أكاديمي خاص أيضاً بعمل روائي، وتقاربهما حول العربي الذي بدأت تظهر ملامحه، وإن كانا قد اختلفا في التسمية بقراءة أخرى دفعت بالباحثة «كابلان» إلى الأمام بحثاً عن حقائق أخرى.

ألسنة النار

تحدثت كابلان في الفصل الأول بعنوان «موقد النار» عن قيام كامو في أكتوبر من سنة 1939 بحرق جميع رسائله من صديقاته وزملاء الدراسة وأساتذته التي احتفظ بها خلال خمس سنوات ماضية، أي منذ أن كان يبلغ من العمر 20 سنة، وذلك بعد إعلان فرنسا الحرب على ألمانيا والشروع في حشد الجيوش وإعفائه من التجنيد لأسباب طبية، وبقي يعمل وقتها صحفياً في جريدة على وشك أن تُغلق بقرار من الحكومة.. كما وصفت الشقة المكونة من ثلاث غرف التي قطن بها خلال 17 سنة مع والدته المصابة باضطرابات حادة في السمع، بشارع ليون في بلكور بالجزائر، الحي الذي سكنت فيه الطبقة الشغيلة والدنيا من المستعمرين الفرنسيين، وفيه تعمق شعور كامو وشحذ أذنه للغة وحسه للملاحظة الدقيقة، وطور فكرته المسماة بـ«العبث»، وبحكمة الشاب البالغ من العمر 25 سنة.

وتعود الباحثة في نفس الفصل إلى الحديث عن حادثة حرق كامو لرسائله، حيث ذكرت بأن المسألة جاءت على أثر تعرفه بصديقته «فرانسين فور» ابنة مدينة وهران بعد انفصاله عن زوجته، مشيرة إلى أن ما قام به محاولة منه للتأكيد لها ولنفسه بأن علاقاته القديمة مع النساء صارت من الماضي، ولكنها تلفت أن للأمر علاقة بالمناخ السياسي السائد بعدما أعلنت السلطات الاستعمارية آنذاك أن الانخراط في الحزب الشيوعي مخالف للقانون، ما جعل كامو يظن بأنه تحت الرقابة رغم أنه طُرِد من الحزب المذكور سنة 1937 بعد اتهامه بأنه عنصر «تروتسكي» محرض?.?

ولم ينقذ كامو من ألسنة اللهب إلا بضعة أوراق لكلمات اعتراف بالموهبة من الكاتب الفرنسي «هنري دي مونترلو»، ومسودة عمل روائي خيالي لم يخرج إلى النور تحت عنوان «موت سعيد»، ودفتر يوميات وضع فيه بعض الأفكار والصور، لكن الأهم منها جميعاً كانت رواية جديدة بدأ كتابتها للتو آنذاك، عنوانها بـ«الرجل غير المبالي»?.?

في شهر أغسطس من سنة 1939، أمضى كامو ثلاثة أيام في مدينة وهران، حيث شكلت تلك الرحلة بالنسبة له عزاء عن السفر الذي حلم بالقيام به رفقة «فرانسين» إلى اليونان، وصار مستحيلاً بسبب الأجواء الدولية المشحونة، ورغم عمله في جريدة «ألجي ريبيبليكان» (الجزائر الجمهورية)، فإن كامو أصبح يقضي وقتاً أطول في مدينة وهران مع فرانسين وعائلتها والعدد الكبير من أصدقائهم. كان يقرأ الصحف اليومية الصادرة في المدينة، خصوصاً الجريدة اليمينية «إيكو دوران» (صدى وهران) التي ساندت رئيس بلدية وهران الفاشي آنذاك، ومثلت كل ما يتعارض مع قناعات ألبير كامو?.?

