الاتحاد

الملحق الثقافي

فيلم ملحمي وقعه المخرج باز لوهرمان بوجه نيكول كيدمان

عندما يرتبط اسم فيلم سينمائي بقارة كبيرة تتنوع فيها الأمكنة والقصص والمناخات والأعراق، فإن طابعا ملحميا لابد وأن يفرض حضوره هنا، وفيلم ''أستراليا'' الذي نحن بصدد تناوله في هذا المقال يتوفر على حصيلة فنية وبصرية هائلة تعيد الوصل المقطوع منذ فترة بين جمهور الصالات حول العالم، وبين الفيلم الملحمي ذي الشروط المواصفات الصعبة والمعقدة سواء على صعيد الزمن وتعدد الشخصيات وتناثر الحبكة، أو على صعيد التغلب على الذائقة العامة للمشاهد والتي دائما ما تميل للفيلم المشوق والمكثف والقائم على عناصر تجارية وترفيهية مكرسة وسائدة مثل العنف والرعب والكوميديا·
وهج روحاني
يقبل فيلم المخرج الأسترالي باز لوهرمان هذا التحدي، ويدخل في مغامرة تقديم عمل يوازن بين شروط الفيلم الملحمي وبين رغبات ومتطلبات المتفرج القياسي، خصوصا وأن غايات القصة والأجواء والتكنيك في فيلم ''أستراليا'' تسعى لجذب المتفرج ومنذ المشاهد التأسيسية الأولى نحو الدهشة والرغبة في اكتشاف هذه القارة المسكونة بالغموض والقسوة والسحر والجمال وبكل ما تحمله الطبيعة من بدائية وحشية ووهج روحاني فائض·
يعود بنا الفيلم إلى العام 1939 أي إلى أعتاب الحرب العالمية الثانية أثناء الغزو الألماني لبولندا، ونرى في ملصق الفيلم ما يذكرنا بفيلم ملحمي آخر هو ''ذهب مع الريح'' كتواصل وامتداد لفكرة التداخل الشائك بين الحب والحرب، وبين الوصل والانقطاع وبين الرومانسية القصوى والعنف الذي لا يميز أحدا·
سبق لمخرج الفيلم أن أدار فيلمين سابقين أحدهما غنائي وهو فيلم ''مولان روج'' أو الطاحونة الحمراء الحائز على جائزة الأوسكار في العام ،2001 الفيلم الثاني للمخرج حمل اسم ''روميو وجولييت'' والذي جمع الممثل ليوناردو ديكابريو مع الممثلة كلير دانس وتناوله لوهرمان من وجهة نظر سينمائية جديدة، وبمعالجة سردية خاصة، ولكنها لا تفارق روح النص الأصلي لوليم شكسبير، مثل هذه المعالجات الموضوعية والفنية الجديدة والمفاجئة للمخرج وضعت فيلم ''أستراليا'' في مجابهة خاصة لقيمة ومعنى عنوانه، فمنذ اللقطات الأولى الأقرب للطابع التهكمي الموازي لأفلام (الكوميكس) نرى صورة مرسومة لخريطة أستراليا ثم خريطة أخرى لبريطانيا، ثم نستمع للطفل (نولاه) الهجين الذي يجمع في ملامحه وعروقه بين دماء السكان الأصليين أو الأبورجنيز وبين السكان البيض الوافدين، يقول الطفل (وهو الصوت الراوي للفيلم): لست أسود ولست أبيض، أنا الفتى البني أخاف أن تأتي الشرطة وتأخذني إلى معسكر الإرساليات التبشيرية· ولكن هذا الخوف يقطعه فجأة وصول سيدة بيضاء إلى المزرعة التي يختبئ فيها الطفل·

