الاتحاد

الملحق الثقافي

بيضة الديك

درج بعض المشتغلين بالأدب على قراءة الشعر لاستخلاص صورة الحياة الاجتماعية منه خلال العصور المختلفة، وفي تقديري أن الصورة المجسمة التي نطالعها دوما في الشعر هي تقاليده الخاصة، ومواريثه المتداولة، وحيوات شعرائه وبواطنهم· إن براعة التعبير الشعري تمثل لونا من السلوك الدال، وحرية التصوير تضيف إلى حرية المجتمع، وتقوم بتطوير علاقاته باختراق عاداته وفتح آفاق جديدة لها، ولكي لا نتوقف عند الفكرة النظرية نقرأ نموذجا لها في شعر بشار بن برد، وقد كان من صناع التقاليد الشعرية الجديدة في العصر العباسي وأسهم في تطوير البيئة العربية بثقافته الفارسية المزدوجة، لنقرأ قوله مثلا:
يا منية النفس إني لا أسميكِ
أكني بأخرى أسمّيها وأعنيكِ
أخشى عليك من الجارات حاسدةً
أو سهم غيران يرميني ويرميكي
لولا الرقيبات إذ ودعت رائحة
قبّلت فاكِ وقلت النفس تفديكِ
نلاحظ أولا أن عبارة الاستهلال البسيطة قد صنعت تاريخا تعبيريا في الشعرية العربية، حتى جاء عزيز أباظة ليستهل بها أيضا قصيدته الجميلة ''همسة حائرة'' وخلدها وعمّق أثرها في الوجدان محمد عبد الوهاب وهو يشدو ''يا منية النفس''·
الشاعر يتحايل، أو يكشف عن تحايله تجاه عادة عربية قديمة هي إخفاء اسم المحبوبة ضنا به وصيانة لها من الابتذال والتداول الذي قد يفضي إلى العار· وقد عبر بشار عما تبقى في ضمير المجتمع من هذه الطقوس؛ حيث أصبح الحسد والغيرة هما المحركان النشطان لقيم الشرف، حسد الجارات اللوائي لا يرتفعن في الحسن والجاذبية إلى مرتبة المحبوبة، فيسلقنها بألسنة حداد، لا خوفا على شرف العشيرة وإنما غيرة وحسدا· وكذلك يفعل الرجال في التنديد بالمحب غيرة منه، لا نخوة ولا شهامة· هكذا يكشف بشار ببصيرته الناقدة طوايا المواقف النفسية والمجتمعية وغلبة التظاهر عليها بتلقائية تفضح المستور وراء العادات المستقرة·
ولا ريب أن انتماءه الثقافي المغاير كان سببا في هذه الجرأة التي كلفته حياته وهو يصرح هنا بأنه لولا ''الرقيبات'' (النساء أشد محافظة في العادة من الرجال) لقبّل صاحبته عند الوداع وفداها بنفسه قبل أن يكمل أبياته قائلا:
يا أطيب الناس ريقا غير مختبَر
إلا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا زورة في الدهر واحدة
بالله لا تجعليها بيضة الديك
يا رحمة الله حلي في منازلنا
حسبي برائحة الفردوس من فيك
وتأتي جملة ''ياأطيب الناس'' لتقدم صيغة أخرى بليغة في الخطاب سوف يوظفها أبوالطيب المتنبي في قوله:
يا أعدَلَ الناسِ إلاَّ في مُعامَلَتي
فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ
أما أن ريق المحبوبة لم يختبره بشر، ولا يشهد بطيبه إلا طرف المسواك الذي يلمسه فهذا من أطرف الصور الشعرية، واستعطافه أن لا تكون الزيارة التي قامت بها بيضة الديك في ندرتها وعدم قابليتها للتكرار، وضراعته إلى رحمة الله أن تحل في منزله، ثم إثارته لنفحات الفردوس في فم الحبيبة، كل ذلك من بدائع بشار في الشعر والحرية والجمال

اقرأ أيضا