الاتحاد

تقارير

سكان الموصل.. بين نارين!

في نوفمبر من العام الماضي، وقبل ضربات جوية استهدفت مقاتلي «داعش» في مدينة الموصل، طلبت الحكومة العراقية من سكان حي في شرق المدينة عبر محطات الإذاعة، وفي منشورات ألقت بها طائرات، أن يبقوا في منازلهم. وقد اتبعت الأسر التعليمات بدقة. ولكن القنابل تساقطت عليهم. ووصف سكان الموصل المثقلون بمشاعر الحزن والغضب كيف أنه قد طُلب منهم البقاء في المنازل ثم تساقطت عليهم القنابل داخلها. وأثناء رحلتي في شرق الموصل في وقت مبكر من شهر مارس المنصرم سمعت هذه القصة بصور مختلفة من أفراد أسر فقدوا ذويهم في ضربات جوية نفذتها قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة ضد «داعش». وشهدت الموصل في الآونة الأخيرة تصاعداً في وفيات المدنيين. وتشير تقارير إلى أن ضربات جوية في 17 مارس أودت بحياة أكثر من 100 مدني في حي الجديدة في غرب الموصل. وذكرت السلطات العراقية في بداية الأمر أن المدنيين قتلوا في هجوم لـ«داعش»، ولكن مصادر عسكرية أميركية أشارت إلى أن الولايات المتحدة «لها دور على الأرجح» وتم فتح تحقيق.
ودائماً ما تكون الحرب داخل المدن محفوفة بالمخاطر بالنسبة للسكان المدنيين، ومن السذاجة أن نأمل أن العملية العسكرية لإعادة الاستيلاء على الموصل بعد ثلاث سنوات تقريباً من الاحتلال القمعي للمدينة من طرف «داعش»، كان من الممكن أن تمضي دون وقوع ضحايا مدنيين. ولكن المسألة تتعلق بما إذا كانت كل الاحتياطات الممكنة قد اتخذت لتقليص عدد الضحايا من المدنيين. وقبل الحملة العسكرية ضد «داعش» كان من الصعب للغاية لسكان الموصل، الذين يقدر عددهم بأكثر من مليون نسمة، أن يغادروا المدينة، وكان من يضبط منهم أثناء محاولة الهروب يتعرض لعقوبة شديدة أو يُعدم. ومنذ بدأت عملية انتزاع المدينة من أيدي «داعش» في أكتوبر الماضي نزح ما يقرب من 300 ألف شخص من سكان المدينة من منازلهم.
وفي هذه الأثناء طرح بعض سكان الموصل السؤال التالي دون مواربة: هل التعليمات التي صدرت إليهم كان سببها أن الحكومة العراقية والمجتمع الدولي لا يرغبون في تحمل عبء رعاية المزيد من النازحين؟ وهذا قد لا يُصدق على المستوى الإنساني، ولكن من يشاهد الحياة التي يعيشها السكان هنا يعلم لماذا يفكر هؤلاء في أنهم في ذيل الاهتمامات. فالحياة هنا كابوسية بكل المقاييس. وقد عبّر كثير من السكان عن يأسهم الشديد من فشل السلطات العراقية والمجتمع الدولي في تقديم الدعم للمناطق التي تم انتزاعها من «داعش» في الآونة الأخيرة. وتحدث السكان عن تنقيبهم في تلال الأنقاض بأياديهم دون أي أدوات بحثاً عن جثث ذويهم. وأثناء تفقدي لموقع ضربة جوية في حي الضباط بشرق الموصل، رأيت رأساً أدمية في وسط الأنقاض. وفي مناطق أخرى من المدينة توجد جثث لمقاتلي «داعش» وسط الأنقاض وعلى الأرصفة، بعضها نهشته الكلاب السائبة. وسكان الموصل يكابدون من أجل العيش في ظل بنية تحتية متهالكة، وخاصة شبكات المياه والكهرباء. وبعد أكثر من شهرين على إعادة الاستيلاء على المدينة لا توجد مؤسسة طبية يعتمد عليها في شرق الموصل. ولا يوجد إلا عدد من العيادات الصغيرة التي تقدم رعاية صحية بدائية، وفريق التمريض والأطباء يقولون إنهم يعملون دون أجور، وهناك عجز شديد في الأدوية والمعدات والأجهزة.
ومقتل أسر بكاملها في منازلها يلقي بشكوك خطيرة على دقة اختيار قوات التحالف للأهداف ونوعية الأسلحة. ومن ينفذون ضربات جوية يعلمون بمخاطر مقتل مدنيين، ويتعين أن يتخذوا كل الإجراءات الممكنة لتقليص الضرر. فلماذا إذن يجري استهداف مقاتلي «داعش» على سطوح المنازل بقنابل كبيرة تدك هذه المنازل؟
صحيح أن مقتل المدنيين ربما لم يكن ممكناً تفاديه تماماً لكن كان يجب فعل المزيد لتقليص احتمالات مقتل المدنيين بأكبر قدر ممكن. والإعلان في الآونة الأخيرة عن تحقيق في مقتل 150 مدنياً من قبل قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة أمر مرحب به، ولكنه جاء متأخراً أيضاً. ومن الضروري أن يكون هذا التحقيق مستقلًا وأكثر شفافية وفعالية من التحقيقات العسكرية الأميركية في الآونة الأخيرة في الهجمات التي تمخضت عن ضحايا مدنيين. وما لم يؤخذ بعين الاعتبار مستقبل سكان الموصل الذين عانوا كثيراً من احتلال تنظيم «داعش»، فسيكون «النصر» عليه بلا معنى.

* مستشارة الاستجابة على الأزمات في «منظمة العفو الدولية»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا