الاتحاد

الملحق الثقافي

النقد والذات الشخصية

فهمت النقد الأدبي على أساس أنه علم، وهذا الفهم ليس فيه خصوصية؛ لأنه فهم شائع ومتداول في الخطاب النقدي العربي، ولا يحتاج إلى تأكيد، ورغم أنني أواجه مثل غيري، بصعوبة في تعريف النقد إلا أنني أستريح إلى فهم ضمني له شائع، وهو أن النقد أو القراءة النقدية كتلة من الإجراءات التي تقود إلى فهم النص فهما علميا موضوعيا يستند على بلاغة أكاديمية مفرطة في إقصاء الذات· ولم تعد هذه الموضوعية في المشهد النقدي العربي خاضعة للسؤال، ولم تكن أصلا منطقة للبحث والنقاش، فلذلك فالنقد يماثل بالوعي الموضوعي والتفكير الذي يدرس النصوص المتسمة باللاوعي والذاتية، وهنا تظهر المفارقة· ويقول نورمان هولاند: ''إننا شئنا أم أبينا شخصيين، فلذلك دعونا نذهب مع الشخصي، دعونا نستمتع، دعونا نطرد عنا ادعاء العصمة التي اعتدناها في مؤسساتنا الأكاديمية، ونأخذ قسطا من اللهو والمزاح''، ولنتساءل هنا: هل القراءة النقدية هي قراءة بحق؟
ولنتأمل هذا السؤال عن طريق تجاربنا الشخصية في التدريس، فمعظمنا يجد الطلبة في المحاضرات يماثلون أنفسهم بالشخصيات السردية، ويقعون في حب المؤلفين، ويميلون إلى الكلمات الاجتماعية، ويستنكرون ما لايدركون مثل البنيوية وما بعدها والتفكيكية ومابعد الحداثة··· ويستخدمون الأقلام المشعّة الوردية والصفراء على الصفحات، يبكون ويضحكون، ويقرؤون بطرق شخصية متنوّعة، وندعي بأنها لابد أن تتغيّر كلها؛ ولابد أن يدرسوا القراءة النقدية المتعارضة مع قراءتهم غير النقدية، وماذا يعني تدريس القراءة النقدية المتناقضة مع كل أشكال القراءات التي يتبعها الطلبة؟ ولماذا قراءتهم قراءة غير نقدية، وقراءتنا نحن الأكاديميين نقدية فحسب؟
ويبدو واضحا أن مهمتنا نحن الأكاديميين العامة هي إخراج الطلاب من القراءة اللانقدية، وإدخالهم في القراءة النقدية التي أصبحت أيدولوجية شائعة في الحقل الأكاديمي، ونادرا ما نشعر بأننا في حاجة إلى شرحها على الأقل لأنفسنا قبل أن نشرحها لغيرنا· ويطلب اليوم في مجمل الجامعات العربية من الطلاب دراسة مساق بعنوان: ''القراءة النقدية'' أو ''تحليل النص'' و''علم تحليل النص'' أو ''تحليل النص الأدبي''، وأضحت هذه المصطلحات رغم غموضها شائعة ومفهومة وتعرّف ذاتها بذاتها، لأنها تقوم على تشريع الحرفة والاختصاص، وتجعلنا نوجّه الكلام لطلابنا: لا تستخدموا الأسلوب العاطفي، كونوا موضوعيين، أنتم لستم في مكان عام، أنتم في قاعة لها قدسيتها، لذلك لا تقرؤوا مثل الأطفال، أو لا تكونوا مثل الأصوليين أو القدماء أو الأيدولوجيين أو المتحيزين جنوسيا· والطلبة المساكين ينساقون ببساطة إلى توجيهاتنا، لأنهم يتخيلون ـ مثلما نتخيل عن أنفسنا ـ بأننا نحن وحدنا حملة علم أصول التدريس القوي جدا، ولدينا مهمة بطولية تتجلى في إنقاذهم من العادات المضللة للقراءة اللانقدية، وهذا يسوّغ لنا أن ندعي بأن قراءتهم سخيفة وغير ناضجة وخاطئة·
A.tamim@kalima.ae

اقرأ أيضا