الاتحاد

الملحق الثقافي

هموم عالمية وقضايا إنسانية تضمنتها قائمة أفضل إصدارات عام 2008

من بين مئات الكتب التي صدرت بالإنجليزية عن دور النشر العالمية اخترنا أفضل خمسة كتب نشرت عام ،2008 من ضمن القوائم التي أعدتها وسائل إعلامية مختصة· والكتب الخمسة هي ''الحرب الأبدية'' للمراسل الحربي ديكستر فيلكينز، و''مذكراتي عن جوانتانامو'' الخطوة الشجاعة التي أقدمت عليها فتاة أميركية من أصل أفغاني لمساعدة نزلاء سجن جوانتانامو، و''استئناف'' رواية غير تقليدية عن جرائم التلوث البيئي، و''سرحات فلسطينية'' وهي توثيق ساحر لمعالم الضفة الغربية التي يحرص الاحتلال الإسرائيلي على تغيير معالمها بالمد الاستيطاني، و''أسرع يا شروق الشمس'' مشوار اليأس والألم والحب والأمل لأب تعاني ابنته فجأة من عوارض الجنون·
وعلى الرغم من تنوع مضامين تلك الكتب واختلاف مجالاتها إلا أن القاسم المشترك الذي يجمع بينها هو تناولها لقضايا عالمية وشؤون إنسانية تشغل حيزا كبيرا من اهتمام الناس· وعلى الرغم من أن الإصدارات التي تم اختيارها لا يتمتع أصحابها بالشهرة والنجومية في عالم الأدب إلا أنها لأقلام تشهد لها الأوساط الأدبية بالرصانة وعمق التحليل وبالجرأة وجدية الطرح· وفي السطور التالية نبذة مختصرة عن محتوى الكتب الخمسة·
الحرب الأبدية!
من أبرز كتب العام الماضي كتاب صدر في 16 سبتمبر 2008 بعنوان ''الحرب الأبدية'' والذي يتناول تقييما إنسانيا للتجربة الأميركية في حربها على الإرهاب بقلم ''ديكستر فيلكينز''، وهو مراسل صحيفة ''نيويورك تايمز'' الحائز على جائزة أفضل مراسل حربي لعام ·2008 وهو صحفي يشهد له بنظرته العميقة والمحايدة في تحليل مجريات الأحداث من الداخل وهو ما مكنه من تقديم كتابا ثريا بالتفاصيل الإنسانية الدقيقة استنادا على مشاهداته للحربين في أفغانستان والعراق منذ عام 1998 وحتى عام ·2006
ويبدأ الكتاب بمشهد يجسد إعدام رجل أفغاني في كابول على يد جماعة طالبان، ويختتم بمشهد يتجول فيه الكاتب بين شواهد قبور ضحايا الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى في بغداد· وما بين المشهدين مزيج هائل من الصور والتأملات لحجم المعاناة الإنسانية في مسرح الحرب على الإرهاب· وهي قصص تشهد على شجاعة المؤلف ورغبته في ترويض الخطر من أجل نقل صورة حقيقية للحرب· إذ لم يكتف بدور المراقب بل تعداه إلى دور المتفاعل· وينقل ''فيلكينز'' من خلال سطور كتابه حوارات تلقائية تدور بين العراقيين يترحمون فيها على أحوالهم قبل الحرب وهو ما لا يصل عادة إلى مسامع القارئ الأميركي، كما يصف بدقة حالة ''الأهداف البشرية'' أو من يطلق عليهم الجيش الأميركي اسم المتمردون· وهو وصف عام يمكن أن ينطبق على أي من 27 مليون شخص هو تعداد الشعب العراقي كله·
