تقارير

الاتحاد

روسيا... عنف مدرسي على الطريقة الأميركية

ليونيد برشيدسكي
كاتب متخصص في الشأن الروسي


كان الروس يعتبرون بلدهم في منأى عن عنف المدارس الذي عانت منه الولايات المتحدة في حوادث مأساوية مثل إطلاق النار في مدرسة «ساندي هوك» الابتدائية ومذبحة مدرسة كولومباين الثانوية؛ ولكن «سيرجي جوردييف» بدد لهم هذه الفكرة اليوم بعد أن قتل معلم وشرطي بمدرسته في شمال موسكو.
خبر إطلاق النار، الذي وقع في التاسع من فبراير الماضي، دفع البعض إلى عقد تشبيهات مع الولايات المتحدة؛ حيث كتبت «تانيا موروزوفا» على شبكة التواصل الاجتماعي الروسية «فوكونتاكت» تتساءل: «هل أُصبنا بالعدوى من الأميركيين؟»؛ وأرسل نادر كورامشين تغريدة على موقع «تويتر» قال فيها: «إن السبب في كل ذلك هو الأفلام والرسوم المتحركة الأميركية»، مضيفاً «يجب أن يربى أطفالنا على الأفلام الروسية أو السوفييتية حتى لا يهاجموا المدارس مثلما يحدث في أميركا».
كما عبَّر خبراء ومسؤولون عن آراء مماثلة؛ حيث قال المعلق التلفزيوني والإذاعي سيرجي دورينكو لموقع actualcomment.ru إن مزيداً من الدروس الأخلاقية في الأدب الروسي هو العلاج. ومن جانبها، قالت رئيسة لجنة الأمن في البرلمان إيرينا ياروفايا، وفق الموقع الإلكتروني لحزبها «روسيا المتحدة»: «علينا أن نستخلص الدروس والعبر من الأمثلة الوحشية التي تحدث بشكل يومي تقريباً في الولايات المتحدة».
وصحيح أن الولايات المتحدة لديها أحداث إطلاق نار مسجلة أكثر من أي بلد آخر. ففي 2011، قام 7?4 في المئة من طلاب المدارس الثانوية الأميركية بالتبليغ عن تعرضهم للتهديد بواسطة سلاح – مسدس أو سكين أو عصا – في المدرسة، وفق مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. ومن عام 1992 إلى 2009، كانت ثمة 14 إلى 34 جريمة قتل سنوياً في المدارس الأميركية. وإذا كانت بلدان أخرى، مثل فنلندا والصين، قد شهدت أيضاً حوادث إطلاق نار في المدارس، فإن هذه الحوادث لم يُسمع بها من قبل في روسيا.
«جوردييف» كان طالباً متفوقاً على ما يقال في الصف العاشر بمدرسة 263 في شمال موسكو. ذهب إلى المدرسة متأبطاً ببندقية الصيد الخاصة بوالده، وأرغم حارس المدرسة على السماح له بالدخول، ثم قصد قسم البيولوجيا حيث أطلق النار على أستاذ الجغرافيا والبيولوجيا أندري كيريلوف، 29 عاماً. ولما وجد أنه مازال حياً، أجهز عليه بواسطة طلقة أخرى في الرأس. وأفاد موقع Life.ru الإلكتروني، الذي تحدث مع زملاء جوردييف في الدراسة، أن المراهق كان غاضباً جداً من الأستاذ لأنه أعطاه علامات يمكن أن تفسد سجله الدراسي الممتاز، غير أن دوافع دوردييف الحقيقية مازالت غير معروفة.
وبحلول الوقت الذي أطلق فيه «جوردييف» النار على الأستاذ، كان الحارس في الطابق الأرضي قد ضغط زر الخطر، فوصلت الشرطة بسرعة. ولكن الطالب المراهق (15 عاماً) قابلهم بإطلاق النار، فقتل رقيب الشرطة «سيرجي بوشويف» وأصاب آخر بجروح خطيرة. ولاحقاً، اتصل به والده عبر الهاتف المتحرك، وأقنعه بالإفراج عن الأسرى ورمي سلاحه عبر النافذة. ولأنه مازال قاصراً، يواجه جوردييف عقوبة بالسجن لمدة 10 سنوات بدلا من السجن المؤبد في حال أدين بجريمة القتل.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار إلى حادث إطلاق النار في اجتماع مع شخصيات ثقافية إذ قال: «إننا في حاجة إلى تعليم جيل جديد من المشاهدين الذين يمتلكون ذائقة فنية جيدة، وفهماً وإعجاباً بالمسرح والدراما والموسيقى»، مضيفاً «وإذا قمنا بذلك على النحو الصحيح، فربما لن تكون ثمة مآس مثل تلك التي حدثت في موسكو اليوم».
والواقع أن لدى روسيا قوانين صارمة بخصوص حيازة الأسلحة؛ ذلك أن إجراءات الحصول على رخصة سلاح صعبة ومعقدة وتشمل إجراءات تحقق من الخلفية الصحية والإجرامية للمتقدم بطلب الحصول على رخصة. غير أن حقيقة أن كل هذا لم يحل دون وقوع جريمة جوردييف يشير إلى أن مطلق نار مصمما سيكون قادراً على الحصول على سلاح. وقد تبين أن «جوردييف» مهتم بالأسلحة النارية وبالانتقام من الأساتذة؛ حيث تضمنت صفحته على موقع «فكونتاكت» قصة مقلب شرير لأستاذ الفيزياء ورابط فيديو لـ«أسرع مطلق نار في العالم».
غير أنه بدلاً من إلقاء اللوم على الولايات المتحدة، يجدر بالأشخاص المهتمين بتجنب حادث إطلاق نار آخر في المدارس الروسية أن يلقوا نظرة على صفحة المدرسة على «فكونتاكت» حيث اعتبر بعض المعلقين «جوردييف» بطلا لأنه تحدى السلطة. كما كتب «ألكسندر دراف» على «لايف-جورنال» في تبرير جزئي لما قام بها «جوردييف»: «إذا كنت مختلفاً نوعاً ما عن زملائك في القسم، فإنهم سيعاملونك معاملة سيئة».
ولأن الروس كانوا دائماً ينظرون إلى عنف المدارس المميت باعتباره شيئاً لا يحدث إلا في أميركا، فإنهم لم يروا سبباً لمعالجة تفشي المضايقة والتنمر بين الطلاب والسلوك السادي لبعض الأساتذة. غير أن حالة جوردييف تشير إلى أن المراهقين الروس، وعلى غرار أقرانهم عبر العالم بأسره، يمكن أن يكون لديهم رد فعل عنيف على التوتر. أما ضخ مزيد من الثقافة الروسية، أو حظر ألعاب الفيديو الأميركية، أو حتى حظر تام على الأسلحة ، فلن يعالج ذلك.
وخلاصة القول إن على روسيا أن تستفيد من الكم الهائل من البحوث التي أُنجزت حول أحداث إطلاق النار في المدارس الموجودة في أميركا وتشرع في البحث عن طرق لتخفيف التوتر الاجتماعي في النظام المدرسي. وفي بلد يخلو من تقاليد في العنف المدرسي، فإن الوقاية قد تحقق نتائج أفضل مما حققته في الولايات المتحدة، حيث ظل عدد حالات العنف المميت في المدارس مستقراً نوعاً ما خلال العشرين عاماً الماضية رغم ازدياد الوعي بالمشكلة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا