الاتحاد

دنيا

معرض دبي الدولي لفن الخط العربي ثلاثة أجيال في نسبٍ واحد


محمد عبد ربه علان:
لقد ربطت دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي بمهارة بين عمليتي التسويق التجاري في العمل الجاد والتثمير من جهة وبين أدبيات الحياة في أرقى وأسمى إبداعاتها وأشرف الفنون البصرية في حضارتنا الإسلامية من جهة أخرى، وذلك بإقامة معرض دبي الدولي لفن الخط العربي في دورته الثانية· وجاء هذا منسجماً بالتنسيق مع مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) في استانبول ومؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية التي احتضنت المعرض، وبذلك تكاتفت جهود مؤسسة دولية ودائرة حكومية ومؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني في أحسن ما يكون التعاون ومشاطرة الجهود·
جاء هذا المعرض ضمن حزمةٍ من النشاطات الفنية المتواترة في البلاد، مستهدفة نشر الوعي الفني الذي يفضي إلى حال وجدانية منشؤها استحسان فعلٍ أو قولٍ أو مشهد ظاهر المزية من جانب وخفيها من جانب آخر، ولا يتأتي ذلك إلا بمطالعة الأعمال الفنية النفيسة، وإمعان النظر والارتياض فيها· وفي هذا السياق يقول الخطاط التركي المعروف مصطفى عزت قاضي العسكر:
'إن من يطالع لوحة خطية كمن يشم عبير زهرة'، وها هو فن الخط يستأنف رحلته، بعد أن طوي بساطه، ووهى نسيج حاله بضعة عقود على إثر ما حدث في أيام نحسات من الثلث الأول من القرن الماضي، فأمحل حقله إلا من حامد وحليم ومحمود يارز وبضعة خطاطين في أنحاء أخرى من العالم الإسلامي·
خمسة وعشرون خطاطاً وخطاطة جمعهم الخط والقرطاس والقلم في وشيجة الانتماء إلى دوحة الخط، وفى هذا يقول الشاعر:
رب مفترقين قد جمعت
قلبيهما الأقلام والصحف
وقبل أن أشرع في سرد التفصيلات لا بد أن أقول: إن اللوحة جمع مؤتلف ومنسجم من حروف المباني، وهي كل لا يتبعض لأنها بنية متكاملة، وبالتالي هي مكونة من نص وقلم وحبر وورقٍ، ونقدها يكاد يكون أصعب من كتابتها، خاصة عندما يكون النقد منصفاً وموضوعياً ومؤسساً على الدراية بالخط وأعلامه وأنسابهم الفنية وآلية كتابته، وشواهده وتاريخه، والمعرفة باللغة ونحوها وصرفها، والإطلاع على مراجع الخط وتطوره وهندسة اللوحة وهيئتها العامة وفضائها والنسبة بين المساحة الكلية والمنطقة المشغولة وتناسب الهوامش والزخرفة مع العناصر المكونة لها وإبعاد السطور والمد والقصر والوصل والفصل والمسافات البينية اجتناباً للاستغلاق والظلمة، وكذلك الألوان المستخدمة وتقنية استخدامها·
أوزجاي وعروسه
وبالتجوال في ردهة المؤسسة، وبمطالعة اللوحات المعروضة وعددها مئة لوحة، رأى الجمهور فناً راقياً وجهداً موصولاً، وإذا ما بدأت في الاقتراب منها واستهللت حديثي عن لوحة التسويد (القره لمة) التي كتبها الخطاط محمد محمود اوزجاي أقول إن لوحة التسويد عموماً هي استقراء لقدرات الخطاط أو إرهاص يقود إلى معرفة ما كان ينوي كتابته بالتمرين هذا قبل شروعه في تنفيذ مشروعه الفني، وهي تعاقب الإيقاع المحسوب بنقاط (مسافات)، وبأوزان محددة، وبالتالي دراسة أكاديمية لفقه الخط وأصوله، فكانت معزوفة موسيقية، ولوحة حروفية مقننة ومحكمة (بتشديد الكاف) قائمة بنفسها، وكاتبها خطاط ثبت كثير التحقيق فيما يكتب، وهو قيم بخط النسخ على وجه الخصوص، ويحتج بأعماله في زماننا هذا، وأما لوحته خطبة الوداع بقامتها الممشوقة ودقة حروفها ونظافتها ووفور قواعدها، كانت كالعروس المجلوة خطاً وزخرفة وإخراجاً·
