الاتحاد

دنيا

أكون ضحية ولا أكون أضحية

لو دخل سائق يلعب بهاتفه المتحرك أو يعبث بأنفه الثابت عكس اتجاه السير واصطدم بحافلة تقل مئة شخص، وماتوا كلهم بسبب الحادث، فإن هذا السائق اللعين لن يُحبس أكثر من ثلاث سنوات، فأقصى عقوبة للقتل الخطأ هي الحبس تلك المدة، بغض النظر عن عدد القتلى ما داموا كانوا ضحايا فعل إجرامي واحد. كما أن الديّة الشرعية تدفعها شركة التأمين، وقد تغضب إدارة المرور على السائق وتحجز رخصة قيادته بضعة أشهر، يعود بعدها إلى الشوارع يلعب بهاتفه أو بأنفه.
لكن لو كمن شخص لآخر، واحد فقط لا غير، وتربّص به وترصّد له، ثم هجم عليه وطعنه بسكين وأرداه قتيلاً، فإنه سيذهب إلى ساحة الرمي بالرصاص ليواجه الموت الذي لا مفر منه، على الرغم من أنه قتل شخصاً واحداً فقط، بينما صاحبه الذي قتل مئة شخص قد يعمّر ألف سنة ويعيد سرد قصة الحادث مليون مرة وهو يضحك. فهو ارتكب جريمة غير عمدية، بينما الثاني ارتكب جريمة عمدية.
وفي كل جريمة أو فعل ضار يرتكب بشكل غير عمدي، فإن مرتكبه ينجو تقريباً من العقوبة، أعني يحصل على عقوبة خفيفة مقارنة بعقوبة المتعمّد، لكن لو خُيّرت بين أن أكون ضحية لجريمة أو فعل غير عمدي أو عمدي، فإنني أنصح نفسي بأن أختار أن أكون ضحية جريمة أو فعل ضار عمدي.
فلو اشتريت سيارة باهظة الثمن وأوقفتها أمام باب منزلي، وكان مكتوباً في اللوح المحفوظ بأن سيارة فلان بن فلان ستهشم زجاجها الأمامي منذ اليوم الأول لشرائها، فإنني أفضّل أن يقترب شخص يحرقه الحسد من سيارتي، ويأخذ حجراً ويقذف به على زجاجها ويولّي هارباً، من أن تمر سيارة مسرعة ويقذف سائقها بإهمال منه ورعونة زجاجة كولا فتسقط على زجاج سيارتي وتهشمه ويواصل السائق طريقه من دون أن يدري ما حصل للزجاجة التي قذف بها.
أما لم أفضّل أن أكون ضحية للحاسد اللعين من أكون ضحية للمهمل الأرعن، فلأن غليلي القانوني سيُشفى لو ألقي القبض على من أتلف زجاج سيارتي الجديدة، فالمتعمد قد يحبس بينما غير المتعمد لن يحبس في الغالب، وإنما غرامة سيدفعها للمحكمة. صحيح أن الاثنين سيجبران على تصليح الضرر، لكنني سأنام قرير العين حين أعرف أن من أتلف زجاج سيارتي ينام خلف القضبان، ولن أحصل على تلك النومة حين أعرف أنه لا يزال يشرب الكولا ويقذف بها إلى الخارج. كما أنه لن يحاسبني أحد، لا بشر ولا ملائكة، لو بقيت طيلة حياتي ألعن المجرم الذي أتلف زجاج سيارتي، بينما الناس سيقولون لي كلما فتحت فمي لألعن المخطئ الذي أتلف الزجاج: يا أخي انس الموضوع، لم يكن الرجل متعمداً، وعفا الله عما سلف.