شجار الشاطئ

خلال إحدى زياراته لمدينة وهران، سمع كامو عن قصة سلبت خياله لعدة غايات: الإخوة «راؤول وإدغار بن سوسان»، وهم من الرجال الثلاثة الذين أثاروا اهتمام الكاتب قبل الحرب، حيث زود الإخوة بن سوسان أوليفيي تود، كاتب سيرة كامو، بواقعة ومجموعة من التفاصيل حول «عربيين اثنين امتلكا جرأة دخول شاطئ مخصص للأوروبيين فقط، وأثار أحدهما شجاراً».

وأخذت وقائع القصة منحى سيئاً باستمرار أحد العربيين النظر إلى زوجة «راؤول بن سوسان» أو صديقته، وعندها تصارع راؤول مع العربي، وبدأ الأول يتغلب على الثاني قبل أن يشهر العربي سكيناً ويسبب جرحاً لراؤول على وجنته وساعده، ما دفع المصاب إلى الانسحاب نحو منزل صغير على الشاطئ كان قد اتخذه للاستجمام مع أصدقائه، وقام طبيب بتضميد جرحيه، قبل أن يعود بعد الغذاء إلى الشاطئ سعياً للانتقام وفي جيبه مسدس، وقد عثر على العربي وصديقه ودخل معهما في شجار ثان.?

ويتطابق تسلسل الأحداث المذكورة، بحسب أليس كابلان، مع وقائع الجريمة التي ارتكبها ميرسو في رواية «الغريب» بشكل محير مع وجود بعض الاستثناءات، فراؤول لم يستعمل سلاحه أبداً، كما أن قوات الأمن قامت بتوقيف العربيين ولم يُتابع الإخوة ابن سوسان بأية تهمة، مضيفة بأن كون «ابن سوسان» يهودياً جعل الشجار مختلفاً عن القصة الخيالية التي كتبها ألبير كامو. وكان اليهوديان يتمتعان بالجنسية الفرنسية بموجب قانون كريميو، لكنها نبهت إلى نقطة مهمة، فالشخصان المذكوران من السكان المحليين رغم ديانتهما، وبالتالي فهما يتقنان اللهجة العربية الجزائرية ولن يكون العراك صامتاً على عكس ما وقع بين ميرسو والعربي في الرواية?.?

تقلص بعد ذلك وقع شجار الشاطئ المذكور بسرعة بفعل أخبار الحرب العالمية الثانية التي بدأت تلقي بظلالها، لتعلن بعد ذلك بمدة قصيرة فرنسا وإنجلترا الحرب على ألمانيا النازية، وفي سنة 1940 انتقل ألبير كامو للعيش في مدينة وهران حيث قدم دروساً خصوصية في الفلسفة والتاريخ بعد توقف جريدة «لوسوار ريبيبليكان» (مساء الجمهورية) ودخوله مرحلة البطالة، ولم يتزوج من صديقته فرانسين لأن طلاقه من زوجته «سيمون هيي» لم يكن نهائياً، وكان يتجه إلى عدة شواطئ للكتابة، ومنها «بويسفيل»، الذي وقعت به المشاجرة بين العربي وراؤول بن سوسان، وشاطئ «تروفيل». وكتب عن المنازل الصغيرة بألوانها الخضراء والبيضاء، وعن السماء الضاربة في الزرقة والساعات الطويلة التي قضاها تحت أشعة الشمس، والأسى الذي يعانيه من يجد نفسه معلقاً بين الحياة والموت. وفي السنة نفسها بدأت «الغريب» تتخذ شكلها الواضح، وتُلاحظ الكاتبة بأن شخصية بطلها ميرسو تتطابق مع صفات بطل رواية «موت سعيد»، فضلاً عن أن كلمة ميرسو اسم متداول بين إحدى المجموعات العرقية الإسبانية من الأوروبيين الذين عاشوا بمدينة وهران?.?

