الاتحاد

دنيا

14 ألف دولار مكافأة الإنجاب في إيطاليا


إعداد ـ هالة دروج:
لطالما حلمت أنجلينا سبيوتا بأن تكون أما· وبعد زواجها بعام واحد قررت أن الوقت قد حان لتحقيق هذا الحلم· وشجعها على اتخاذ تلك الخطوة أن السلطات في قريتها لافيانو الواقعة في جنوب ايطاليا تقدم منحة بقيمة 14 ألف دولار مقابل كل حالة انجاب· وقد وضعت أنجلينا وليدها ماسيمو في الخريف الماضي، ولكنها تقول 'أن ذلك لم يكن بسبب المال· غير أن هذا أيضا لا يعني إنكار أن المبلغ الذي تقدمه الحكومة يعتبر مساعدة هامة بالنسبة الى الأسرة، ولا سيما فيما يتعلق بمستقبل الوليد'·
فعبر الأراضي الايطالية تنتشر ظاهرة الموت البطيء للقرى والبلدات الصغيرة· وهي ظاهرة يمكن أن تمتد لتشمل أيضا المدن الكبيرة اذ أن معدلات الولادة في ذلك البلد لا تشهد أي زيادة· وتشير التوقعات الى أن عدد سكان ايطاليا قد ينخفض بنسبة الثلث بحلول عام ·2050 فحتى الآن ليس هناك ما يساهم في تحقيق الاستقرار السكاني الا زيادة تدفق المهاجرين الى البلاد·
لقد أصبح نموذج العائلة الايطالية الكبيرة جزءا من الماضي لا يمت للحاضر بصلة· فعلى مدى أكثر من عقد من الزمن عانت ايطاليا من أكثر معدلات الولادة انخفاضا في العالم، وهو الأمر الذي تعزوه الكثير من النساء هناك الى الأوضاع الاقتصادية الصعبة· لذلك باتت السلطات في قرى مثل لافيانو تنظر الى الأطفال على أنهم نوع من الكائنات المهددة بالانقراض، وأخذت تقدم المنح المالية ضمن حملتها لتشجيع النساء على الحمل والانجاب· تقدم هذه المبالغ للزوجين خلال الأعوام الخمس الأولى من حياة الطفل·
يقول عمدة القرية روكو فاليفينا أن عشر أسر تقدمت للاستفادة من هذه المكافأة منذ أن بدأ هذه الحملة في عام ·2003 فمن المعروف أن عدد السكان في قرية لافيانو قد انخفض الى النصف فلم يعد يتجاوز 1500 نسمة وذلك منذ أن تعرضت للزلزال الذي ضربها في عام ·1980 ولم يتجاوز عدد المواليد في عام 2000 الأربع، وكذلك الأمر في العام الذي تلاه· لذلك فكر العمدة في خطر الانقراض الذي يهدد البلدة على المدى البعيد وقرر منح مكافأة مالية مقابل كل طفل· وبالرغم من أن الحملة حققت نجاحا محدودا الا أن العمدة سعيد بها اذ زاد عدد المواليد في العام الماضي الى 11 مولودا· كما لاحظ أن هناك مصدرا آخر لزيادة عدد السكان من خلال بعض من يهاجرون الى لافيانو من القرى المجاورة رغبة في الحصول على ميزة المكافأة المالية للمواليد·
أما الخبراء فلا يبدون ثقة كبيرة في أن يحقق الحافز المادي نتائج كبيرة على هذا الصعيد· ويشير هؤلاء الى أن المال يمكن أن يغوي المرأة للانجاب في وقت أبكر مما خططت له، لكنه بالتأكيد لن يحملها على انجاب المزيد من الأطفال· كذلك لن تغير أي امرأة مقتنعة تماما بعدم ضرورة الانجاب رأيها من أجل مبلغ من المال·
العمدة فاليفينا هو أول من يعترف أن اصلاح الأوضاع في البلدة يحتاج الى الكثير من الأمور أهمها توفير فرص العمل· فالسكان بحاجة الى كسب رزقهم· لكنه يعود ويقول أن الأوضاع أشبه ما تكون بدائرة مفرغة: فبدون سكان لا يمكن النهوض بالاقتصاد لتوفير فرص العمل· ويضيف العمدة: 'ليس لدينا سكان· لا يمكننا أن نخطط لاقامة فعاليات ،ولا لتأسيس صناعة· وبدون القوة البشرية لا يمكننا أن نعود وننهض من جديد· فلو أردت أن تفتح متجرا لبيع الاحذية مثلا لن تجد زبائنا ليشتروا البضاعة·'
وتتفق سبيوتا، أم الطفل ماسيمو، مع العمدة على أن المكافأة المالية ستساعدها في تعليم طفلها· ولكن العامل الأهم الذي يمكن أن يساهم في تثبيتها في البلدة هو توفير عمل جيد لزوجها· فهو يعمل حاليا في مصنع للبلاستيك يحتاج يوميا لقطع رحلة تستمر لقرابة الساعة كي يصل الى مكان العمل· وكانت هي تعمل في جمع محصول الفراولة قبل أن تحمل بطفلها الأول· أما الآن فوظيفة زوجها هي مصدر الرزق الوحيد لذلك لا بد أن تكون الفرصة ملائمة· وهي تتمنى أن تستطيع الاستمرار في حياتها في هذه القرية الهادئة التي لا يوجد فيها ما يعكر صفو الحياة، والتي تعتبر مثالية لتنشئة الأطفال حيث يتوفر فيها الأمان والسلام·
