الاتحاد

دنيا

محمد بخيت المنهالي: كارثة القرن غيرت موقعي في الإعلام الشعري


خديجة الكثيري:
كارثة هالقرن صدمة هزت الصلب الجمود
من صـــداها رج منهو فالمشارق والمغــــارب
والجنازة لي مشت من موكــــــــــــــــب أو ورود
وردهـــا دمع العيون وحزنها أكبر كـــــواكب
حل في ليلة غيابك بالإمارات الركـــــــــــــود
والشــــوارع والمداين ما بها غير الهبايــــب
والعلم حشمه لزايد كبر وصلى سجــــــــــود
وانتكــس معلن حداده قال للمغفور واجب
بس أنجال الفلاحي قطعوا كل القيــــــــــود
يوم ساقوها الجنازة محملة فوق المناكب
ما رضى بكره خليفه ينقل النعش الجنود
قال مال للنعش غير عياله وأقرب قرايب
بأبيات هذه القصيدة المؤلفة من ستين بيتا، والمكتوبة بمداد الألم والحزن والأسى على رحيل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'طيب الله ثراه'، دخل الشاعر محمد بخيت المنهالي ساحة الشعر الشعبي الإماراتي من بوابة الكبار، وهو الموهبة الشابة التي أرادت أن تطرق باب الشعر الشعبي مستأذنة دخولها ومشاركة جيلها في نظم الشعر الشعبي ودفع عجلة تطور الساحة الشعرية في الإمارات، إلا أن قيودا وظروفا روتينية يفرضها المسؤولون عن الإعلام الخاص بالشعر الشعبي كبلت قصائده ومنعتها من الظهور، وهي القصائد المفعمة بالعذوبة والسلاسة والشفافية، والدراما والحبكة والأفكار، وقوة اللفظ وجزالة المعنى وجمال التعبير، فبقيت حبيسة أدارج مكتبه العامر بعدد كبير من القصائد ذات المضامين والأغراض الشعرية المختلفة، التي لم تتوفر لها فرصة للخروج إلى الهواء الطلق، غير أن رثائيته العصماء عن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'طيب الله ثراه' فرضت نفسها على الجمهور وعلى الشاعر نفسه، ليس لنشرها فحسب، وإنما لإلقائها عبر قناة الإمارات وعلى الهواء مباشرة، في سابقة فريدة من نوعها، سجلت اسم المنهالي بحروف من شعر، وجعلته محط أنظار جميع وسائل الإعلام ومنابر الأمسيات الشعرية المختلفة، هنا نستضيفه لنحاوره عن قصة قصيدته 'كارثة القرن'، وموهبة الشعر الشعبي بشكل عام·
؟ لنبدأ من 'كارثة القرن'، القصيدة التي كتبت اسمك بحروف من ذهب في ساحة الشعر الشعبي، ليس لكونها رثائية في الشيخ زايد فحسب، بل لكونها من أبلغ وأقوى ما قيل في ذلك الوقت 'بشهادة الكثيرين'، حتى أطلق عليها القصيدة العصماء، ماذا تخبرنا عنها وكيف جاءت مشاركتها في 'ليلة وفاء زايد الخير والعطاء'؟
؟؟ كلنا مؤمنون بأن الموت حق، ولكن خبر رحيل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'طيب الله ثراه'، كان بمثابة الفاجعة على كل من تلقاه من أقصى الأمة العربية والإسلامية إلى أدناها، فكيف بنا نحن شعب وأبناء وطنه ومن ترعرع في كنفه الكريم، فقد كان بمثابة الرحيل الأعظم لنا، ولذلك من الطبيعي أن تتفجر حروف الشعراء بكل مشاعر الحزن والأسى لرثائه، أما أنا فتأنيت في كتابة المرثية، حتى اجمع كافة مداركي أثناء كتابتي للقصيدة، وبعد مضي عشرة أيام على الفاجعة، استخلصت الفكرة التي من خلالها أستطيع أن أكتب ولو الشيء البسيط في حق هذا الوالد والقائد العظيم