ويتضمن الكتاب فصلاً بعنوان ''··خارج المنطقة الخضراء'' يضم تجارب خطيرة وقصصا مثيرة خاضها المؤلف خارج المنطقة الآمنة التي يتحرك فيها المراسلين الأجانب عادة، لينقل الحقيقة كما ينبغي للعالم أن يراها وإن كلفته حياته· أما ما يميز هذا الكتاب عن غيره من عشرات الكتب التي تناولت الحربين على أفغانستان والعراق هو ذلك التجرد التام الذي يصدم به الكاتب قرائه ويقظته الدائمة في تقديم رؤية إنسانية مجردة· فالكتاب خال تماما من عبارات التودد التقليدي للسلطة السياسية أو القيادة العسكرية وليس به أية إشارة إلى رياح الحرية التي هبت من الغرب على بغداد·
مذكراتي عن جوانتانامو
وفي المرتبة الثانية يأتي كتاب ''مذكراتي عن جوانتانامو'' والذي يجسد تجربة فريدة وجريئة لطالبة أميركية من أصول أفغانية تدرس القانون في جامعة ميامي تطوعت للعمل مترجمة للسجناء الأفغان في سجن جوانتانامو· وتروي ''ماهفيش رخسانا خان'' من خلال كتابها الذي صدر في 10 أغسطس 2008 قصصا إنسانية مؤثرة لأناس يعيشون كابوسا حقيقيا منذ لحظة اعتقالهم· مدفوعة برغبتها في معرفة الحقيقة وإيمانها بقيم الحرية وحقوق الإنسان وبحكم صغر سنها وضحالة تجربتها وجدت نفسها غاضبة لوجود سجن في وطنها خارج نطاق القانون· ليس لنزلائه الحق في الدفاع عن أنفسهم أو معرفة جريمتهم أو المثول أمام المحاكم وهو ما يمنح للسفاحين والقتلة والمغتصبين· وفي مذكراتها ذكرت ''ماهفيش'' انطباعاتها عن زيارتها الأولى لسجن جوانتانامو عام 2005 وانبهارها بالألفة التي جمعتها بالسجناء الأفغان بحكم معرفتها بلغتهم وفهمها لثقافتهم· وما أن قدمت لهم الشاي الأفغاني حتى قدموا لها نصائح أبوية غالية وفتحوا لها خزائن أسرارهم ونقلوا لها تجربتهم المريرة مع الأسر والاعتقال والغربة والظلم· وعلى مدى زياراتها المتكررة والتي بلغت 36 زيارة تجلت الحقيقة لـ''مهافيش'' أن معظم نزلاء هذا السجن أبرياء تم بيعهم إلى الولايات المتحدة من قبل صيادي الرؤوس قناصي الجوائز· ففي تلك الفترة كانت القوات الأميركية توزع منشورات تحمل 25 ألف دولار جائزة لكل من يسلم شخصا من القاعدة أو طالبان· فكثر صيادي الرؤوس الباحثين عن الجوائز وكثيرا ما كانوا للاسف أقرباء حاقدين أو جيران حاسدين أو أناس على خلاف معهم بسبب المذهب أوالعرق· ويطل علينا من مذكراتها صورة ''علي شاه موسوي'' طبيب أطفال أفغاني عاد إلى بلاده أفغانستان من منفاه الاختياري في إيران بعد سقوط حكومة طالبان ليفتح عيادته الصغيرة· لكنه بليل وجد نفسه في قاعدة باجرام الجوية في قبضة القوات الأميركية يتعرض للضرب والتعذيب دون أن يستمع أحد إلى قصته حتى وجد نفسه معصوب العينين ومكبل اليدين لشهور في جوانتانامو· وبعد عام ونصف أمليت عليه تهمته وبعد سنوات ثبت أنه بريء فأعيد إلى أهله في إيران·