بلدة لافيانو التي تقع في جبال أبنين على بعد 35 ميلا الى الشرق من ساليرنو تشبه مدينة الأشباح· ففي شوارعها قلما يلاحظ المرء وجودا لأي كائنات بشرية اذ يخيم عليها الصمت الذي لا يبدده سوى أصوات الطيور والحركة النادرة للسيارات· أكثر من نصف المنازل التي بنيت اثر الدمار الذي سببه الزلزال باتت خاوية من السكان· وأغلقت قاعة السينما الوحيدة في البلدة· كما لا تحتوي مدرستها على أكثر من 20 طالبا في كل صف من صفوف المرحلتين الابتدائية والاعدادية· المكان المزدحم الوحيد في البلدة هو المقبرة التي تكتظ بقبور ما يزيد عن 300 ضحية من أولئك الذين قضوا أثناء الزلزال·
ويذكر أن الحكومة الايطالية كانت قد قامت في العام الماضي بمنح ألف يورو لكل زوجين ينجبان طفلهما الثاني· أما خطة بلدة لافيانو بمنح مبلغ كبير هذا لكل طفل يولد فتعتبر فريدة من نوعها·
ينطوي انخفاض معدل الولادات في ايطاليا على الكثير من النتائج السلبية· فبسبب ارتفاع معدل الأعمار هناك باتت التركيبة السكانية تعاني من زيادة المسنين· وهذا بالتالي يقلل من عدد السكان القادرين على العمل والعطاء ودفع الضرائب، وتزايد عدد كبار السن الذين يستحقون رواتب التقاعد ويضعون أعباء كبيرة في مجال تقديم خدمات الرعاية الصحية لهم· تشير أرقام المكتب القومي للاحصاء أن ايطاليا لديها أعلى معدل لمن تزيد أعمارهم عن 65 عاما في العالم اذ وصلت هذه النسبة الى 18,6% في عام ·2003 ويقول المحللون وخبراء الاقتصاد الى أن تكاليف التقاعد التي تتحملها الحكومة الايطالية ستؤدي الى انهيار اقتصاد البلاد بعد فترة ليست بطويلة·
وبالرغم من أن الايطاليين يجدون أنفسهم موضع حسد بالنسبة الى الأميركيين بالنسبة الى حق المرأة في اجازة الوضع التي تبلغ ستة شهور مدفوعة الأجر، الا أنهم يثيرون شفقة الشعوب الأوروبية الأخرى من حيث توفير خدمات رعاية الأطفال بأسعار مقبولة مثل المربيات أو دور الحضانة أو غيرها· كما أن التوجه السائد في المجتمع هناك تضع مسؤولية تربية الأطفال على المرأة بشكل كامل، في الوقت الذي تندر فيها فرصة عملها بأوقات دوام مرنة· هذا بالاضافة الى أن كلفة حليب الأطفال في ايطاليا تزيد بأربعة أضعاف عما هي عليه في الدول الأوروبية الأخرى·
وتشير تقديرات الأبحاث الى أن 41% من العائلات الايطالية تعتمد على الجدة في تربية الأطفال والقيام بواجباتهم كاملة واعداد الطعام ريثما يعود الزوجان من العمل· تقول مولينا سيكاريلي، وهي أم لطفلين تعيش في شمال روما: 'كان من المستحيل بالنسبة لي التفكير بانجاب أطفال بدون أن أحصل على مساعدة أمي أو حماتي'· وتشير مولينا الى أن أمها تمضي يوميا ثمان ساعات في رعاية طفليها· لكنها تفكر أيضا بأن الحظ حالفها لكون والدتها لا تعمل، وأن جيلها سيكون آخر جيل يتمتع بمساعدة الأهل في هذا المجال· فهي تتساءل عن امكانية أن تقوم هي وغيرها من النساء العاملات بتقديم نفس الخدمات في رعاية أحفادهم في المستقبل·
تكاتفت قرية لافيانو مع غيرها من القرى التي يقل عدد سكانها عن ألفي نسمة لتشكيل اتحاد القرى الصغيرة لتكثيف الجهود من أجل حمايتها من الاندثار· تؤكد رئيسة الاتحاد وهي عمدة قرية مارساجليا التي لا يزيد عدد سكانها عن 400 نسمة أن المشكلة لا تحل الا اذا قدمت الحكومة مساعدات مثل تخفيض نسبة الضرائب، وتشجيع المشاريع الصغرى، ومنح القروض منخفضة الفوائد وغيرها من التسهيلات المالية الأخرى· لكن المسؤولة لا تبدي تفاؤلا بتحركات الحكومة اذ تقول: 'غير أن الأمور تسير في الاتجاه المعاكس· وهذا ما سيجعل بلادنا الجميلة تتحول الى أراض مقفرة خاوية لا تدب فيها الحياة·'

اقرأ أيضا