أضف إلى هذا بأن وجود شخص يحقد عليّ، ويحاول أن يضر بي، يعني أنني شجرة مثمرة يحاول الأعداء رميها، وقد أقيم قصوراً من البطولات وأبراجاً من الأمجاد على أعمدة الأعداء الذين يحطيون بي من كل جانب، فلو لم أكن مهماً أو بطلاً أو ناجحاً أو صاحب مبادئ لما فكّر أحد بالاعتداء علي، بينما وجود شخص لا يعرفني، ولا يريد أن يعرفني، أخطأ بإهمال منه في حقي، يعني أنني عشبة تافهة داسها أحد الحمقى.
وفي الصحف اليومية، فإن خبر شخص لقي حتفه نتيجة خطأ لا ينشر إلا مرة واحدة، بينما خبر شخص قتل في جريمة، سينشر كلما استجد شيء في القضية، فمرة حين قُتلت رحمني الله، ومرة حين شرّحوا جثتي المتعفنة، ومرة حين صرّح الضابط المسؤول بأن التحريات جارية للقبض على القاتل، ومرة بعد القبض على المجرم، ومرات عديدة أثناء محاكمته وإنزال العقاب به.
وإذا كان مقدّراً لي أن أدفع مبالغ إضافية وبغير وجه حق لإدارة الكهرباء مثلاً، فإنني أفضّل أن يقوم الموظف المسؤول بإضافة مبالغ على فاتورة استهلاكي للكهرباء ثم يضع المبلغ في جيبه، من أن تأتي الإيصالات أمام الموظف المسؤول عن إدخالها في البرنامج، ويكون هذا الموظف جديداً لا يفرّق بين الكمبيوتر وبين الغسالة، ويكون في لحظة الإدخال مشغولاً بالتهام سندويتش فلافل، فيضيف رقماً إلى الرقم الحقيقي وأضطر إلى دفع هذه الزيادة من دون أن أشعر، ومن دون أن يشعر المخطئ.
يجب أن أفضّل دائماً أن أكون ضحية للموظف اللص لأنه يعرف أنه «حرامي»، وقد يستيقظ ضميره في يوم ما ويعيد إلي حقي أو يسلمه لأحفادي، وإذا لم يشأ افتضاح أمره يكفي أن يدعو لي بالرحمة إذا علم بوفاتي، بل يكفيني أن يفسح لي المجال في الطريق ويقول في نفسه: يكفي إنني سرقت ماله.
أما الموظف المهمل، فإنه لن يتدارك الخطأ الذي وقع فيه، ولن أخطر أنا المتضرر بباله البتة، حتى لو تصادف أن التقى بي وجهاً لوجه ونحن نلعب «البتة». وقد يراني ويتذكرني ويهزّ لي ذنبه مفاخراً بأنه الموظف الذي أنهى معاملتي. وإضافة إلى خسارتي الدنيوية فإنني كضحية سأخسر في الآخرة أيضاً، لأن المهمل أو المخطئ قد يفلت من العقاب، لأن الإهمال قد يكون نتيجة نقص في عقله أو بلادته أو غباء مديره الذي كلّفه بما لا يستوعبه عقله الصدئ، وهي أمور لا أعتقد أن المرء سيعاقب عليها، فضاع الحق في الدنيا ولم يسوّ في الآخرة. أما «الحرامي»، فإن له حساباً عسيراً عند الله، وسيقتص منه إلى آخر فلس «لطشه» من الناس، ولأنه لا مجال للمقاصة المالية يوم القيامة وإنما مقاصة الحسنات والسيئات، فقد آخذ منه حسنات كفالته ليتيم في مقابل المئة درهم التي سرقها مني في الدنيا، وهذه هي التجارة ولا «بلاش».
وإذا كان هناك أشخاص يقرأون المقالات من نهايتها، فإنني سأوفّر عليهم عناء قراءة المقال كاملاً وأقول إن الضحية هي التي تكون الطرف المجني عليه في جريمة أو فعل عمدي، بينما المجني عليه في خطأ أو إهمال هو أقرب إلى الأضحية، يعني «خروف».


أحمد أميري
me@ahmedamiri.ae

اقرأ أيضا