تقفي الآثار

ذهبت الباحثة بعيداً في رحلة التنقيب عن المعلومات حول راؤول بن سوسان، «ميرسو» القصة الواقعية لشاطئ «بويسفيل»، حيث وجدت بأنه استدعي للالتحاق الجبري بالقوات الجوية في سنة 1939، ليسرح من الخدمة بعد ذلك بسنة على أثر الهزيمة، وبسبب تجريده من الجنسية الفرنسية في أكتوبر 1940 لم يصبح مؤهلاً للتجنيد مرة أخرى. وقد دخل الحلفاء شمال أفريقيا في نوفمبر 1942، لكن الجنرال «جيرو» المكلف آنذاك بما كان يعرف بـ«الإقليم الفرنسي المحرر» رفض إعادة الجنسية ليهود الجزائر من أجل الإبقاء على «التساوي» بين السكان الأصليين. وعندما عاد ألبير كامو إلى وهران في يناير 1941 بعد رحلته في فرنسا مرفقاً بمسودة «الغريب» استُقبل بمشهد العائلات اليهودية التي تغير وضعها رأساً على عقب بسبب الصفة المعادية لليهود التي مُنحت لهم على غرار عائلتي جاك ديريدا وهيلين سيكسو، اللذين كان يعرفهما كامو.?

في الفصل الذي عنونته بـ «إيكو دوران» (صدى وهران)، تقول أليس كابلان إن «المصدر مجرد بداية في فن الخيال، فهو شعلة الاختراع، لكنه من المهم جداً، العودة إلى قصة الإخوة ابن سوسان مثلما تطرق إليها أوليفيي تود لسبب بسيط، يتمثل في أن العربي في وقائع «بويسفيل» وصلنا كشيفرة غامضة لا تحمل اسماً ولا ملامح، كالشخصية التي ذكرها كامو في روايته».

خلال سنتين سافرت الباحثة إلى جميع الأماكن المتعلقة برواية «الغريب» في كل من الجزائر وفرنسا، ومشت في الشارع المسمى سابقاً «شارع ليون» في الجزائر العاصمة، صعدت إلى مرتفع سيدي إبراهيم، وطرقت الأبواب بهدف عثورها على البيت الخارج من العالم، والذي تسكنه اليوم ثلاثة أجيال من النساء القبائليات اللاتي لا يتقن لا العربية ولا الفرنسية.

في محطتها الأخيرة، مدينة وهران، تحركت بحسب ما أرشدها إليه رئيس جمعية محلية تسمى «الأفق الجميل»، التي تهتم بكل المراحل التاريخية للمدينة وجميع الخصائص التي تميزها، وأكدت أن عبد الحق عبد السلام &ndash مؤسس الجمعية- على اطلاع كبير بعادات ألبير كامو والأماكن التي كان يجول بها في المدينة وما كتبه عنها، وقادها أيضاً، إلى مختلف المقاهي والشوارع والمطاعم التي ارتادها الكاتب من قبل، فضلاً عن أنه يحفظ عن ظهر قلب مقولاته، وتُوضح بأنه اصطحبها إلى المطعم الذي كان رواق العرض الخاص بأصدقاء كامو سابقاً، وإلى الشارع اليهودي القديم والمكان الذي وجدت فيه صومعتهم، بالإضافة إلى توقفهما لمشاهدة عدد من البنايات التي علم فيها كامو التلاميذ اليهود المطرودين من المدارس.

قدور العربي

في وهران، حيث مقر جريدة الجمهورية المعربة بعد استقلال الجزائر، سمح للباحثة «كابلان» بالبحث في أرشيفها الموروث من زمن الاستعمار الفرنسي والمعروفة بيومية الجناح اليميني «إيكو دوران» أو (صدى وهران)، وهنا تقول: «لقد كنت أفكر فيهم جميعاً راؤول وإدغار بن سوسان وريمون سينتيس، ميرسو والعربي الذي لا اسم له.. وقد بدأت أقرأ الأرشيف الورقي للجريدة من سنة 1939، من الصيف الأخير الذي عمل فيه كامو مع جريدة «ألجي ريبيبليكان» (الجزائر الجمهورية)، عندما كان يسافر من وقت إلى آخر لزيارة صديقته فرانسين فور. وفي العدد الصادر يوم 31 يوليو 1939 قفز إلى عيني عنوان ورد فيه «شجار عنيف على شاطئ بويسفيل»، كان موضوعاً قصيراً لكنه مليء بالتفاصيل التي ذُكر فيها كل من راؤول بن سوسان والعربي، وكان راؤول يعمل ميكانيكي سيارات، وجاء إلى مكان الحادثة على متن قارب مزود بمحرك رفقة زوجته وشقيقه وصديق آخر».

