الاتحاد

إمارات الخير

العويس.. فارس الخير والشعر

آمنة الكتبي (دبي)

رحلة إنسانية فريدة، حلق خلالها رجل الأعمال الإماراتي الراحل سلطان بن علي العويس، رحمه الله، بجناحي الخير والشعر في سماء العطاء والإبداع، وترك بصمات واضحة في شتى ربوع الوطن، فهنا سد بناه لتكتسي الأرض من حوله باللون الأخضر، وهناك مدرسة شيدها لتنير العقول وتساهم في صنع المستقبل، وبينهما عشرات المستشفيات ومئات المنازل، وآلاف من الطلاب يتعلمون على نفقته.
وتمتزج هذه الإسهامات الإنسانية الخالصة، مع مبادرات ثقافية وفكرية رائدة أطلقها الراحل في مرحلة مبكرة من عمر الوطن، فكانت منارة تشع أدباً ومعرفة ونورا، أضاء الطريق لأجيال متعاقبة، رفعت راية الوطن عالية خفاقة في مختلف الميادين.
ووراء هذه الإنجازات المحفورة في سجل الوطن، معارك وتحديات صعبة واجهها رجل أعمال أبى إلا أن يكون في الصف الأول، وعندما تبوأ مقعده حيث أراد، فاض كرماً وبذلاً، وامتدت يداه بالخير لإخوانه في الوطن والعروبة والإنسانية.
ولد سلطان بن علي العويس في منطقة الحيرة بإمارة الشارقة عام 1925، وفيها تلقى تعليمه الأولي، ثم انتقل إلى دبي، ونشأ سلطان في بيت علم وأدب، فأسرته معروفة بحبها للثقافة وبإنجابها عددا من الشعراء والباحثين والأدباء، مثل شاعر الإمارات سالم بن علي العويس، والمؤرخ عمران العويس، والأديب أحمد علي العويس وغيرهم، ما أهله لأن يكون فيما بعد نموذجاً إنسانياً وعلامة بارزة في المشهد الثقافي، وشاعرا مميزا من شعراء الإمارات.
ويعتبر العويس من أوائل الذين أدركوا معنى وأهمية المسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال، فمنذ وقت مبكر، رصد مبالغ طائلة للأعمال الخيرية والإنسانية، وأنفق الكثير على تعليم العديد من أبناء الإمارات، وساهم في إنشاء المساجد والسدود والمدارس والمستشفيات في مناطق الإمارات المختلفة، فضلاً عن العديد من الأعمال الخيرية الأخرى وفي مقدمتها مساعدة المتعثرين.
ونذر العويس نفسه ووقته وجهده وماله للعمل الخيري، وأطلق عددا ضخما من المشاريع الإنسانية التي تحمل بصماته، ما جعله نموذجا للعطاء، يفتخر به الإماراتيون ويقدره العرب، ورمزا للبذل والإيثار والتسامح، والوقوف إلى جانب المعوزين وأصحاب الحاجات، ومواساة الفقراء والمحتاجين، والمسح على رأس اليتيم، وإطعام الجائعين.
وانطلق الراحل بأعماله الخيرية إلى خارج الوطن، وساهم بعطائه في تخفيف معاناة المحتاجين وضحايا الكوارث والصراعات، وساهم بفاعلية دعم ومساعدة الفلسطينيين ضحايا العدوان والحصار الإسرائيلي، ومناصرة القضية الفلسطينية. ولأنه رائد من رواد النهضة في الإمارات، في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فلم يكن غريباً أن يكرمه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومن بعده حكام الإمارات، باعتباره قامة مهمة وأحد بناة هذه النهضة الفكرية في الدولة، كما كرمته جامعة الدول العربية ضمن مهرجان تكريم المبدعين عام 1999.
وفي مبادرة تعكس اهتمامه بالأدب والإبداع، أوقف العويس جزءاً من ماله وخصص ريعه لجائزة ثقافية تحمل اسمه وتمنح للمبدعين العرب في مجالات فكرية وأدبية متعددة، وبمرور الوقت تطورت الجائزة لتصبح مؤسسة ثقافية خاصة مستقلة، لها موقع مميز على خريطة الإبداع العربي.
وخص الراحل المؤسسة باهتمام خاص ورعاية كبيرة، فتضاعفت أنشطتها، واتسعت دائرة عملها، وأطلقت العديد من المبادرات والفعاليات والجوائز، وأهمها جائزة ندوة الثقافة التي خص بها أبناء الإمارات، والأعمال التي تتناول القضايا الفكرية والأدبية والاجتماعية في المجتمع الإماراتي.
وحرص العويس على أن تكون مبادراته والجوائز التي تحمل اسمه ذات إطار مؤسسي، وأن ترتكز على قوانين، وتحكمها قواعد تضمن استمرارية نشاطها، وطبق هذا على مؤسسته الثقافية التي تحمل اسمه، حيث حرص على أن تكون وقفاً من البداية، واختار لها مجلس أمناء، سار بها على الطريق الصحيح، وقادها باقتدار نحو الأهداف التي أنشئت من أجلها، فنهضت بدور رائد في الحياة الثقافية على المستوى العربي، حتى بعد غياب العويس عن المشهد الثقافي.
وللراحل باع طويل في المجال الاقتصادي، فقد شارك في تعزيز أرضية البناء والتطوير في الدولة، ومن أهم أعماله التي الخالدة في سجل الحياة الاقتصادية الإماراتية، دوره في تأسيس بنك دبي الوطني، وترؤسه مجلس إدارته سنوات طويلة، حقق البنك خلالها أرباحاً كبيرة، وحقق إنجازات يشار لها بالبنان في عالم الاقتصاد، أكسبته شهرة عالمية واسعة، وأتاحت له افتتاح فروع في عشرات الدول.
والعويس أحد مؤسسي غرفة تجارة وصناعة دبي، وكان عضوا في مجلس إدارتها لعدة دورات، كما ترأس مجالس إدارة العديد من كبرى الشركات المساهمة، وحمل عضوية شركات أخرى.
تميز سلطان العويس، بصفات كثيرة، ولكن التواضع كان أبرز خصاله وأهمها، فقد كان بسيطا للغاية مع الجميع، خصوصا الفقراء وذوي الحاجات رغم مستواه الاجتماعي والاقتصادي، ورغم ما ملك أو أنجز، وكان تواضعه الشديد سبباً رئيساً، في عدم إعلانه عن شاعريته، وعزوفه عن إلقاء قصائده أمام الناس، بمن فيهم أصدقاؤه الشعراء والأدباء في بلاد الشام، حتى اكتشفوا مصادفة أنه شاعر كبير فاحتفوا به وبإنتاجه الشعري. وكان العويس، عصامياً، بكل ما تحمل الكلمة من معان وقيم وأخلاق واجتهاد وطموح، وبنفس الدرجة كان خيرا معطاء، مما جعله غنيا بين الناس، على المستويين المادي والمعنوي، فهو صاحب ثروة كبيرة وأملاك ومشروعات، وفي نفس الوقت له رصيد ضخم في بنك العطاء بأعماله الإنسانية، ويأتي تمكنه من ناصية الشعر ليضيف لشخصيته عمقاً وتألقاً.

اقرأ أيضا