رأي الناس

الاتحاد

مدونات

سجنك حرية

غافلني أحد العصافير وانسلخ من قفصه، حين كنت أحاول تجديد الطعام له، وحط كورقة خريف بالية، هتكتها ريح مخادعة في زاوية الغرفة، حدّق باهتمامٍ بالغ في المكان لبرهة، ثم أخذ يدور ببطء متثاقل في ذات المكان، تتلبسه حيرة بائسة!.
لوهلة ظننت أنه سيقتنص الفرصة ويهرب بعيدًا، حسبت أنه سيصفق بجناحيه فرحًا، باحثاً عن النافذة ويخرج!، ولكن الأمر بدا على عكس ذلك تمامًا!، فلقد تجمّد في مكانه وكأن عروقه يبست.
اقتربت منه بخطوات مدروسة، فتحرك يسيرًا ثم توقف، وبريق عينيه يقول: خططت ثم ندمت، أمال برأسه يمنة ويسرة يحاول أن ينصت لمنفذ الأمان. دنوت منه كثيراً حتى لم يعد يفصلني عنه سوى مسافة ذراعي، فمددتها، فلم يتحرك قيد أنملة!. وكأنه يستسلم لقدره ولا يشتهي أي نوع من المقاومة.
وضعته في كفي ولحفته بالكف الأخرى، فماتت حركته فجأة، وذبلت عيناه مدعياً النوم!. هممت به حيث القفص، وحين أحس بأنفاس أصحابه تقترب، إذ به ينبعث من بين يدي زقزقة صارخة تعلن الحياة بعد موتها فجأة!. والتهم يعض يدي التي تطوّقه مدافعاً بذلك عن حريته التي وجدها!، فتركته لينطلق ناحية الباب كرصاصة خططت لهدفها مسبقًا!، وما إن فتحته حتى قام عرس في القفص، وأخذت العصافير تنتفض وتعانق بعضها، وكأنها تقول: (الحمدلله على السلامة)!.
يحدث أن نظن بأننا في سجن محكم، والسلاسل تعصف فيه بظلم، وأن لنا كامل الحق في الكفر به. فعادةً ما يُخيّل إلينا أن ماوراء حدود هذا الواقع هو (حرية)، وأن ظروف الحياة ما هي إلا قيود تكبلنا. فيجب علينا أن نتمرد في أقرب فرصة سانحة، علينا أن نجد باب الحرية، وننتفض من السجن المحكوم بمعطيات محدودة، تجبرنا على أن نسير وفقها على خط سير مفروغ النهاية!.
وفي لحظة غباء جامح، وبعد أن نكسر قيود السجن الموهوم، وننسكب في عوالم ما ألفناها، نتجرع فيها مفهوم الغربة سعيًا في الحرية!، حينها فقط، ندرك أن معنى الحرية لا يتحقق من غير أمان. فإما أن تكون تحت سماء تعي فصول قحطك فتمطرك، وإن شحّت في ساعة، أو تكون على أرض تعي تفاصيل نموك فتحضنك، وإن أدمت قدميك لحظة، أفضل لك بكثير من عالم سيلفظك صريع الغربة، منبوذ الهوية، فلا أرضها أرضك، ولا سماؤها تعرفك!

شيخة الشامسي
- من مدونة “المنبر الإماراتي”

اقرأ أيضا