وبين وجوه السجناء نكاد نرى عبدالرحيم مسلم وبدر زمان اللذين يقتلان الوقت بقرض الشعر· فهما يتباريان في كتابة الشعر على الأكواب البلاستيك بأظافرهما ثم ينقلان القصائد فيما بعد إلى الورق الذي تمنحه لهما بعثة الصليب الأحمر ثم توزع الأوراق على السجناء الذين من شدة الفراغ يحفظونها عن ظهر قلب· وهناك حاجي نصرت خان السجين الذي تجاوز عمره 80 عاما والذي ذهب عام 2003 إلى القوات الأميركية يشكو غياب ابنه فألقي القبض عليه واتهم هو وابنه بتهريب سلاح للقاعدة·
أما أجمل فصل في الكتاب فهو عندما ذهبت ''ماهفيش خان'' إلى أفغانستان على غير إرادة والديها لتقوم بزيارة أهالي بعض السجناء وعادت محملة بأشرطة مصورة وأخرى مسجلة وهدايا محملة بمشاعر الحب والشوق لآباء وأزواج وإخوان· وتنقل ''ماهفيش'' صورة السجناء وهم يلثمون رائحة أحبائهم ويبكون من شدة الفرح وقسوة الألم·
الاستئناف
وبالطبع ليست كل الكتب المختارة تدور في فلك السياسة· فهذه رواية بديعة من أدب المحاكم عنوانها ''الاستئناف'' للكاتب ''جون جريشام'' الحائز على عشرات الألقاب الأدبية· فهو صاحب أفضل الكتب مبيعا لعشرين كتابا من مؤلفاته· أما روايته التي بين أيدينا فلقد نشرت 29 يناير عام 2008 وتتألف من 368 صفحة· وقد وصفها النقاد بأنها أفضل ما نقله أدب القضايا والمحاكم عن قضايا البيئة خلال العشرين سنة الماضية· وعلى غير المألوف تبدأ الرواية من حيث تنتهي معظم الروايات بمشهد صدور حكم المحكمة· يجرم القاضي فيه ويغرم شركة كيماويات عملاقة ويحملها مسؤولية أسوأ حادثة انتشار مرض السرطان بين مئات البشر نتيجة رميها نفايات كيماوية خطرة في مجرى مياه الشرب لبلدة نائية على نهر المسيسبي· كان هذا هو الحكم لكن الأحداث المثيرة للرواية تبدأ بعد قرار المحاكمة الابتدائية والانتقال إلى مرحلة النقض· وتحكي الرواية قصة شابة شجاعة فقدت ابنها وزوجها بسبب تلوث مياه الشرب مما دفعها إلى اللجوء للقضاء· ويقف إلى جانب الخير معها محاميان يتبنيان هذه القضية وينفقان مدخراتهما كلها في سبيل الصمود أمام رجل فاسد هو رئيس شركة الكيماويات وهو رجل أعمال يستخدم ثروته ونفوذه السياسي في رشوة النظام القضائي وتسخير علاقاته السياسية لخدمة مصالحه التجارية· تعد هذه الرواية من أفضل ما كتبه ''جريشام'' ويتجلى تميزها في الثراء غير العادي لشخصيات الرواية والاعتناء بالتفاصيل الدقيقة التي تضفي مصداقية على الشخصيات الثانوية· وتقدم القصة نماذج إنسانية رائعة لشجاعة امرأة ونزاهة قاض وتضحية المحاميين· أما أعظم ما في الرواية فهو فضحها لأساليب الفساد الإداري وإمكانية شراء العدالة·· فحيثما يوجد إغراء المال يوجد الفساد·
سرحات فلسطينية
