الاتحاد

ثقافة

«ليلك ضحى»: سؤال الحب والحرب

مشهد من مسرحية «ليلك ضحى» (تصوير متوكل مبارك)

مشهد من مسرحية «ليلك ضحى» (تصوير متوكل مبارك)

إبراهيم الملا (الشارقة)

من يحرس الوجد، من يعتني بالعاشقين، من يروي الورد، ويهدي الحائرين، من ينزع الشوك من الشوق، من لكل هذا الوجع، والأنين طويل، والليل ثقيل، من يكتب الحب قصيدة، والذئاب على أبوابنا واقفة، وقلوبنا راجفة، وحصادنا أنياب وخراب.
هكذا يأخذنا عرض «ليلك ضحى» للمخرج والمؤلف غنّام غنّام -ضمن عروض المسابقة الرسمية لمهرجان أيام الشارقة المسرحية- إلى فضاء شاسع، تنهدم فيه الثنائيات المتنافرة، ثم تلتحم، وتفترق، تتعانق وتتقاتل، وبين هبّات العطر ورائحة البارود، بين صوت الموسيقا وضجيج الرصاص يكبر السؤال ويصرخ فينا: إلى متى نذبل والمحبة باسقة، إلى متى نكره بعضنا وما يجمعنا أكثر مما يمزقنا.
سؤال مؤلم وفضّاح سيتردد صداه في أرض الحكاية، في صحرائها، وبساتينها، في الماضي والراهن، والقادم، في سينوغرافيا أليفة يؤسس لها العرض بانصياع كامل لذاكرة غنام غنام نفسه، لسيرته، ومكاشفاته، وتجلياته أيضاً، راصداً من خلال وعي عميق، ما صنعه انهزامنا الداخلي أمام كارثة رضعت ببطء من حليب أسود، ومن أفكار معتمة حسبناها وهماً وجنوناً واختلالات طارئة.
يستند عرض «ليلك ضحى» لفرقة المسرح الحديث بالشارقة على جمع المتضادات وهي في أوج احتدامها، حيث تشتبك رهافة الحب مع ضراوة الحرب، وتتقاطع نسائم العشق ومريديه، مع عواصف الغلظة وصنّاعها، انطلاقاً من تلك العلاقة الآسرة بين ليلك (الفنانة علياء المناعي) وبين ضحى (الفنان رائد الدالاتي) عندما يتفق العاشقان على شغف يجمعها وهو الفن، فليلك مدرسة موسيقا، وضحى مدرس أداء مسرحي، تضطر ليلك للذهاب مع ضحي بعد زواجهما إلى حيث يسكن، هناك في قرية «تلة القمح» حيث ينبت الجهل وتينع بذور التطرف الديني، وكأنها قرية موعودة بسنابل جارحة، تنتظر الوقت المناسب كي تفجّر أمواسها وسكاكينها في الجميع. تعترض والدة ليلك (الفنانة آلاء شاكر) على هذا الزواج بداية، لأنه يبعدها عن ابنتها مسافة 500 كيلومتر، ويبعدها أيضاً عن ترف اعتادته ابنتها في المدينة، لكن الحب الجامع بين العاشقين يذوّب المسافات ويلغيها.
يتدخل الشيخ البلداوي (الفنان إبراهيم سالم) في شؤون البيت الصغير بالقرية النائية، ويتودد للزوجة الشابة ليلك رغم ادعائه الورع، طارحاً بذلك إشكالية التديّن الظاهري، المكسو بالزيف، وبالنوايا الشيطانية الكامنة، فعندما يهجم المتطرفون على القرية يصبح الشيخ البلداوي ذراعاً وعضداً لزعيمهم أبو البراء (الفنان فيصل علي)، ويتحين الفرص كي يستولي على ليلك باعتبارها سبية وغنيمة تم أخذها من حصة الكفار والزنادقة والمنافقين، سمات نلحظها أيضاً في شخصية أبو سعيد (الفنان محمد جمعة) وهو يعبّر عن ثقافة دينية مغلوطة ومعرفة تاريخية ضحلة، يخدع بها أبناء القرية البسطاء.
وفي حكاية موازية نرى الشاب حمود (الفنان عمر الملّا)، تلميذ ضحى، العاشق للمسرح والمتيم بمحبوبته فاطمة (الفنانة هلا البصّار)، وهو يتحول في لحظة فارقة ومأساوية إلى إرهابي مسلّح يروّع الآمنين وينشر الذعر بين أهالي القرية المسالمين، بينما تتسرب صورة فاطمة في المشاهد الناعمة بالعرض، وكأنها الطيف البتول، والخيال الفاتن والغناء الشجي، وسط عذابات صارخة صدّرها الوحوش، ومغتصبو البراءة، وسدنة التوبة من الإثم الجماعي حسب تفسيراتهم الضيقة وأهوائهم العمياء.
يصل العرض إلى ذروته مع حصار الجماعات المتطرفة للعاشقين الهاربين ضحى وليلك، بعد أن يستعيد حمود عافيته الإنسانية وينقذهما مؤقتاً من مخالب الظلاميين، ومع شدّة الحصار وسوداوية المصير المنتظر يقرر الاثنان الخلاص الاختياري، وهزيمة الموت الداكن، بموت ناصع، انتصاراً للأنا الذائبة في المحبوب، وقهراً للآخر المنذور للاستبداد والكراهية القصوى.
يختتم المشهد على صف شموع تهطل بضيائها الوارف على جسد العاشقين النائمين في سرير الأبد، والمغسولين بدم طاهر، وبنشوة تتعلّى فوق كل دنس.
استطاع المخرج غنّام غنام تقديم عرض رشيق وغير متكلّف، معززاً رؤيته الإخراجية بموسيقا حيّة ومؤثرات لحظية نابعة من داخل العرض لا من خارجه، واستطاع مصمم الإضاءة (الفنان محمد جمال) استيعاب النقلات والتحولات الدرامية في العرض، وخلق التوازن البصري بين حالات الهيام العاطفي والتداعي الحر في حوارات العاشقين، وبين حالات التوتر المشهدي عند هجوم الإرهابيين على القرية، توازن منح العرض بعداً مشهدياً مؤثراً ولصيقاً بمضمون الحكاية.

اقرأ أيضا

"المملوك جابر".. مغامرة مسرحية لمخرج واعد