الاتحاد

دنيا

الساري الهندي يصارع من أجل البقاء


هالة دروج:
في محاولة لدخول موسوعة جينيس للأرقام القياسية، قامت محلات شيناي في جنوب الهند بصناعة ما تقول أنه أطول ساري في العالم· وجاء هذا الزي ثمرة لجهود ثلاثة أشهر من العمل الجاد والمتواصل لما يزيد عن عشرين صانع ماهر· يحمل القماش المستخدم في الساري صورا من المعابد الهندوسية القديمة، ويزيد طوله عن 215 مترا، أي أكثر من ضعف ارتفاع تمثال الحرية· يقول كي فيسواناثان مدير متجر شيناي: 'لم نقم بصناعة الساري بهدف دخول موسوعة جينيس للأرقام القياسية وحسب، بل لنلفت اهتمام شبابنا الى روعة زينا التقليدي وعظمته'·
ويعتقد أن الساري هو أقدم زي في تاريخ البشرية ما يزال قيد الاستخدام حتى الآن· فقد ذكر لأول مرة في الملحمة الهندية ماهابهاراتا التي تعود الى أكثر من ألفي عام قبل الميلاد· وقد طرأت عليه بعض التعديلات في نوع القماش والتصميمات والطول لكنه ما يزال محافظا على طابعه العام·
يبلغ طول الساري الحديث 5,5 مترا تقريبا، ويتم ارتداؤه فوق تنورة وبلوزة قصيرة· وقد يعتقد الغرباء أن جميع نساء الهند يرتدين الساري بنفس الطريقة· لكن الحقيقة أن كل منطقة لها طريقتها وتصاميمها وأقمشتها الخاصة في هذا المجال· كان الساري قديما يصنع من القطن الطبيعي أو الحرير أو الشيفون أو الجورجيت· أما الآن فقد دخلت الى صناعته الخيوط الصناعية مثل النايلون والبوليستر·
لكن من الملاحظ أن ارتداء هذا الزي الموغل في القدم قد بدأ يتلاشى في المدن الهندية· فقبل جيل واحد فقط كان الساري هو اللباس الوحيد الذي ترتديه المرأة الهندية على مدار الساعة، أثناء القيام بأعمال المنزل أو أثناء التسوق وحتى أثناء النوم· وهكذا كان اجتماع مجموعة من النساء يملأ المكان بالألوان الساطعة لأقمشة ملابسهن الحريرية الملمس·
وعندما دخلت المرأة ميادين العمل في الهند ظل الساري اللباس المفضل في كلا القطاعين العام والخاص حتى بداية التسعينات· ثم جاءت موجة الليبرالية الاقتصادية وما أحدثته من التغيرات الاجتماعية التي أدت الى الكثير من التحولات في نمط الحياة عند المرأة الهندية بما في ذلك الأزياء نفسها·
وهكذا تراجع الساري من أماكن العمل لتحل محله الأزياء الغربية في القطاع الخاص، وزي القميص السلوار في القطاع الحكومي بحجة أنه عملي اذ يتكون من قميص فضفاض طويل يلبس فوق بنطال واسع ويستخدم معه شال يوضع على الصدر· ولم يعد الساري موجودا في بيئة العمل بكافة أنواعها وعلى كافة المستويات الوظيفية· وبات بنطال الجينز والتنورة وغيرها من الأزياء الغربية هي السائدة في الشارع الهندي· أما في المناسبات الاجتماعية الخاصة فتفضل النساء ارتداء قمصان السالوار المتوفرة بألوان كثيرة وأسعار متفاوتة·
ولم ينج نمط الأزياء في الأفلام الهندية من هذا التغيير أيضا· فبطلة أي فيلم من أفلام بوليوود كانت تعرف بالساري الذي كانت ترتديه· وغالبا ما كان يستخدم كرمز للفضيلة إذ نجده غالبا يواجه أفراد العصابات المجرمين الذين يرتدون الملابس الغربية· لكن في الأفلام التي تقدمها السينما الهندية حاليا من النادر أن تظهر البطلة الشابة في أي لقطة وهي ترتدي الساري الذي بات مقتصرا على الممثلات اللواتي تؤدين دور الأمهات أو السيدات كبيرات السن·
كما تبدو موجة انقراض الزي الهندي التقليدي واضحة في المحلات التجارية الكبيرة التي تعرض بضائعها من الأزياء الغربية وقميص السالوار في الأقسام الخاصة بملابس النساء· أما الساري فهو غالبا بضاعة مفقودة أو نادرة فيها، وإن توفر فتخصص له زاوية صغيرة جدا لا تلفت اهتمام أحد·
لكن انقراض الساري في الهند له أبعاد أخرى إذ يعتمد اقتصاد مدن بأكملها على حياكة الأقمشة المستخدمة في صناعته· ولذلك فان تراجع استخدام الساري مع توفر الأقمشة الصناعية يهددان مصدر رزق الكثيرين ممن يعتمدون على هذه الحرفة لكسب العيش· لكن هؤلاء ما زالوا يتطلعون الى شريحة النساء اللواتي ما يزلن يفضلن الساري في مناسبات الزواج والخطوبة· كما يحاول مصممو الأزياء الهنود أن يعيدوا الحياة الى زي بلادهم عن طريق استخدام أقمشة غريبة وأحجار كريمة في تصميمه· إضافة الى ذلك يظل الساري الزي المفضل للمرأة في عالم السياسة إذ يلاحظ أن السياسيات هناك يحرصن دائما على الظهور بالزي التقليدي سواء خارج البرلمان أم داخله·

اقرأ أيضا