وكشفت الباحثة بأن العربي يدعى قدور بطويل، وجاء اسمه في الجزء الذي نقلته من الموضوع وكان نصه كالآتي?:? «كان الشابان يقضيان وقتاً ممتعاً عندما هاجمهما ساكنان أصليان، من دون شك تحت تأثير المخدرات، وقاما بخلق شجار مع السيد ابن سوسان ورفاقه، حيث بدأت الحادثة بالشتم، لتنهمر بعدها الضربات باللكمات وبعدها بسكين، جُرح بسببه السيد ابن سوسان بشكل خطير وطعن مرتين بخنجر على مستوى ساعده الأيسر ووجنته اليمنى، وتبين بأن من قام بالهجوم، هو المسمى قدور بطويل، البالغ من العمر 19 سنة ويقطن بعين الترك (وهران) مع والديه?.? تمت السيطرة على المعتدي وتوقيفه من طرف أحد عناصر الحرس الجمهوري يدعى «ديبوا» والدركي المسمى «بارجي» اللذين كانا يقومان بحراسة الطريق وقدما بسرعة ما إن علما بأمر الشجار، فيما فر المعتدي الثاني من مكان الجريمة، وأُعلن إنذار لتوقيفه، وسيتم إلقاء القبض عليه قريباً، كما تجدر الإشارة إلى أن قدور بطويل تلقى عدة ضربات على مستوى الرأس وحاجبه أثناء الشجار?.«?

بعد الحادثة نشرت الجريدة خبراً ثانياً، يوم 3 أغسطس، مفاده أن قدور بطويل قد أودع الحبس، في حين تضع الكاتبة ملاحظات مهمة حول النبرة التي حملتها لغة المقال، وتظهر فيها الجزائر المُستعمرة، حيث إن راؤول بن سوسان ذُكر باسم «السيد» بينما لم يعطِ للعربي غير اسمه ولقبه فقط، مشيرة إلى أن اليهودي أُعجب بالامتيازات التي تمنحها له جنسيته الفرنسية، وذكرت أيضاً بأن السيرة التي كتبها تود لم تضم اسم العربي.

حقائق التاريخ

في خطوة أخرى، قامت أليس برفقة مرشدها في وهران بالتوجه نحو منطقة عين الترك بحثاً عن عائلة العربي، وتم التعرف عليها بسرعة كونه ينتمي إلى واحدة من كبار العائلات بالمدينة، وعلمت أن قدور بطويل توفي سنة 2002 بينما لا يزال شقيقه وشقيقته على قيد الحياة ويعيشان في عين الترك، وكشفت عن العائلة بأن لقبها الحقيقي هو «طويل»، بينما أضافت الجريدة الفرنسية آنذاك حرف «الباء» مثلما كانت تضيف بشكل عشوائي كلمة «ابن» إلى ألقاب المسلمين واليهود.