شيرازي·· طول نفَس
أما أعمال الخطاط كرم علي شيرازي في التعليق الجلي، فقد بان فيها طول نفسه (بفاء مفتوحة)، وقوة مائه وثبات يده وبكورة امتدادات حروفه، وشهقات قلمه في انعطافاته، وإحكام الحوافي في مقاطعه، وإسقاطها في مواقعها، ورشاقة حركة يده وخطفاتها عند كعوب الراءات والواوات، وسلس مداده حتى ليكاد يشف ما تحته لرقة حاشيته، وعندما كتب أمام جمع من الخطاطين والمهتمين بفن الخط جاءت حروفه ثقالاً تواليها خفافاً خصورها· ولا عجب في ذلك فقد تخرج شيرازي من تحت قلم أستاذه غلام حسين أمير خاني·
وإذا ما انعطفت يسرةً رأيت رائعة عثمان اوزجاي (لوحة التوحيد) وقد شاع فيها اللين والندى، وثبات اليد، وقوة الإحكام، ولا يخفى أثر محمد نظيف - صاحب الفرائد - في أعماله·
أما داود بكتاش فقد جلى عن نفسه في لوحتيه: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى)، و(اليد العليا خير من اليد السفلى)· أسبغ فيهما حبره، وانقادت له الحروف مصقولة الأطراف طوعاً، فأخرجها مخرج الوضاءة والسطوع·
وتأتي لوحات الخطاط الفذ غلام حسين أمير خاني صاحب قدم سبقٍ في التعليق، بحروفٍ مسفرة الوجوه قرب جناها وبعد منتهاها في دقةٍ وحسن توزيع·
وغير بعيد تصافحك لوحات الشيخ حسن جلبي بحروف راسية القرار، ريانة الثنايا، أرساها في لوحة (رأس الحكمة مخافة الله)، وقد أثرى المعرض بخبرته في الخط والتاريخ، ولم يذخر معلومة عن سائليه· وأخيراً يأتي إبداع محمد فؤاد بشار في آية الكرسي المبسملة ذات الوشاحين·
مفاجأة المعرض
وكان من بين المشاركين ثلاثة شكلوا عنصر المفاجأة في المعرض، وهم:
؟ جواد خوران الذي تتلمذ بداية لدى الخطاط حاكم غنام ثم، التحق بمدرسة محمد اوزجاي آخذا بنصيحة أستاذه الأول، فأينعت أعماله وخرجت حروفه منضدةً، مترسماً فيها خطا أستاذه الثاني في لوحة 'الحمدلله' وعطلها من الزينة، فزاحم بمنكب عالٍ كبار الخطاطين·
؟ احمد أمين شمطة في لوحة 'سلام قولاً من رب رحيم' بالثلث الجلي، في التركيب السائغ، ودقة الحروف، وخلجات القلم، وحلاوة النسخ، وموضعة النصوص، وخلوها من التصحيح الصريح·
؟ أحمد فارس رزق في لوحته (يا أيها الناس······ الآية) بالتعليق الجلي وبالمداد البني، وفيها اقترب من مستوى الخطاطين الإيرانيين في التعليق، ولا أنسى جمال تركيبه في لوحة الثلث الجلي 'ألم يأن······· الآية) لولا ما شابها من التصحيح البائن·
مشاركات إماراتية
وأسهم من أبناء الوطن في هذا المعرض الخطاط محمد مندي التميمي، الذي استأنس بقدراته، فسهل عليه تحديد مساره، وبلوغ هدفه في لوحات تسجيلية ارتبطت بالراهن من حادثات العصر، مثل مرثية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع في فقيد الوطن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - نضر الله ثراه - بالديواني ولوحة (الناس كالمعادن) على أرضية استوحاها من ملامح الحجر شبه الكريم فأسقط عليها حروفه·
