الاتحاد

دنيا

سلطان بن غافان أخصائي وابن بحر


حوار - موزة خميس
من الحرف أو المهن التي كانت وسيلة أساسية لطلب الرزق عند الإنسان قديما، هي صيد السمك، وكان ذلك يتم في ظروف صعبة للغاية، حين يضطر الرجال للخروج إلى البحر متجاهلين نداءات أهلهم بعدم دخول البحر لشدة العواصف والرياح التي تزمجر بين جنبات البيوت البسيطة، وكان الصيادون يهونون على أهلهم من الجزع ويخرجون حيث يؤنس بعضهم بعضا، وربما كان الرجل منهم يحمل روحه على كفه، لأنهم بحاجة للغذاء ولأن الناس أيضا بحاجة لذلك الغذاء، وفي حارة السوق أو فريج السوق ولد سلطان خلفان سعيد بن غافان الرجل الذي أشتهر فيما بعد بأنه حافظ للتراث البحري، وكان والده قد عمل في مهنة الغوص بحثا عن اللؤلؤ، وكان الجد (سعيد بن غافان) من رواد صيد السمك كما كان جد سلطان من ناحية الأم وهو (راشد الطويل) بحاراً ملماً بخبايا البحار ورائداً من رواد الغوص·
عندما وصل سلطان إلى الصف الثالث الإبتدائي توفي والده فانضم سلطان إلى صيادي السمك ليتعلم منهم وليتكسب وكان يكمل تعليمه في ذات الوقت، وعندما وصل إلى الصف الرابع المتوسط وهو مايعادل (الثاني الإعدادي) الآن ترك الدراسة ليعمل بقسم الجوازات في الديوان الأميري بأم القيوين وبقي حتى العام 1972م،ولم تجعله تلك الوظيفة يتخلى عن البحر، حيث جمع ذخيرة وخبرة عن الطقس وكل مايتعلق بالمناخ وأماكن الصيد وأمراض الأسماك لأنه كان كثير الجلوس مع الأجداد من أهل البحر في أم القيوين كما رافق سيف الزبادي وعبيد بن صندل وهم من حفظة التراث·
في العام 1972 ترك العمل في الديوان ليعمل كاتبا بوزارة الصحة، ويتذكر سلطان بن غافان انه بدءا من العام 1968 وحتى العام 1970 أنتقل للدراسة في المعهد الديني بإمارة عجمان حتى حصل على الثانوية العامة وكان يتعلم مساءً، ورغم إن العمل كان في دبي إلا أن سلطان كان مصرا على المواصلة فكان يعود من العمل في باص إلى أم القيوين وبعد الغداء يذهب للتعليم والدراسة، ورغم ذلك حصل على الثانوية بتفوق، وطلب فيما بعد إجازة دراسية ليكمل تعليمة الجامعي، وبعد التخرج عمل سلطان في قسم الخدمة الاجتماعية بعد إن حصل على تحويل من وزارة الصحة إلى وزارة التربية، حيث عمل أخصائيا أجتماعيا ولكن ذلك لم يمنع سلطان من التواصل مع البحر واهل البحر، فهناك حنين دائم إلى زمن الأجداد وهم يسافرون شهورا للغوص، ومازالت ترانيم وأهازيج وأصداء أصوات مشتاقة تصدر عن النهام تتردد في داخله·
مواويل النهام
يقول سلطان عن النهمة أنها أهازيج تواكب سير العمل في السفينة، وهي فن مقصور على البحر والبحارة ويحتوي على ندءات وأهازيج من نوع اليامال والخطفة وأستهلالات وأدعية وابتهالات كلها تدخل في النهمة التي لا تستخدم لها أي أدوات موسيقية لأنهم يقولون أنها شيء مشين ومعيب للناس، ولأن الهدف هو التخلص من الشوق والحنين إلى الديار، وبعث الحماس في نفوس الصيادين وتشجيعهم على العمل وبذل الجهد لتحقيق الصيد الوفير والعودة أو القفال، والنهمة تعبير عن آلام ومتاعب هذه المهنة وطلب العون من الله للتخفيف من مخاطرها·
عندما كان الرجال يخرجون في رحلات البحث عن اللؤلؤ تبدأ معهم في البحر حياة أخرى منفصلة عن اليابسة فكل شيء تم صنعه خصيصا للبحر، حتى أسماء السفن وألقاب البحارة، وكان صيد اللؤلؤ من أهم مصادر الرزق في الإمارات والمناطق المجاورة، وكان الناس يعتبرون هذا العمل عملاً بطولياً يتطلب شجاعة وصبراً لما فيه من مخاطر وصعوبات، وتختلف مسميات الغوص بحسب المدة الزمنية التي يقضيها البحارة في رحلاتهم، فالغوص الكبير الذي تشترك فيه أغلب السفن يستمر من يونيو إلى اكتوبر، اما الردة، فهي رحلات قصيرة إلى الأماكن العميقة بعد انتهاء الغوص الكبير وتستغرق شهراً أو أكثر، وبعد الردة تأتي الرديدة وهذه التسمية مشتقة منها، وكان عدد البحارة ربما قد يصل لأربعين بحارا، وأما ادوات الغوص فتتكون من الفطـام وهو المشبك الذي يضعه الغواص على أنفه لئـلا يدخل إلى جوفـه الماء حماية من الغـرق أثنـاء غوصه إلى قاع البحر لجمع الأصداف، الثقـل أوهو كتلة من الحجارة أو الرصاص يربطها الغواص في إحـدى رجليه لتعينـه أثناء عملية الهبـوط إلى أعماق البحر، كما يرتدي الشمشـول وهوالرداء الذي يلبسه الغواص أثناء قيـامه بعملية الغوص وعادة يكـون من القماش السميك، ويلبس الخّبْـط وهي مجموعة قفافيـز يضعها الغواص في أصابع يديـه أثنـاء جمع الأصـداف والمحـار في قاع البحـر ومن أهم أدوات الغوص الـدّييـن وهو الكيس الذي يضع فيـه الغواص ما يجمعه من الأصـداف والمحار أثناء كل عملية الغوص تحت المـاء ويعلق هذا الكيس دائماً في رقبة الغواص أثنـاء قيـامه بمهمة الغوص، ومثل الحبل السري بين الأم وجنينها لابد أن يكون هناك حبل بين الغواص والسيب والذي عن طريقه يرتفـع الغواص إلى ظهر السفينة بعد كل عملية غوص إلى أعمال البحر، ويكون عادة طويلاً حتى يمكن الغواص من التحرك بواسطته إلى مسافات بعيـدة تقريبـاً عن السفينة حسب ما يتراءى له وجود المحـار·
فلق المحار
ويستخدم البحارة المفلّقـة وهي أداة أشبه بالسكين يستخدمها البحـارة في عملية فتح الأصداف للبحث عما بداخلها وعما إذا كانت تحتوي على اللؤلؤ من أدوات حياة البحر·
المنزل الجماعي المتحرك للبحارة هو سفينتهم، وربما تكون ملكا لأكثر من شخصين، أو أن تكون ملكا للنوخذة أو ربان السفينة نفسه · وهو رجل يحسب له ألف حساب بين رجال وأبناء المنطقة وربما المناطق الأخرى، ويتم تمويل رحلة الغوص والتكفل بنفقـات البحارة كلها على حساب هذا وحينئذ يكون عائد هذه الرحلة يتصرف فيه هذا النوخذة بنفسه وكافة ما يتعلق بشؤون البحارة، وإما أن تعود ملكية سفينة الغوص إلى أحد تجار اللؤلؤ(الطواش وجمعها طواويش)، وتكون تكاليف البحارة وأجرة (النوخذة) على ذلك التاجر وبذلك فإن عائد رحلة الغوص تكون تحت تصرف هذا التاجر، وقد تستأجر سفينة الغوص من شخص يخصص نصيبا وأجرة محددة من عائد الغوص للمؤجر بعد العودة من الرحلة وبيع اللؤلؤ، ونصيبا مقابل استخدام السفينة طيلة رحلة الغوص ، وما تتعرض له هذه السفينة من أعطاب أو تلف لينفق على إصلاحها منه فيما بعـد، ومن المناسب هنا أن نذكر بعض أسماء السفن المستخدمة في رحلة الغوص والتي تصنع محلياً بمواصفات معينة ومنها (الجالبوت)، وكثيراً ما تستعمل في رحلات الغوص والبحث عن اللؤلؤ، وهناك (السـبنوك) الذي يصنع أيضا محلياً ويستخدم في أسفار الغوص وصيد السمك، ويقال أن السنبوك في الأصل يعتبر من سـفن المصريين، ومن السفن الهامة (الشوعي) وهي سـفينة تصنع محلياً وتستخدم في أسفار الغوص وصيد السمك، وقد دخلت هذه التسمية في دولة الأمارات أواخر الستينات ويطلق عليها أحياناً (اللنج) وهذا النوع من السفن هو الشائع في الدولة في الوقت الحاضر وبنفس التسمية بتيل أو البتيل من أقدم سفن ، أما الصمعة فهي سفينة تشبه الجالبوت ، إلا أنها تختلف عنه في السعة والعمق ، فهي في حجم الوسط بين الجالبوت والبقارة، وهي من أقدم سـفن الغوص في الإمارات، وبكَـارة (بقـارة) من سـفن الغوص القديمة·
ويعتبر سلطان بن غافان من الرجال الذين برعوا في علم حسابات الدرور، وهي حسابات لأيام السنة وفصولها ابتداء من مطلع النجم الذي يسمى محليا(سهيل) وذلك بدءا من الخامس عشر من شهر أغسطس(آب) من كل عام وذلك قبل ان تشرق الشمس·

اقرأ أيضا