الذي ستعجز جميع حروف لغات العالم عن وصفه، فكتبت قصيدتي، ولكن لم أقم بعرضها في وسائل الإعلام المسموع أو المقروء، إلا في اليوم الأخير لأيام الحداد الأربعين، حيث كان لي شرف إلقائها أمام آلاف من الحضور في 'ليلة وفاء زايد الخير والعطاء' التي نظمتها وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، بالتعاون مع وزارة الإعلام والثقافة، في المسرح الوطني· أما مشاركتي في إلقاء هذه القصيدة وتقديمها ضمن برنامج ليلة الوفاء التي شارك بها نخبة جليلة من علماء وشيوخ الدين وأصحاب الفضيلة العرب للحديث عن مآثر الفقيد، فيعود الفضل فيها إلى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي كان الداعم والمشجع الأول لي ولقصائدي، حيث كان سموه الموجه والناصح لي في معظم قصائدي، وعندما عرضت عليه قصيدتي التي أطلقت عليها عنوان 'كارثة القرن'، وكانت من 60 بيتا، وجهني سموه بالمشاركة بها في ليلة الوفاء، بعد أن تكرم سموه بسماع إلقائها لأول مرة، وفعلا شاركت بكل جوارحي ومشاعري في ليلة رثاء فقيد الوطن، وفوجئت بعد إلقائها خلال الليلة الرثائية بإطلاق عنوان 'القصيدة العصماء' عليها، وتسجيلها تلفزيونيا وإذاعيا، وطباعتها على أسطوانات التسجيل·
ليلة خالدة
؟ كيف كان شعورك وأنت تلقيها أمام آلاف الحضور في ليلة وفاء خالدة سجلها التاريخ في الإمارات بالصوت والصورة؟
؟؟ مجرد المشاركة والوقوف لتسجيل كلمات بسيطة في حق فقيد الوطن، هو شرف لكل مواطن ومقيم ومحب للشيخ زايد 'رحمه الله'، فكيف بي وأنا ألقي قصيدة من 60 بيتا اعتبرتها من أصدق وأبلغ ما قلت، وألقيتها في ليلة تاريخية كتأبين لختام أربعينية الحداد على روح الفقيد الكبير، في حضور قدر بـ 2400 شخص، بمن فيهم النخبة من العلماء وشيوخ الدين وكبار الشخصيات، كما كان الحدث منقولا على الهواء مباشرة لقناة الإمارات، وكنت الشاعر الوحيد بينهم، في الحقيقة إنه شعور عظيم أعجز عن وصفه، ولا أستطيع سوى أن أقدم الشكر الجزيل والامتنان الكبير للشيخ محمد بن زايد على هذه الثقة الغالية، ولعل شهادته لي ولمعظم قصائدي قبل عام من هذا الحدث، وسام شرف أفتخر به طوال حياتي، وأضعه على صدري مدى الحياة، ويزيد من شاعريتي، علما بأنني التقيت سموه بعد نهاية الحدث، 'فعانقني' بحنان وعطف أحسست به، وقال لي: 'بيض الله وجهك'، وأثنى علي من الثناء، ما جعلني لا أنتظر بعده ثناء أبدا، وبعد ذلك نشرت القصيدة وتناولها الإعلام وتشرفت كذلك بتلقي دعوة كريمة من الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية، للمشاركة بهذه القصيدة مباشرة في اليوم التالي، وذلك في ندوة حقوق الإنسان في دبي تحت عنوان 'الإنسان في عصر زايد' والتي كانت تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزير الدفاع، وبحضور الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد وكبار قادة الشرطة في وزارة الداخلية والقيادة العامة لشرطة دبي حيث كان يقدر الحضور بما يقارب ال 800 شخص·
نجاح وانتشار
؟ برأيك لم حظيت قصيدتك الرثائية دون غيرها من قصائد الشعراء الكبار، بهذا الانتشار والنجاح الكبير، وهل تعترف أن قصيدة 'كارثة القرن' عرفت الجمهور بشكل أكبر على الشاعر محمد بخيت المنهالي؟
