الاتحاد

الملحق الثقافي

قراءة لجدران زنزانة ديوان مجهول للمفكر الراحل محمود العالم

شيعت الثقافة المصرية ظهر السبت الماضي المفكر والناقد الكبير محمود امين العالم عن عمر يقارب السابعة والثمانين ورحلة مع الابداع الفكري والنقدي والشعري امتدت لثلاثة وخمسين عاما بدأها بكتابه ''ألوان من القصة المصرية'' وقدم له الدكتور طه حسين وتوالت بعد ذلك اصداراته لتصل الى 22 كتابا اختتمها بكتابه '' من نقد الحاضر الى ابداع المستقبل'' عام ·2001 واذا كانت كتابات ''العالم'' النقدية والفكرية قد نالت شهرة واسعة واثارت معارك نقاشية كبرى بدأها بكتابه ''في الثقافة المصرية'' بالاشتراك مع الدكتور عبدالعظيم انيس عام 1957 فإن ديوانه الشعري ''قراءة في جدران زنزانة'' الذي اصدره عام 1970 عن دار الجمهورية بالعراق يعد ديوانا مجهولا نظرا لانه طبع طبعة محدودة بالعراق ولم يطبع أو ينشر في مصر وظل قاصرا على عدد من النسخ اهداها العالم لعدد من محبيه· ويقع الديوان في 145 صفحة من القطع المتوسط ويضم 22 قصيدة كتبها ''العالم'' اثناء فترة سجنه إبان حكم عبدالناصر ويقول ''العالم'' في تقديمه لديوانه'' كنت وحدي في زنزانة مع كلمات ومعان تتفجر في نفسي ولا املك وسيلة لتسجيلها على الورق فكتبتها معتقدا انني ملتزم بعمود الشعر والقافية المطردة، التي كنت قد تخليت عنها منذ سنوات وكنت اشعر ان هذا البناء القديم يصنع لقصيدتي جسورا ممتدة من الثقة والكبرياء والاحساس العميق بالتاريخ·

''اغلق في وجههي الباب
ووجدتني اقبع في قاع زنزانة مكفهرة صدئة
استقبلتني في البدء
بالتحفظ بالصمت، بالهزال
ثم فاجأتني ثرثارة ممتلئة''

ورغم أن القصيدة ـ وكذلك الديوان ـ تأنس بالقافية إلا أن متن الأبيات أو السطور الشعرية تجاوزت رتابة الايقاع الخليلي الى ايقاع قصيدة النثر وتداخل التفعيلات تداخلا لا علاقة له بموسيقى الخليل وانما يقع في اطار الموجة حسب تعبير الدكتور محمد النويهي الذي استأنس ''العالم'' برأيه قبل نشر الديوان فحذر من نشره بهذا الشكل حتى لا يدفع الشباب الى كسر القواعد الشعرية ولأن الاذن العربية لم تتعود بعد هذا الخروج ويقول ''العالم'' في قصيدة ''الطفلتان'':

''ما إن فتح الباب السجان
حتى اقتحمت قبوي طفلتان،
الطفلتان ماردان انطلقا
يحولان قبوي المختنقا
زوبعة·· بركان
يشعل الجدران والاركان
ساحة مهرجان
تضج بالعطور والحضور والشعور والضوضاء بالألوان
بالجديد بالقديم بالمألوف بالمحال بالامكان
باللطائف الرهائف الرقائق الدقائق الثوان
ويزخر المكان بالمكان
ويمتطي المكان صهوة الزمان
ثم·· ينطلقان''

وبرغم أن العالم كتب ديوانه داخل السجن فإنه تطرق الى قضايا وموضوعات متعددة منها ما يخص سجنه ومنها ما يخص ذاته كإنسان يفكر ويحب ويعيش مثل باقي البشر ولكن تطل من كل قصائده رائحة الزنزانة وقسوة القيود، وضيق المكان، والوحدة، ويصبح خلاصه في تلك الرحلات الخيالية لعالمه الذاتي مع حبيبة صادقة أو مع جيران، أو مع اصدقاء، بل يضطر الى مصادقة الجمادات داخل زنزانته، فقد جعل الزنزانة انثى تحكي له اسرارها واسماء من مروا بها وجعل الساعة التي اهدتها له حبيبته كائنا يحادثه وجعل الجدران اصدقاء يحكون له عن تجربتهم في السجن·

''حبيبتي أهدت إليّ ساعة
ياليتها تدري مصير الهدية
فقاسمتني صمت زنزانتي
لكنها في الصمت اغنية
تدور بي في فلك دقاتها
رتيبة حزينة شجية
لكني أبصر في مينائها
بواخر الاشرعة المطوية
انظر فيها فأرى وقتين
وقتا جامدا كأنه المنية
وآخر·· مضى، وما انقضى
يبهجني بخضرة ابدية''
وتتعدد طرائق التصوير الجمالي في ديوان قراءة لجدران زنزانة فتارة يلجأ ''العالم'' الى البلاغة القديمة من تشبيهات واستعارات ومجازات وتارة يلجأ الى الصورة الخيالية الممتدة أو الى نقل المشهد الواقعي ليعطي به دلالة ايحائية أو يرسم به صورة لمعنى يريده، وفي كل الاحوال يظل صادقا في تعبيره عن ذاته·

''هل اعلن للناس وفاتي؟
لكني اخشى ان يطلب مني ان ألقي موعظة الموت
ان انسج للظلمة ثوب نهار زائف
اخشي ان اتغسل بمياه لا تخضر
أن أتطيب بعطور نفاق
أن أُدرج في اثواب بيضاء
بلون اللا أشياء
أن أدفن في بئر مسدودة
ان توضع فوق القبر زهور مستأجرة مأجورة
اخشى ان ابقى حيا داخل اكفاني''

اقرأ أيضا