الاتحاد

دنيا

احتيالات الفقراء في عالم الأغنياء

للفقراء أساليب ذكية جدا في الاحتيال على الواقع، وقدرة على العيش رغم أنف الفاقة ورأسها وبنكرياسها وبطينها الأيمن. ببساطة، الحياة دون هذه الاحتيالات تصبح شبه مستحيلة، فالحاجة أم الاحتيال وأخته وجدته:
كان الحمار حروناً أكثر مما ينبغي، وكان ينهق بصوت منكر وعال جدا، مما يزعج أهل الحارة ويقلق راحتهم وينكد عيشتهم. المشكلة أن أهل تلك الحارة لا يستطيعون الاستغناء عن ذلك الحمار الجهوري، لأنه المكلف مع سائقه المرخص بنقل النفايات إلى المحرقة، لاسيما أن الطرق الوعرة الضيقة لتلك الحارة لا تسمح لسيارات البلدية بالوصول إليها.
في الحالات الصعبة يتم الرجوع إلى الخبراء وشيوخ الطريقة، فذهب موفد من الحارة الى شيخ المكارين والحمارين في المدينة ـ أو قل القرية- وشرح له المشكلة التي تعانيها الحارة مع ذلك الحمار الجعاري الأرعن.
تنحنح شيخ الحمارين، ثم سرح بنظره الى الأعلى على طريقة المرحوم القذافي، ثم أعاد نظرة ببطء من الأعالي ووجه نظرة حادة إلى موفد القرية وقال بسرعة، لكأنه خشي أن ينسى الوصفة:
? شحّمه!!
لم يفهم الموفد هذه الكلمة في البداية، حيث تم تسكين الحاء، وبعد تشغيل دماغه قليلا، أدرك أن الرجل يطلب منه تشحيم الحمار.
? وهل هو سيارة صدئة أو ماتور ماء معطل حتى أقوم بتشحيمه؟.
بهدوء ومعلمانية شرح شيخ الطريقة الموضوع لمندوب الحارة، وطلب منه تشحيم مؤخرة الحمار فقط، وسوف تنتهي المشكلة تماما بعد التشحيم، لأنه طلب منه تشحيم الحمار يوميا، عدا العطلات والأعياد.
مندوب الحارة المغلوب على أمره، عاد الى المجلس القروي وشرح الحل، فطلب المجلس القروي من سائق الحمار أن يقوم بتشحيم مؤخرة حمار على سبيل التجربة.. لعل وعسى!!
تمت العملية بنجاح، وفجر اليوم التالي، قلق الناس في الحارة حينما لم يسمعوا نهيق الحمار المنكر، إذ خشوا أن يكون قد مات أو مرض أو استقال، لكنهم بعد إرهاف السمع تناهى الى أسماعهم صوت ناعم يشبه نقيق الضفادع النفساء.
أطل البعض برؤوسهم الى مسار الحمار التقليدي، فشاهدوا الحمار يسير وهو يحاول النهيق، فتخرج منه على شكل كأكأة ونقيق، لأن مؤخرته المطلية بالشحم تمنعه من إخراج الصوت المنكر المعتاد.
وهكذا اشترى المجلس القروي تنكة شحمة، لغايات تنعيم صوت الحمار.
بربكم ألا يخطر في بالكم أناس أو جهات بحاجة الى التشحيم اليومي؟!

???
حيلة أخرى يعتمدها الفقراء في الأردن، وعلى الأغلب أنهم لم يبتكروها بأنفسهم، بل كانت على شكل رد فعل عفوي على الفقر، ومن المؤكد أنها ـ هذه الحيلة- مستخدمة في أقطار عربية وأجنبية كثيرة.
الحيلة تسمى «دهان الترخيص»، وهي طريقة يتم فيها استكمال معاملات ترخيص السيارات القديمة التي تحتاج الى الدهان، لكن الدهان الحقيقي، حيث تدخل السيارة الى الفرن، ثم يتم دهنها لتخرج كأنها من الوكالة.. هذا الدهان مكلف كثيرا بالنسبة لأصحاب السيارات المهترئة.
لذلك، فإن هناك ورشات للدهان تقوم بما يسمى بـ «دهان الترخيص»، حيث يتم رش السيارة بدهان قليل الكلفة، وبدل أن يدفع صاحب السيارة مبلغا لا يقل حده الأدنى عن 250 دولارا يدفع حوالي 50 دولارا فقط لا غير. ويتم منح السيارة رخصة لعام كامل.. لكن صاحب السيارة يحتاج - على الأغلب- في العام القادم إلى دهان ترخيص آخر.
دهان الترخيص.. دهان خادع مراوغ، لكنه ضروري في الزمن الصعب!!



يوسف غيشان
ghishan@gmail.com

اقرأ أيضا