الاتحاد

دنيا

هكذا ينظر ابن خلدون إلى السحر والسحرة


محمد الحلواجي:
يحسب الكثير من الناس أنَّ العلاّمة الجليل ابن خلدون مجرد شخصية قابعة في الماضي فحسب·· في حين أنّه كان عالماً بارعا ومؤرخا فذًاً مدَّ بصره وبصيرته بقوّة إلى المستقبل لدرجة أنَّ بعض الباحثين والمهتمين بعلم الاجتماع يتمنى لو أنّه عاش في عصرنا لما عكسه من شخصية فذّة عاشت اغترابا حضاريا على مستوى عصرها بكل المقاييس·· كيف لا وهو الذي لا تزال أطروحاته تثير جدلا في أوساط المثقفين العرب والغربيين على حد سواء حتى يومنا هذا؟·
إن كلّ من يقرأ مقدمة (ابن خلدون) لا بدّ وأن يلحظ أنّه لا يوجد ما يضاهيها من حيث عمقها وشموليتها في علم الاجتماع ·· عدا عن كتبه الأخرى ككتاب (العِبَر وديوان المبتدأ والخبر) الذي عكس فيه ابن خلدون اهتماما غريبا بعالم السحر والسحرة·· بل وحتى علاقة السحر بالسيمياء (علم السيمياء أو السيميلوجيا ·· علم يُعنى بدراسة الظواهر الطبيعية) حيث يعرّف ابن خلدون السحر بقوله: ' هو علمٌ بكيفية استعدادات تقتدرُ النفوس البشرية بها، على التأثير في عالم العناصر بغير مُعين أو بمعين من الأمور السماوية· والأول هو السحر والثاني هو الطلسمات··(جمع طلسم·· وهو العمل أو الرُقية)'·
ولو نظر أحد بإمعان إلى هذا القول لاستنتج أنَّ مفهوم السحر عند ابن خلدون يتلخص في كونه علماً من العلوم التي يتعلمها بعض الناس لإخضاع العناصر والأشياء وتسييرها لجعلها رهن أمر الساحر، فتكون جميع الأمور التي يتدخل الساحر في تصريفها ذات نتائج مبهرة أو معجزة· كما ربط ابن خلدون السحر بأهل بابل من السريانيين والكلدانيين وبالقبط من أهل مصر·
كتب السحر
ويتحدث ابن خلدون عن كتب السحر وندرتها فيقول في ذلك: ' كتب السحر كالمفقود بين الناس، إلا ما وُجد في كتب الأقدمين، في ما قبل نبُّوة موسى مثل النبط والكلدانيين'· ثم يذكر مجموعة من الكتب التي ألفَّت في السحر فيقول: ' كانت هذه العلوم من أهل بابل من السريانيين وفي أهل مصر من القبط وغيرهم· وكان لهم فيها التأليف والآثار ولم يترجم من كتبهم إلا القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل، فأخذ الناس منهم هذا العلم وتفننوا فيه·· ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طمطم الهندي في صور البروج والكواكب وغيرها· كما يذكر ابن خلدون نوعين من السحر أحدهما يأتي عن طريق الصناعة، ويقصد بذلك صناعة السحر عن طريق تسخير القوى المجهولة في عمل الساحر أو عن طريق الإيحاء النفسي فيقول: ' ظهر في المشرق جابر بن حيّان كبير السحرة في هذه الملّة فتصفّح كتب القوم واستخرج الصناعة وغاص على زبدتها ووضع فيها التآليف وأكثر الكلام عن السيمياء لأنّها من توابعها، لأن إحالة الأجسام النوعية من صورة إلى أخرى (يقصد من هيئة وطبيعة معينة إلى هيئة أخرى) إنّما يكون بالقوّة النفسية·· لا بالصناعة العملية'·
أنواع السحرة
ويُصَّنِفُ ابن خلدون السحرة إلى أنواعٍ أو أصنافٍ ثلاثة· فالصنف الأول يتضمن السحرة الذين يملكون مواهب خارقة في داخل أجسامهم تمكّنهم من مزاولة أعمالهم السحرية، فهم يأمرون قوى الطبيعة فتطيعهم بما لديهم من إمكانيات خارقة قد تكون مجهولة لدى الناس أو حتى لدى الساحر نفسه· أما الصنف الثاني من السحرة، فإنهم يزاولون أعمالهم بمساعدة من الأفلاك والكواكب، أو بتسخير الحروف والأرقام ضمن طرق مقننة معروفة لديهم ويستخدمونها في تحقيق ما يبتغونه من أمور·
وأما النوع الثالث من السحرة فيدعوه ابن خلدون بالقوة المتخيلة، إذ يقول عنهم أنّهم يقومون بإيهام الناس برؤية أمور غير موجودة، أو إيهامهم بعدم رؤية ما هو موجود من حولهم· ثم يتطرق ابن خلدون إلى كيفية تعلّم السحر فيذكر ان ذلك يتم عن طريق التأمل بالأفلاك وعمل الرياضات النفسية المجهدة·· كما يتطلب الأمر من الساحر الخضوع إلى والتذلل لعالم الجنّ والشياطين لمساعدته في عمله·
تفتيت القلب بالسحر!
كما يسوق ابن خلدون بعض الأمثلة الهامة للسحر في ذلك الزمان فيقول: ورأينا بالعيان من يصوّر صورة الشخص المراد سحره، ثمَّ ينوي بما يريد أن يفعله به، فيحصل للمسحور ما نواه· ويستطرد بعد ذلك فيقول: وشاهدنا أيضا من المنتحلين للسحر وعمله من يشير إلى الكساء أو الجلد ويتكلم عليه في سرِّه، فإذا هو متقطّع متخرِّق· ويشير كذلك إلى بطون الغنم في مراعيها فإذا أمعاؤها ساقطة من بطونها إلى الأرض!
وما هذه إلا مجموعة من مشاهدات كثيرة رصدها ابن خلدون·· ذلك المؤرخ الذي عُرف بالدقة في مشاهداته ورصده للأمور بالإضافة إلى صدقه في ما يرويه من روايات ينقلها عن غيره من الناس·· كتلك الرواية التي يقول أنّه سمع بها وتحكي أخبار بعض السحرة، حيث يقول: وسمعنا بأرض الهند حتى هذا العهد(يعني عصره) من يُشير إلى الرُمانة فتُفْتَحُ، فلا يوجد من حبوبها شيء، ويُشير إلى الإنسان فيُفتّتُ قلبهُ ويقعُ ميِّتاً·· ويُنْقَبُ (أي يُنبش قبره) فلا يوجد·

اقرأ أيضا