الاتحاد

تقارير

«بريكسيت» في لحظة الحقيقة

بعد مرور تسعة أشهر على إجراء الاستفتاء المؤلم للخروج من الاتحاد الأوروبي، تدخل بريطانيا الآن مفاوضات رسمية مع الاتحاد الأوروبي لتنظيم عملية الانسحاب. وخلال هذه الفترة تغير الكثير من الأمور. ففي شهر يونيو الذي جرى فيه الاستفتاء، بدا وكأن التماسك السياسي للدول الغربية بات في خطر. وكانت بريطانيا ذاتها تتعرض لنوع من عدم الاستقرار السياسي، وبدا وكأن اقتصادها يتعرض لخطر الإصابة بحالة «تشنج» شبيهة بحالة إفلاس بنك «ليمان براذرز» في أميركا إبان الأزمة المالية لعام 2008. وأما اليوم، فلقد تغير هذا الحال تماماً.
وفيما يقود الولايات المتحدة رئيس ربما يكون شعبوياً بالاسم أكثر من الفعل، فإن بريطانيا تشهد حدوث ظاهرة معاكسة. وذلك لأن تيريزا ماي رئيسة وزراء نمطية، وامرأة جادّة ومنهجية وواقعية وشديدة الحذَر. ويمكن وصفها بأنها الصورة النقيضة لترامب. إلا أن التفويض الذي منحها إياه استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، أصبح يُفسر على أنه نوع من الشعبوية. وبسببه، ستستعيد بريطانيا القدرة على مراقبة حدودها من أجل وقف زحف الأجانب. وستعلن رفضها القاطع للسلطة الممنوحة لمحكمة العدل الأوروبية على رغم أن بعض الإشكالات الحدودية سوف تبقى قائمة في هذا العالم المتداخل. وستغادر بريطانيا السوق الأوروبية التي تعتبر حتى الآن التجربة الأعمق والأكثر نجاحاً في الطريق إلى العولمة. وعندما هددت ألمانيا بأنها ستتخذ إجراءات قاسية في محادثات ترتيب الخروج البريطاني، وعندما اتهم أعضاء البرلمان الأوروبي «معسكر بريكسيت» بالكذب، لم نسمع من «ماي» أو أي من مساعديها رداً على ذلك. وقبل أيام قلائل، فضل مفاوض الاتحاد الأوروبي حول الانسحاب البريطاني «ميشل بارنييه» الذهاب بعيداً في التحدي وبدا أكثر تصلباً عندما هدد بريطانيا بتعطيل حركة الملاحة الجوية وإحداث الفوضى في الموانئ وتعليق تسليم المواد النووية لبريطانيا. ولم يكلف مكتب رئيسة الوزراء أيضاً نفسه مهمة الردّ على هذه التهديدات. ومن الواضح أن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بعد أكثر من أربعة عقود يتطلب إجراءات كثيرة ومعقدة. إلا أن حكومة «ماي»، بدلاً من تحدي تلك الإجراءات، طرحت السؤال التالي: كيف يمكن للاقتصاد البريطاني أن يواصل مسيرته من دون الاستعانة بملايين العمال من الاتحاد الأوروبي؟ وإذا كانت بريطانيا تريد أن تحافظ على انفتاحها، فلماذا تضحي بعضويتها في السوق الأوروبية الكبيرة مقابل التمكن من مراقبة حدودها؟ وينطبق هذا السؤال على حالة التشوش التي تهدد التماسك الداخلي للاتحاد البريطاني ذاته. فقد وعدت حكومة «ماي» بتطبيق إجراءات حدودية صارمة مع أوروبا، وإجراءات حدودية مخففة ومبنية على الصداقة بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا. ومن جهة ثانية، تحاول «ماي» إسكات أصوات الإسكوتلنديين المرتفعة الذين يطالبون بإجراء استفتاء للانسحاب من الاتحاد البريطاني. إلا أن تصويتهم لصالح البقاء في الاتحاد يتناقض مع ما يفرضه عليهم الخروج البريطاني.
ومع انطلاق مفاوضات الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي ستواجه «ماي» أوقاتاً صعبة للغاية. والقضايا الخلافية التي كان من الممكن تأجيل البتّ فيها على أساس أنها من الأمور التي تتعلق بالمفاوضات المستقبلية، سيتم الاهتمام بها والتركيز عليها في البداية. وأما التبجح الذي أطلقه بعض الساسة البريطانيين من دعاة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، الذين وعدوا الناخبين بأن المفاوضات مع الدول السبع والعشرين الأخرى الأعضاء ستمثل تحدياً سهلاً، فقد بدأ ينكشف على حقيقته الآن.

* محلل أميركي متخصص في الاقتصاد الدولي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا