الاتحاد

تقارير

لماذا يقلق الروس من جلسة «كومي»؟!

جلسة الاستماع، التي عقدت مؤخراً، حول التدخل المزعوم لروسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية، والاتصالات المزعومة بين حملة دونالد ترامب والكرملين، أسفرت عن خبر ملهم لمعارضي ترامب، هو أن مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف.بي.آي» ينظر في المسألة بشكل رسمي في الوقت الراهن. ولكنني لم أكن مُلهَماً مع ذلك، وإنما كنتُ قلقاً بعض الشيء. وما أقلقني كان هذه العبارات المتبادلة:
-النائب، جاكي سبير، (ديمقراطي- كاليفورنيا): هل تعرف أي شيء عن «جازبروم»، أيها المدير؟
-مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «جيمس كومي»: «لا.. لا أعرف».
-سبير: حسناً.. إنها شركة نفط.
وجازبروم، كما هو معروف، هي أكبر شركة نفط روسية. وهي تمتلك مشروعاً نفطياً اسمه «جازبرومنيفت»، ولكنها، بشكل رئيسي، تبيع الغاز الطبيعي، الذي تعتبر حتى الآن هي أكبر منتج له على مستوى العالم. وهي تغطي ما يقدر بـ34 في المئة من احتياجات دول الاتحاد الأوروبي من الغاز.
ولكن الشيء الواضح من إجابة كومي، مع ذلك، أنه باعتباره رئيساً لجهاز استخبارات محلي، لم يكن يشعر بحاجة ملحة لمعرفة الكثير عن الدول الأجنبية.
وهذا يمثل مشكلة في الحقيقة، لأن السؤال المفتاحي، لأي تحقيق عن تدخل روسي مزعوم في انتخابات 2016 الرئاسية الأميركية، هو ذلك المتعلق بما إذا كان روس متورطين، أم لا، في تلك الانتخابات، ونوعية ومدى ارتباطهم بالحكومة الروسية، أو أجهزتها الاستخباراتية؟!
وفي هذا الخصوص، نجد أن تحقيق «إف بي آي» حول هذه المسألة، الذي بدأ في يوليو، لم يذهب بعيداً. فحتى لو افترضنا أن أجهزة الاستخبارات الأميركية، لديها أدلة جيدة، تجعلها تربط ما بين اختراق اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، وحساب البريد الإلكتروني لـ«جون بوديستا» رئيس حملة هيلاري كلينتون، وبين مجموعة -أو مجموعات- روسية، فإن هذه الأدلة لم تعلن حتى الآن على الملأ، من قبل تلك الأجهزة، فضلاً عن أنه لا يوجد وضوح كافٍ بشأن الكيفية، التي سقطت بها المعلومات المتعلقة بتفاصيل هذه الاختراقات، في أيدي جوليان أسانج مؤسس موقع «ويكيليكس».
ويفترض أن كومي، كان يعتقد أن قول المزيد عن هذا الأمر، يمكن أن يؤثر بالسلب على التحقيق الذي يجريه الجهاز، وأن هذا الافتراض هو الذي دفعه هو و«مايكل روجر»، مدير وكالة الأمن القومي، للامتناع عن الإجابة عن أسئلة تتعلق بحلفاء معينين لترامب. ولكن السؤال الذي يثار في هذا السياق هو: هل يمكن لشخص يكاد لا يعرف شيئاً تقريباً عن روسيا، أن يقدم حكماً صائباً بشأن حدوث اجتماع ما، أو تبادل للبريد الإلكتروني مع طرف روسي معين، يقدم «أساساً معقولاً» يمكن الاستناد إليه في الحكم بأن طرفاً أميركياً ما كان يعمل كعميل لدولة أجنبية؟
على ما يبدو أن بعض المشرعين الذين شاركوا في جلسة الاستماع، قد وضعوا عتبة منخفضة للاشتباه. فاللقاء مع السفير الروسي سيرجي كيسلياك، مشتبه به، لأن كيسلياك -على حد تعبير النائب «آدم شيف» (ديمقرطي- كاليفورنيا)، يرأس سفارة روسيا، التي سيطرد منها فيما بعد، أفراد من الدبلوماسيين، باعتبارهم جواسيسً محتملين!
فالتعامل مع أي روسي، أمر يدعو للشك، من وجهة نظر النائب «شيف»، الذي يحاول التدليل على وجهة نظره هذه بقوله: «إنني عندما أقول ذلك فإنني أضع في ذهني شبكة عنكبوت، يكمن في وسطها تماماً عنكبوت سام، هو فلاديمير بوتين الذي يصطاد بخيوطه العديد من الناس، ويدفعهم لتنفيذ مخططاته، وللانخراط معه، وسأدمج معه أشخاصاً من أمثال، روجر ستوني، وكارتر بيج، ومايكل كابوتو، وفيلبر روس، وريكس تيلرسون».
ونقص المعلومات واستدعاء نظرية المؤامرة مع رغبة عارمة في التعميم قدر المستطاع، أمور تمثل عادة المكونات الأساسية لأية حملة لمطاردة الساحرات! وما أخشاه أن يكون كومي، وهو ليس خبيراً في الشؤون الروسية، معرضاً للتأثر بالحالة المزاجية التي يحاول خصوم ترامب فرضها في الوقت الراهن، الأمر الذي يمكن أن يؤثر على محصلة جميع التحقيقات التي يتم إجراؤها حول هذا الأمر.
وفي رأيي، أن الضجة المثارة حول الفضيحة الحالية، ستولد لدى الأميركيين شكاً مستحكماً تجاه الروس، وستخلق عنصراً من عدم الثقة في أي صفقات عملية محتملة، أو أي تبادلات ثقافية، بل وأي علاقات شخصية. وهذا الأمر بالغ الضرر، وستتطلب معالجته جهداً كبيراً، ووقتاً طويلاً تماماً مثلما كان الحال، مع عدم الثقة التي كانت قائمة بين أميركا وروسيا إبان حقبة الحرب الباردة.
إن الطريقة الوحيدة للحد من الضرر الذي يمكن أن ينتج عن ذلك، من وجهة نظري الشخصية، هي أن يبذل الأميركيون الذين يجرون التحقيق في الفضيحة جهداً أكبر، من أجل فهم الطريقة التي تعمل بها روسيا تحت حكم بوتين، وشبكة العلاقات المعقدة التي تحيط بالكرملين. فهذا الأمر ضروري للحصول على فكرة أكثر وضوحاً، عما حدث.
أما خوض حملة ضد كل ما هو روسي، فلن يؤدي إلى شيء سوى تحقيق نصر لبوتين ورجاله، الذين سيضحكون في سرهم من العقول الأميركية البدائية، التي تحاول، دون جدوى، فهم الأعمال السرية لدولة معقدة، والتي ستتعرض حتماً لإغراء تضخيم ارتباكها بأي طريقة. والدقة، والتحديد الدقيق للأمور، والاستنتاجات القائمة على معلومات، من جانب المحققين، هي فقط الكفيلة بتقليص هذا الإغراء.

* كاتب ومحلل سياسي روسي مقيم
في برلين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوزسيرفس»

اقرأ أيضا