؟؟ بالنسبة للشق الثاني من السؤال، نعم لقد عرفتني هذه القصيدة بشكل كبير جدا على الجمهور والمهتمين بالشعر الشعبي وغيره، أما لماذا حظيت بهذا الانتشار على بعض قصائد الشعراء الكبار والقدوة، فأستطيع القول أنني كتبتها بعد أن تجاوزت بشكل بسيط فاجعة الرحيل الكبير، وجمعت أفكاري وما أود أن أسلط الضوء عليه كجانب من جوانب هذا الحدث العظيم، خاصة وقد شاهدت جنازة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد 'رحمه الله'، وشاهد معي الملايين كيف تعاقب أبناؤه الشيوخ في حملها وتشييعها، وكيف تجمهرت الناس من الشرق والغرب، وكيف توافد قادة ورؤساء الدول للمشاركة في الجنازة، كل ذلك استطعت تصويره بشكل تفصيلي في القصيدة، التي قمت بتنقيحها وترتيبها، لتعبر عن الصدمة التي نعتبر أنها صدمة القرن وكيف هزت أرجاء دولتنا والأمة قاطبة، كما نوهت بشكل مفصل عن بعض الأمور التي قد تتبادر إلى أذهان البعض من صغار النفوس، وأحمد الله أن وجدها البعض من أقوى ما قيل في هذا المصاب الجلل· وبالنسبة لي أستطيع تفسير عدم انتشار قصائد الرثاء لشعراء كبار اعتبرهم القدوة لي، بأن الجميع شلت يداه عن الكتابة، وعجزت حروفه عن الوصف، وشحت معانيه عن التعبير، وكيف لا يكون ذلك ونحن نتكلم عن فقدان زايد الوالد والقائد وأحب إنسان إلينا في الوجود، فبعد خبر الوفاة مباشرة تساقطت دموع الشعراء شعرا دون التفكير بجودة النظم والسبك وتنقيح اللفظ وتجويد المعاني، المهم أن يخرج مباشرة من بين أضلع القلب كتعبير حي ومباشر عن الإحساس الصادق، وبحجم الأسى والحزن على رحيل زايد وهذا يكفي بالنسبة للشاعر، ولو أن البعض تريث قليلا قبل نشر قصائده الرثائية لكتب ما هو أكبر وأقوى من 'كارثة القرن'·
لم أرث الشعر
بداية متأخرة
؟ حسنا لنعد إلى بدايتك الشعرية، متى وكيف كانت، وماذا تتذكر عن أول قصائدك؟
؟؟ ربما يعتقد من يقرأ قصائدي أنني ورثت الشعر كغيري من الشعراء، ولكنني أعترف أنني نشأت وترعرعت في أسرة لا يكتب أحد منها الشعر، لكن غالبية أفرادها يتذوقونه بشكل جيد، وهذا ما عرفته منهم لاحقا، فقد كتبت الشعر منذ كنت في السادسة عشرة من العمر، وكانوا أول من يطلع عليه، وقد وجدت منهم المتابعة المستمرة لي وتشجيعي على الكتابة، هذا فضلا عن اهتمامهم بتعريف أقاربنا بموهبتي والتفاخر بي وبكتاباتي وإن كانت بسيطة في ذلك الوقت، ولكنهم أرادوا سماع ما يقول المهتمون بالشعر عن ما أكتبه من أجل توجيهي التوجيه السليم، وهنا لا أنسى والدي 'بخيت النوه المنهالي'، جزاه الله ألف خير، فقد قدم لي نصيحته القيمة التي كانت الدافع الأكبر لانطلاقتي نحو عالم الشعر وأفقه الرحب الشاسع، حيث قال لي: (يا ولدي ستواجه من خلال تنميتك لهذه الموهبة الشعرية شتى صنوف البشر من حولك، فمنهم المؤيد والمشجع لما تكتب، ومنهم الناقد بلا مبررات، كحجر عثرة في طريقك، ومنهم الناقد الذي يبتغي مصلحتك (النقد البناء)، ومنهم المتشمت الساخر لمجرد إطلاق اسم شاعر عليك، فما عليك إلا أن تتقبل الجميع بصدر رحب وعليك بالكلمة الطيبة، وتوكل على الله فإنه لا يخذل عبده إذا ما توكل عليه)، وكانت هذه النصيحة بمثابة الانطلاقة الفعلية لي في مجال الشعر والكتابة، أما أول قصيدة فكانت متخبطة بعض الشيء إلا أنها بشرت بولادة شاعر والحمد لله·
