الاتحاد

الملحق الثقافي

آفي مغربي يطعن اسرائيل بعذابات الفلسطينيين

بوستر الفيلم

بوستر الفيلم

في فيلم ''انتقم إلا من عين واحدة من عينيّ'' Avenge But One of My Two Eyes للمخرج آفي مغربي Avi Moghrabi هناك من يلقن التلاميذ أسطورة شمشون الذي كانت تكمن قوّته في شَعره، وكيف تم خداعه من دليلة الفلسطينية لتقص له شعره ويفقد سرّ قوته التي كانت تمكنه من التغلّب على ثلاثة آلاف شخص، ليقرر بعد أن وجد نفسه محاصراً من سكان أرض كنعان أو ما يعرف بـ Philistines هدم عمودي المعبد لينهار عليه وعلى أعدائه من الفلسطينيين.
وكما يشير الفيلم على لسان الحاخام المعلّم إلى أن شمشون ''كان رجلا شجاعا، أنقذ اليهود من الفناء· كانت الضربة منه تقتل عشرة آلاف رجل· يجب أن نتبع خطاه· لقد حارب الفلسطينيين في غزة''، فإن تلقين التربية الإسرائيلية التي تؤسس لثقافة الموت والانتحار تتقاطع مع مرجعية حكائية أخرى، حيث يعرض الفيلم لمعلم يدرس تلاميذه تراجيدية ''المسّادة'' التي تذكر أنّه بعد أن دمّر الرومان مملكة اليهود في القدس عام سبعين بعد الميلاد تحصّن ألف يهودي في جبل المسّادة المطل على البحر الميّت ورفضوا الاستسلام، فقام الرومان بمحاصرتهم من خلال سور أقاموه حول الجبل· وبعد ثلاث سنوات وصلت فرقة عسكرية أرسلها الإمبراطور الروماني للقضاء على المتحصّنين· فأدرك اليهود أنهم خاسرون في أي مواجهة، ولأنهم يرفضون الاستسلام لم يجدوا وسيلة أخرى غير الانتحار الجماعي ، ولكن لأن الانتحار محرم في الديانة اليهودية، أمر كبيرهم اليعازر بن يائير عشرة منهم بقتل الآخرين، ثم قتل واحد من العشرة التسعة الآخرين، ثم انتحر·
من هذا الجذر الأسطوري يأخذنا آفي مغربي في فيلمه إلى شبه هستيريا جماعية تدعو إلى الانتقام من الفلسطينيين، وتمجّد كهانا كبديل، من خلال مشهد احتفالي لأنصار الحاخام الراحل مائير كاهانا، يغنون فيه ''كاهانا لا يزال حيا·· سأنتقم ولكن بعين واحدة فقط''·
يرصد مغربي أوجاع الفلسطينيين اليومية في الحواجز حيث يتلّقون أكثر فنون المهانة ذلاًّ من الجنود الإسرائيليين، حواجز تمنع الأطفال من تأدية دراستهم وتعيق العمّال والفلاحين عن مهامهم، ومع هذا يعاقبون لقيامهم بأي تصرف لا يرضى به الجنود، فيقف أحدهم لساعات على حجر لأنّه تجرأ ونظر إلى الوراء·
''من أي قمامة جئتم'' يقول آفي مخاطباً الجندي الذي يرفض إجابته على سؤاله عن موعد فتح المعابر· إنه واقع يصبح فيه الموت أفضل من الحياة، هكذا يقول الفلسطينيون وهم يواجهون عذاباتهم اليومية، وهو الخطاب نفسه الذي يقوله صديق مغربي الفلسطيني وهو يحدثه عبر التلفون· فهذا الفلسطيني يقول إنه مع ما يحدث له ولأسرته ''لا يمكنه أن يمنع نفسه من الشعور بالسعادة عندما يسمع عن وقوع عملية انتحارية في الخليل''·
آفي مغربي لا يقدّم في فيلمه الوثائقي صورة باردة عن حال عابر، يتحاور معه من بعيد، بل نجده ينحاز في فيلمه هذا إلى عذابات الفلسطيني وأحلامه اليومية، سواء من خلال تقديمه للمشهدية المروّعة التي تتهدد حياته وبقائه من قبل السياسة الرسمية الإسرائيلية، أو من خلال ما هو مكّرس من ثقافة الانتقام والإلغاء في المجتمع الإسرائيلي·
مغربي في فيلمه هذا، كما في فيلمه ''عيد مولد سعيد يا سيد مغربي'' يقدم، في مقاطع مونتاج توثيقية يلتقي فيها التاريخي باليومي المعاش، برهانه الإنساني للوقوف مع الفلسطينيين فاضحا السياسة الرسمية لإسرائيل التي تمضي إلى عالم مجهول·
ويمكن القول إن مغربي قدّم في أفلامه انتقادات حادة للدولة العبرية لا يتجرأ أي فنّان عربي القيام بها، خاصة في تلك الفقرات التسجيلية المليئة بشتائم الفلسطينيين ضد الجنود في المعابر·
وإذا كانت أفلام مغربي، حسب الناقد إبراهيم العريس، هي ''الشوكة الأكثر طعناً في خاصرة إسرائيل'' فإن بيار أبي صعب يرى أن ''أصوات مغربي ورفاقه وحدها قادرة، ولو ببطء، على التمهيد لسلام حقيقي وعادل في المنطقة، سلام من نوع آخر''·
بقدر ما يظهر مغربي مشهديات تبرز دوافع الممارسات الانتحارية من قبل الفلسطينيين فإنه في المقابل يعود للأساطير القديمة ليكشف أن الانتحار موجود في الثقافة اليهودية أيضا·
وكما كان الحصار الروماني لليهود دافعاً للانتحار فإن حصار الفلسطينيين يؤدي إلى تفضيلهم الموت على حياة مذلة كتلك التي يعيشونها·
آفي مغربي الذي يُذكِّر بسينما آري فولمان وعاموس جيتاي ويدايا ولد في عام ·1956 درس الفلسفة في جامعة تل أبيب عام 1979 ـ ،1982 كما درس الفن في المدرسة الفنية رامات هاشارون· ثم عمل بوظيفة مساعد أول مخرج في بعض الأفلام الروائية والإعلانية· ومن أفلامه: ترحيل ،1989 إعادة إعمار ،1994 كيف تعلّمت أن أتغلّب على خوفي ،1997 عيد ميلاد سعيد ياسيد مغربي ،1999 إغاثة ،1999 لحظة قبل الانفجار ،2002 تفصيل ،2004 انتقم ولكن من أجل عين واحدة فقط ،2005 وزد ·32

اقرأ أيضا