كما شارك الخطاط حسين السري الهاشمي في المعرض، بلوحات جانب فيها خط الثلث والنسخ اللذين وسم بهما، وقدم لوحة البسملة بالديواني الجلي وبلون التركواز الجميل، وأخرى بالتعليق الجلي (خير الزاد ما ينفع العباد) جافى فيها عدالة القسمة في حجم الحروف، وركز على كلمة خير، وهي علة اللوحة وعنوانها·
وقدم عبيدة البنكي من ضمن أعماله حليتين اثنتين في شمائل ومحامد الرسول (ص)، أحلولى فيها نسخة المكتنز وقد ذكرني بنسخ عارف البقال·
؟ حاكم غنام في لوحته (وأيوب······ الآية) بلون مدادها البني، وتركيبها الذي وفق فيه، وصلاح شيرزاد في لوحة (آية الكرسي) بالثلث الجلي وقد أجاد فيها· وتاج السر حسن فى لوحته (الفاتحه) بالديواني، وزاوج فيها بين السطور بمهارة مستثمراً قدراته فى التشكيل· ومحمد فاروق الحداد بلوحته (والله يدعو الى دارالسلام) بالديواني الجلي بتركيبها الجميل، ومحمد النوري بلوحته (لو أنزلنا····· الآية) بخط الديواني الجلي، وأخرى (وعسى أن تكرهوا······ الآية) بالديواني الجلي وبحبرها القرمزي الشف، فكانت حروفه كالزهر تفتح عن أكمامه· ووسام شوكت في لوحته (والذين احسنوا·········· الآية) أظهر قدرته على ضبط حروف الثلث الجلي، فاحسن تركيبها واخراجها، ويعقوب إبراهيم بنسخه الدقيق المميز في لوحة (واذكر في الكتاب مريم······· الآية)·
وفي ركن حمل عنوان مواهب من الإمارات، كان تأسيسه التفاتة رائعة من قبل القائمين على المعرض، عرض خطاطون وخطاطات من أبناء الوطن مجموعة من أعمالهم، وبإسهامهم في المعرض بجانب أساتذة هذا الفن، كانت لهم فرصة مواتية للاحتكاك بهم والإطلاع على أسرار الخط وخفاياه، وضم الركن أعمالاً لعبد الله الحامد تلميذ حسين السري وعلى إبراهيم وفاطمه سعيد تلميذة صلاح شيرزاد وماجدة سليم المازم، ونرجس نور الدين تلميذة خالد الساعي· ولعلها أولى درجات مرتقى فن الخط الماجد يجتازونها بصبر وروية وأناة·
المعرض في الميزان
في مجال التعددية والتنوع والأنساب الفنية، شارك في هذا المعرض خطاطون وخطاطات ومزخرفون ومزخرفات وشيوخ الخط وأساتذته وتلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم مثل الشيخ حسن جلبي وتلاميذه: غلام حسين أمير خاني وداود بكتاش وعبيدة البنكي وحسين السري، وفؤاد بشار وتلميذاه محمد اوزجاي (وتلميذه جواد خوران) وعثمان اوزجاي، وباقتفاء أثر السلسلة، تبدو منظومة ثلاثة أجيال في نسبٍ فني وفي نسقٍ واحد·
كما شارك في المعرض أربعة من الأساتذة هم أعضاء في لجان التحكيم، ثلاثة في مسابقات إرسيكا وهم: حسن جلبي وغلام حسين أمير خاني وعبيدة البنكي، ورابعُ في ملتقى الشارقة الدولي وهو حسين السري الهاشمي· وثلاثة ممن شاركوا في المعرض مجازون من لدن آخر فحول الخطاطين الأتراك - المرحوم حامد الآمدي - وهم حسن جلبي وفؤاد بشار، وصلاح الدين شيرزاد·