؟ ذكرت أنك لم ترث نظم الشعر، ولم تظهر ملامحه لديك إلا في سن 16 سنة، فكيف تفسر هذه الملكة الشعرية المتكاملة التي تتمتع بها اليوم؟ وهل يمكن أن يتعلم الشخص العادي كيف يكون شاعرا؟
؟؟ أذكر مقولة تعلمتها كان يقولها فطاحل الشعراء المعلمين للأدب والشارحين للشعر القديم، فكانوا يقولون لتلاميذهم، 'نحن لا نستطع تعليمكم نظم الشعر والإجادة فيه، إذا لم تكن الملكة والموهبة لديكم'، بمعنى أن الشعر لا يورث ولا يعلم، فليس كل من كان أباه شاعرا ولد شاعرا، وليس كل من قرأ في كتب الشعر وأوزانه وعروضه صنع من نفسه شاعرا، فلابد من وجود موهبة وملكة خفية في شخص الإنسان هي التي تخرج منه صورة الشعر والشاعر، ربما تكون بدايته 'مشوحه' متخبطة بعض الشيء، إلا أنه سرعان ما سيتدارك الأمر بكثرة المحاولات الشعرية والمتابعة القراءة، وهذا ما قمت به شخصيا، فقد صقلت هذه الموهبة، وحرصت أن أنميها بشكل صحيح بالاطلاع وتنمية معارفي وثقافتي بكتابات الشعر والأدب العربي الجاهلي والإسلامي وعصور المتنبي وشوقي، وذلك بهدف التعمق في معرفة اللغة من ناحية، وترقية لغتي الشعرية من ناحية أخرى، ناهيك عن حفظ الشواهد ومتون الشعر وهي ضرورية لكل شاعر، ثم قمت بالتخصص في مجالي وهو الشعر الشعبي، فنهلت من تجارب الشعراء الكبار كالماجدي بن ظاهر والعقيلي والكندي والجمري وغيرهم، وكان لذلك الأثر الأكبر في تهيئة المناخ المناسب لي في بداية كتاباتي من ناحية الاستقرار الشعري، وكذلك القراءة في أوزان الشعر الشعبي الأصيل وبحوره فتعرفت على ماهية أنواعه مثل (الريحاني والدرسعي والجمل)، واستطعت فك بعض رموز الألغاز الشعرية من خلال إلمامي بما تعنيه هذه الحروف، من أرقام ومعانٍ، وأذكر أنني استخدمت هذه الأنواع في مطلع قصيدة من قصائدي الترحيبية بالمغفور له الشيخ زايد 'رحمه الله'، أثناء زيارته لقبيلة المناهيل، وفيها قلت:
احتار فكري كيف يثني الترضـــاف
ويبدأ بأي من الحروف الأبجدية
يبدأ بهالريحان والجمل خـــــــلاف
ولا يبادرها على الدر سعيــــــــــــــــة
يا بوخليفة زاهية بكل الاطراف
دارن لفيتوها بوقت المســـــــــــــــــية
لن أستجدي النشر
؟ يلاحظ أنك بعيد بعض الشيء عن نشر قصائدك عبر وسائل الإعلام المختلفة، لا سيما في المطبوعات والصفحات الشعرية الشعبية التي تتواجد بكثرة اليوم، فما سبب ذلك؟
؟؟ بدايتي مع وسائل الإعلام بدأت مبكرة عندما كنت في الثامنة عشرة من العمر، فقد اخبرني أحد الأخوة عن لجنة مشكلة من عدة شعراء تعقدها وزارة الإعلام والثقافة، وتعنى بتقييم وتدقيق القصائد المهداة بمناسبة عيد الاتحاد، لمنحها التكريم، ومن أعضاء اللجنة حينها الشاعر محمد سعيد الرقراقي والشاعر الراحل علي بن مصبح الكندي، وعندما قدمت قصيدتي لهما، طلبا مني إلقائها، وبفضل الله ألقيتها غيباً وبشكل حسن ، فسألني أحدهم: هل أنت عضو بأي من مجالس شعراء الدولة؟ فقلت له: لا، فقال لي: أحضر صورتين شخصيتين وصورة الجواز واعتبر نفسك عضواً في مجلس شعراء المنطقة الغربية التابع لوزارة الإعلام والثقافة، وكانت تلك خير بداية إعلامية لي، خاصة وأن المجلس كان يضم فطاحل من شعراء الإمارات ومنهم الشاعر الكبير صالح بن علي بن عزيز المنصوري والشاعر محمد بن سعيد الرقراقي والشاعر بخيت بن حفيظ المزروعي وغيرهم من الشعراء المتميزين، وبشكل عام كان الاهتمام الإعلامي حينها مقتصرا التصوير التلفزيوني، ونظرا لبداية عمري الزمني والشعري لم أتواصل مع الإعلام كما ينبغي، ولكن بعد النضوج الشعري في الفترة الأخيرة، وكثرة مجلات الشعر الشعبي وظهور الإعلام المقروء المتخصص في نشره، وكثرة الشعراء وأتباعهم المتشاعرين، أصبحت عملية نشر القصيدة مثل عملية طلب الحصول على وظيفة، فإن لم تكن ذا شأن اجتماعي مرموق، أو قريب وصاحب لن يكترث لك مدير التحرير ولن ينشر قصيدتك، بل ينشرها متأخرة وفي ذيل الصفحات، وهذا حال كثير من مطبوعاتنا الشعرية، فبعد محاولة بسيطة اكتشفت ذلك، ولهذا فضلت أن أنأى بنفسي عن استجداء النشر، إلا فيما يتعلق بقصائدي الوطنية والمهداة للشيوخ التي اضطر أيضا إلى إيصالها عبر مكاتبهم الخاصة، حتى يضطر بالتالي مدير التحرير إلى نشرها!
علاقات شخصية
؟ وماذا عن إقامة الأمسيات، هل هي أفضل حالا من وسائل الإعلام؟
؟؟ (يضحك)، بل أسوأ، فالأمسيات الشعرية وكما هو معروف، يتم تنظيمها بناء على العلاقات والاجتهادات الشخصية، وذلك من خلال معرفة الشعراء القائمين على تنظيم هذه الأمسيات، أو من خلال دعوة الشعراء المدعوين لأصدقائهم الشعراء، ودليل ذلك هو تكرار نفس الأسماء والوجوه في كل أمسية على مستوى الدولة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألا يوجد في ساحتنا الشعرية الشعبية بدولة الإمارات سوى هذه الأسماء التي لا يزيد عددها عن العشرين في أفضل الأحوال، وإذا كان ذلك صحيح في بداية الثمانينات، فنحن اليوم في 2005 وظهرت مواهب شعرية يتقاطر شهد كلماتها قوة وعذوبة لفظ ومعنى، فأين حقها الأدبي والمعنوي في الظهور والتعبير وامتاع الناس بالجديد والمختلف وغير المكرر والقديم، وهل يعقل بأن تكون الأسماء في فترة الثمانينات هي ذاتها الأسماء اليوم! ألم يظهر غيرها أحد، ألا يشكك هذا - مع الاعتذار للجميع - في أن دولتنا تمتلك طاقات ومواهب وإبداعات شبابية، وإذا أرجعنا النظر إلى جيراننا من دول الخليج نلاحظ أن هناك ما يقارب الجيلين إلى الثلاثة متواجدة في ساحة الشعر، كما أن هناك أسماء تظهر باستمرار وبشكل متجدد لتغذية الساحة الشعرية بكل ما هو مواكب لها من أساليب وفنون وتستقطب في كل فترة شرائح جماهيرية كثيرة ومختلفة، وهذا ما نفتقده في الساحة الإماراتية التي أصبحت بفعل عقول جامدة فارغة من بروز مواهب شعرية جديدة وجميلة، ولهذا السبب وكنتيجة لهذا الفعل أحجمت جماهير هذه الأيام عن حضور الأمسيات، لذلك نجد أن الملتقيات الكبيرة في الإمارات تدعم وتطعم بشعراء من الخليج لاستقطاب الجماهير والحضور، أما إذا كان الشعراء من الإمارات فإن الحضور لن يتجاوز المقاعد الأمامية·