وتعود كابلان إلى تاريخ العائلة بعين الترك، مشيرة إلى أن المنطقة كانت في الثلاثينيات مكونة من عائلتي «بوخاتم وطويل»، لكن واحداً من أعيان العائلة الأولى اشتكى لدى رئيس البلدية من والد «قدور طويل» بتهمة تهديده بالقتل في سنة 1935، نظراً لكثرة المشاكل المسجلة بين العائلتين، كما عبرت عن دهشة شقيق قدور الذي لا يزال حياً، ويدعى جيلالي طويل، وزوجته وابنته وشقيقته حول قيام أكاديمية أميركية بالبحث عنهم من أجل استكمال دراسة تقوم بها حول ألبير كامو، ولكنهم مع ذلك وافقوا على لقائها واستقبلوها بكل رحابة صدر داخل بيتهم بالشاي والنعناع والحلويات والكعك المعد في المنزل، وتضيف بأن بيت عائلة طويل مُنجز على أنقاض مزرعة إسبانية قديمة قضى فيها ألبير كامو عطلته مع أصدقائه في سنة 1942 في انتظار الرخصة للسفر إلى فرنسا من أجل تلقي العلاج لمرض السل الذي كان يعاني منه?.?

ولم يكن لـ «قدور» حسب الباحثة، أية مخاوف من المغامرة بالدخول إلى شاطئ أوروبي في «بويسفيل» يوم الحادثة من سنة 1939، فقد كان المكان كاملاً كبيت له هناك ووالده كان من أعيان المنطقة، ويحمل قدور شهادة إنهاء التعليم الابتدائي، ويتقن أربع لغات: العربية والإسبانية والفرنسية والأمازيغية.

ونقلت عن شقيقته إن أخاها قدور كان في غاية الوسامة ويحب التجول مع الأوروبيين على الشاطئ أيام كل سبت، وكانت له صديقة فرنسية تدعى «سوزي» لكن والديها ما كانا ليقبلا بأن يتزوجها.

وتصف الباحثة أن شقيقة قدور المسماة «خيرة»، والبالغة من العمر 95 سنة، كانت ترتدي ثوباً طويلاً من الحرير وتتوجه إليها بلغة فرنسية راقية، لتعلمها أن أخاها قدور كان أخاً جيداً ويتحدث بلغة فرنسية جيدة ويشرب الخمر وغالباً ما يدخل في شجارات، وعلى الرغم من أنها لا تتذكر حادثته مع الإخوة «ابن سوسان» فإنها أكدت على أنه لا شيء خاص فيها. كما وصفت الكاتبة مسار قدور طويل في الحياة بأنه كان شبيهاً بمسار ألبير كامو، فهو لم يكن مؤهلاً للتجنيد في الجيش الفرنسي، وأصيب بالسل في السجن، وسافر بعدها إلى فرنسا للعلاج مثلما جرى مع كامو، لكن قدور تزوج ممرضته الفرنسية وعادا معاً إلى عين الترك سنة 1954، وأصبح بعدها رجل أعمال ناجح لكنه سجن فيما بعد بتهمة اغتصاب مهاجرة مغربية بالمنطقة، بحسب ما جاء في كتاب أليس كابلان، وحاول والده حل المشكلة من خلال تزويجه بها لكن قائد المنطقة رفض الأمر بشكل قاطع ومنع ذلك?.?

وترى أليس كابلان في الخاتمة التي وقعتها بتاريخ 1 ديسمبر 2014 بأنه من المهم تحرير شخصية العربي الحقيقية، قدور طويل، من الثقل الرمزي لرواية ألبير كامو، قائلة: «إن للعربي على الشاطئ اسماً، وكان يتكلم أربع لغات ويواعد صديقة فرنسية، حمل في يده سكيناً واستعمله، ومثل كامو كان مصاباً بالسل، وأُعفي من الخدمة العسكرية... وأنهيت بحثي بهذه المصالحة الخيالية بين ألبير كامو وقدور طويل».

سفر وبحث

خلال سنتين سافرت الباحثة إلى جميع الأماكن المتعلقة برواية «الغريب» في كل من الجزائر وفرنسا، ومشت في الشارع المسمى سابقاً «شارع ليون» في الجزائر العاصمة، صعدت إلى  مرتفع سيدي إبراهيم، وطرقت الأبواب بهدف عثورها على البيت الخارج من العالم، والذي تسكنه اليوم ثلاثة أجيال من النساء القبائليات اللاتي لا يتقن لا العربية ولا الفرنسية.

اقرأ أيضا