وبإحصاء سجل الجوائز، فإن سبعين في المائة من المشاركين قد فازوا بجوائز متفاوتة المراتب في مسابقات إرسيكا التي جرت في العقدين الماضيين، بالإضافة إلى جائزة العويس للدراسات والابتكار، وجائزتي عبد الرحمن العويس ود· أنور قرقاش (للاقتناء) وغيرها من المسابقات·
كما شارك في المعرض اثنان من الخطاطين هما عبيدة البنكي ويعقوب إبراهيم في مسابقة قطر الدولية لكتابة القرآن الكريم·
وفي الإعداد المسبق للمعرض، وتجهيزه وما يتبع ذلك من ترتيبات ومطبوعات، فإنه جاء في موقع التثمين والتقدير، والقائمون عليه نهضوا بأعبائه على وجه مرضٍ، غير انه بالتدقيق والتأمل في بعض اللوحات المعروضة، تبين أنه كان في وسع خطاطيها وفى مقدرتهم أن يقدموا أعمالاً أفضل، لو منحوا وقتاً أطول كسنةٍ مثلاً لأن آثار العجلة بادية، يدل على ذلك التصحيح، ونقصُ ما اعتور بعض اللوحات·
ورغم أن التصحيح أمر مشروع في تقنيات الخط، ولكن في حدودٍ معينة وأجزاء محددة من اللوحة، وذلك بإزالة آثار دفق الحبر أو الشوائب التي تقع على اللوحة أثناء كتابتها، وفى إمكان الخطاط أن يزيل هذه الزوائد والشوائب دون اقتطاعٍ من اللحم الحي للحرف، وإلا ظهر الحرف مغسولاً، وقد ذهب التصحيح ببكورته وروائه، فاقترب من شكل خط الحاسوب، كما أنه لا يجوز تحريك حرف أو شكله أو نقطة من موقع إلى آخر تاركاً وراءه آثار الحك التي تؤذي إهاب الورقة، إذ أن اللوحة قلم وحبر وورق وجهد ينال من أعصاب الخطاط وصحته فلا ينبغي أن يذهب عناؤه باطلاً·
كما أنه لا ينبغي أن يستقر في الأذهان أن اللوحة يجب أن تكون مزخرفة أو مذهبة، فالأمر غير هذا، إن لوحات الثلث والثلث الجلي والنسخ تحتمل التذهيب والزخرفة، وبقية الخطوط، قد تكتفي بالزخرفة (الهالكار) أو الابرو، وقد تعطل اللوحة من الزخرفة تماماً، وفيها من جمال الحروف والتركيب ما يغنيها عن الزخرفة·وهناك مسألة أخرى، هي أن للزخرفة هدفاً هو تجميل اللوحة وإثراؤها، ولهذا يجب أن تكون متقنة، ومبلورة الألوان، لا تتجاوز الألوان حدود رقعتها المرسومة لها، وإن تعذر ذلك لسبب ما، فعندي أن اللوحة قد استغنت بجمالها الخطي من حروف ومقاطع متقنة السبك وتركيب متناصف القسمة· حيث أن لكل شيء حداً، إذا تجاوزه المتجاوز سمي مفرطاً، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه·ومع هذا كله فإن المعرض اشتمل على لوحات طالعها المشاهدون وطالعتهم، وأثرت الساحة الفنية بأعمال جياد، دار حولها نقاش وحوار بين العارضين أنفسهم، والزوار من المهتمين والقائمين على شؤون الفن عموماً والخط خصوصاً، والمشاهدات الواقعية والورش الفنية، وعروض الشرائح الشفافة والمحاضرات المصاحبة للمعرض·وفى غمرة الإمتاع البصري بجماليات الفن، ومعايشة الخطاطين، وقدسية النصوص، نذكر بالفضل والعرفان الجهات التي أسست للمعرض ونهضت بأعبائه· أما وقد نجح المعرض فإن الأمل معقود في أن تتلوه نجاحات في معارض أخرى تسهم في إقامتها مؤسسات المجتمع المدني، وذوو اليسار من أبناء البلاد، وعندها يبدع الخطاطون ويفرح الوطن فهل إلى ذلك من سبيل؟·
باحث في فن الخط العربي

اقرأ أيضا