توحيد الصف الشعري
؟ وما هو الحل في رأيك؟
؟؟ أعتقد أنه يجب علينا جميعاً، الشعراء والقائمون على صفحات الشعر الشعبي ولجانها المنوطة بإقامة الأمسيات، أن نقف وقفة جادة مع أنفسنا، وأن نعمل على توحيد الصف الشعري لهذا المجتمع الإماراتي الأصيل، الذي يحوي تراثه العريق على السمين من بحور الشعر والشعراء و ليس الغث الهزيل، وهذا أقل ما يمكن أن يقدم ويكون عرفانا لقائد هذه المسيرة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'رحمه الله' الذي لم يتوانى في تقديم أي جهد للحفاظ على هذا التراث، وعلى تشجيع الشعر والشعراء، فقد كان فارس الشعر والشاعر الأول في الإمارات، وهذا لن يتحقق إلا عن طريق الابتعاد عن المحسوبيات والشللية، ولعل هذا المثال الذي أورده هنا أصدق دليل على ما أقول، (فبعد أن قمت بإلقاء قصيدة 'كارثة القرن' بعشرة أيام في وسائل الإعلام المرئي والمقروء تلقيت 4 دعوات لإحياء أمسيات شعرية خلال 10 أيام، الأولى في جامعة العين، والثانية في مجمع الرويس السكني، والثالثة في دبي بنادي ضباط الشرطة، وأمسية في أدنوك) بالإضافة إلى إجراء الحوارات ونشر القصائد، علما بأنني لو اجتهدت شخصيا على عمل هذه الأمسيات أو نشر قصائدي بالطريقة الصحيحة العادية في التواصل، فستمضي سنة أو أكثر ولن أقدم شيئاً ولكن الله الموفق·
الهوية الإماراتية
؟ يعد الشعر الشعبي جزء من التراث الشعبي بشكله ومضمونه، ولكنه اليوم يختلف في عصر كثرت فيه الألفاظ الحديثة، ناهيك عن المواضيع المطروقة التي تغير حالها عن تلك التي حاكت أوجه التراث والعادات التراثية، بخلاف ما يلاحظ من انتهاج بعض الشعراء الكتابة بأساليب شعر أقرب إلى النمط السعودي، فما رأيك؟
؟؟ الشعر جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان، سواء كان في الماضي أو الحاضر، لأنه أداة وفن ولغة للتواصل بين الآخرين، وإن اختلفت طبيعة تناوله مع مرور الزمن، فهذا يرجع لاختلاف الزمن نفسه، وبذلك لابد أن يتماشى الأسلوب في اللغة والشكل والمضمون مع شكل وأسلوب العصر، وإن كان المهم أن يحاكي الشعر تجليات الزمن وأن يتفاعل مع أوجه الحياة المتعددة، يبقى المهم هو الحفاظ عليه وتطويره، والأخذ بيد مبدعيه حتى لا يستقر بين المجالس فقط، لأن وسائل الإعلام المعنية بانتشاره كثيرة وأصبحت هي العنصر المنوط به انتشاره ودعمه والحفاظ عليه· أما الحديث عن تغير الشعر الشعبي النبطي أو 'اللهجة الإماراتية' فنستطيع القول أن على الشعراء المحافظة على الهوية الإماراتية في الشعر الشعبي، من روح وكلمة وتعبير وشواهد، وأن لا يغير ذلك الزمن، وأن لا ينجرف شعراء اليوم بتقليد أسلوب الكتابة 'الخليجية'، لأن أسلوبنا وشعرنا الشعبي، والمتمثل 'على سبيل المثال'، بشعر الشاعر الأول في الدولة 'الشيخ زايد طيب الله ثراه'، هو شعر له ميزة ونكهة ولون وطعم مميز بين أنواع الشعر الشعبي في المنطقة، ومن هذا المنطلق نؤيد فكرة أن يبقى الشعر الشعبي جزء وثيق الصلة بالتراث الشعبي الإماراتي شكلا ومضمونا، وإن أردنا الجدة والحداثة في الكتابة فيجب ألا تخرج من روح الشعر والتراث الإماراتي·

اقرأ أيضا