صراعات خفية
هذه السيدة البيضاء هي سارة آشلي (تقوم بدورها الممثلة الأسترالية نيكول كيدمان) القادمة من إنجلترا وبمرجعية أرستقراطية لتتفقد مزرعة المواشي التي يمتلكها زوجها في منطقة (فاراوي داونز) شمال أستراليا، خصوصا بعد الطلب المتزايد من الجيش الإنجليزي للحوم الأبقار والمواشي، تفاجأ السيدة بمقتل زوجها يوم وصولها وتوجه التهمة لأحد السكان الأصليين ـ وهو جد الطفل نولاه الذي يسكن المزرعة مع والدته ـ ذلك أن أداة القتل كانت عبارة عن رمح لا يستخدمه سوى هؤلاء السكان البدائيين·
تتحول المزرعة إلى مساحة خصبة من القصص والصراعات الخفية التي تغطي جزءا كبيرا من زمن الفيلم، فمدير المزرعة ـ السيئ الطبع والجشع ـ هو الأب الحقيقي للطفل نولاه بعد علاقة غير شرعية مع امرأة من السكان الأصليين تخدم في المزرعة، ولكن الأب لا يعترف بذلك، من جهة أخرى نتعرف على الشخص الأشبه بالكابوي والذي يقود القطعان من وإلى المزرعة ويحمل لقب (السائق) لأنه يسوق هذه القطعان بحرفية عالية، ويقوم بدوره الممثل الأسترالي هيو جاكمان، يتميز (السائق) بحسه الاستقلالي وقسوته الظاهرية وتعاطفه الكبير مع السكان الأصليين، وهو ما يضعه في مجال ازدراء وتشكك من قبل السكان البيض·
تنشأ علاقة حب خفية ومتحفظة بين مالكة المزرعة وبين سائق القطيع، ولكن يحول دون تطور هذه العاطفة السرية والمتنامية الكثير من الظروف والموانع النفسية والاجتماعية للمكان·

مشاهد ماراثونية
من جهة أخرى يظهر إمبراطور المواشي الاسترالي كينج كارني في الصورة، ونراه وهو يسعى وبطرق غير مشروعة للاستحواذ على مزرعة السيدة آشلي وما تحويه من قطعان، خصوصا وأن هناك صفقة تجارية كبيرة قادمة لبيع المواشي في ميناء داروين جنوب استراليا، ولابد له أن يجمع أقصى ما يستطيع من رؤوس القطعان في المنطقة حتى يظفر بالصفقة، ترفض السيدة آشلي العرض وتقرر مع السائق دروفر أن تقود القطعان إلى الميناء وبكل الوسائل المتاحة، ورغم محاولات منافسها في عرقلتها، تنجح في النهاية إلى الوصول بالقطعان إلى الميناء، وينجح المخرج في أخذ المشاهد أثناء الرحلة البصرية والماراثونية هذه إلى مناطق بكر ومناظر غاية في الإدهاش والتنوع، ولكن نجاح صفقة السيدة آشلي يشوبه في النهاية الكثير من اللبس أو الانتكاس مع دخول الولايات المتحدة في غمار الحرب العالمية الثانية ووصول قواتها إلى شواطئ أستراليا بعد كارثة ميناء بيرل هاربور، ثم مطاردة الطائرات اليابانية لهذه القوات في استراليا، ويضفي هذا التطور في الأحداث مسحة من المشاهد الحربية المثيرة والداكنة على أحداث الربع الأخير من زمن الفيلم، ولكن سرعان ما تتلاشى هذه المسحة مع عثور السائق دروفر على الطفل نولاه، واجتماع شمل العائلة الافتراضية مع السيدة آشلي التي تبنت الطفل، وعودتهم جميعا إلى المزرعة·
سفاري إلى المجهول
عموما فإن فيلم أستراليا يبدو قريبا من أجواء أفلام الويسترن ولكن بنكهة سينمائية خاصة، وبتوابل بصرية لا يمكن أن توجد سوى في وطن الكانجارو والسكان الأروميين، ورغم المقارنات والمقاربات التي يمكن وضعها هنا عند قياس حالة سكان أستراليا الأصليين بحالة الهنود الحمر في القارة الأميركية، إلا أن الطقس الروحاني والسحري الذي أضفاه مخرج الفيلم على سكان أستراليا كان مشغولا برهافة حسية عالية وبتركيز على الاستنارة الداخلية لهؤلاء السكان وارتباطهم بمكونات الطبيعة الأشبه بالارتباط الجسدي المقدس، الذي يجعل من أرض أستراليا موطنا للأساطير والألوان والأصداء والمباهج التي بثها الأسلاف في روح المكان وفي خصوصيته التي لا يمكن تكرارها واستنساخها·
تميز الفيلم أيضا باللقطات الواسعة والمشاهد المفتوحة رغم ولع المخرج في أفلامه السابقة باللقطات المقربة في أجواء وديكورات محصورة ومروضة، خرجت كاميرا المخرج هذه المرة إلى مغامرة ملحمية أشبه برحلة سفاري إلى المجهول ولكنه المجهول الشمول بطموحات ووعود سينمائية باهرة وتستحق الإشادة

اقرأ أيضا