عندما تمتزج السياسة بالتاريخ وأدب الرحلات بالسير الذاتية في لغة أدبية رقيقة تجد نفسك أمام عمل أدبي شيق وقيم· فصفحات كتاب ''سرحات فلسطينية·· غزوات في أرض متلاشية'' والذي صدر باللغة الإنجليزية في 3 يونيو 2008 يستعرض فيه المحامي الفلسطيني والناشط في حقوق الإنسان رجاء شحادة حجم التغيرات التي طرأت على المعالم الطبيعية والجغرافية والسكانية والمعيشية في الضفة الغربية تحت وطأة الاحتلال· ويروي شحادة مشاهداته خلال جولات قام بها في قرى رام الله وأريحا في الضفة الغربية على مدى 25 عاما معبرا عن معانيها السياسية والتاريخية ومبينا ملامح الأراضي الفلسطينية التي يقوم الاحتلال بمحوها يوما بعد يوم· ويضم الكتاب ست سرحات· وكلمة سرحات·· في الثقافة الفلسطينية تعني الخروج في الساعات الأولى من الصباح سيرا على الأقدام إلى منطقة معينة· ونجد الكاتب قد أصر على استخدام هذه الكلمة في كتابه الصادر بالإنجليزية تأكيدا على مفهوم التأمل أثناء المشي· وتضمنت المقدمة معلومات تاريخية عن رحلات قام بها زوار إلى فلسطين قبل القرن التاسع عشر ومنهم مارك تويني الاميركي· لكن اليوم لم تعد النزهة ممكنة في الأراضي الفلسطينية لكثرة الحواجز والإغلاقات والمستوطنات التي تقطع أوصال الضفة الغربية· ففي النزهة الأولى يصف الطبيعة في قرية قريبة من مدينة رام الله كان أحد أقربائه يمشي إليها ويتأملها ويخيم في آثار قصر حجري وكيف أنه ذهب إليها فوجد مخططات التوسيع الاستيطاني قد غيرت معالم المنطقة وأن التلة البرية الجميلة قد أقيمت عليها مستوطنة إسرائيلية تدعى ''دوليب''· وكذلك حدث مع كل القرى بين رام الله وأريحا بفعل البناء الاستيطاني·
أسرع يا شروق الشمس
الصدمة والخوف والحب والألم مشاعر عميقة تنقلها لنا واحدة من أروع ما أبدعه أدب السير الذاتية· وهي رواية للكاتب الصحفي الأميركي ''مايكل جرينبيرج'' بعنوان ''أسرع يا شروق الشمس'' مهداة لكل أب محب يسخر نفسه لرعاية ابن مريض· وهي رواية واقعية تستمد أحداثها من مأساة حقيقية عاشها الكاتب نتيجة إصابة ابنته العاقلة بالجنون· الكتاب الذي صدر في 9 سبتمبر عام 2008 عن دار نشر ''أوذر برس'' وصفه النقاد بأنه من أفضل السير الذاتية التي كتبت خلال السنوات العشر الماضية لسهولة الأسلوب وصدق المشاعر وبلاغة العبارات· فلقد نجح الكاتب في أن ينقل للقارئ بشفافية بالغة ما يدور في رأسه وهو يحكي عن مشاعره تجاه ابنته حتى يكاد القارئ يتوحد معه· وتبدأ مذكرات ''جرينبيرج'' بالتوقف عند تاريخ هام في حياته هو 5 يوليو 1996 عندما أصيبت ابنته لأول مرة بنوبة عصبية· ''سالي'' التي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها والتي تعيش مع زوجة أبيها وأخيها الأصغر من أبيها كانت فتاة ذكية ومتفوقة وعطوفة ومحبة للجميع· لكن مرضها غير هويتها وبدل شخصيتها وقلب حياة أسرتها رأسا على عقب· فباتت منفصلة عن واقعها وتمثل خطرا على نفسها وعلى الآخرين· وهو مرض نفسي يعرف بثنائية القطب· ويطرح الكاتب سؤالا عن دور الوراثة في هذه الحالة المرضية النادرة بعد أن عانى أخوه لسنوات من المرض النفسي· صورة يرسمها ''جرينبيرج'' لحجم معاناة والد يقف عاجزا أمام آلام ابنته· ورغم ظلام اليأس الذي يسكن بداخله إلا أن أمله بعودتها إلى طبيعتها يولد مع كل شعاع شمس يوم جديد·

اقرأ أيضا