الاتحاد

الملحق الثقافي

غزة وأطفال سارتر

في مثل هذه الأوقات المتفجرة التي يصل فيها الدم المسفوك، ذروةَ غزارته وسطوعه، رعبه وبراءته، مصحوباً بسيل جارف من التهريج السياسي في مستواه العربي خاصةً، ذاك المتجسد بشكل أضحى نمطيا جاهزا في بيانات الشجب والاستنكار والتذاكي، يختلط فيه الحابل بالنابل لتغطي ظلال جعجعته اللفظية وبلاغته الكاذبة، ساحة المجزرة المروعّة وتكاد تنسينا الحدث· ربما من فرط هول المشهد العبثي على قسوته وفظاعته، يكون الصمت المدلهم أحياناً خيراً من المشاركة في هذه الوليمة الباذخة للكلام المجاني المسفوح بموازاة الدم المُراق في كل زاوية ومكان·· لكن الخيارات جميعها صعبة ومربكة··
هكذا هي الحال العربيّة، مجزرة تلي أخرى وحروب تتناسل على نحو يفضح أكثر فأكثر، أزمنة الانحطاط الشامل، سواء حروب الأهل، أو مع الأعداء، التي تخوضها غالباً جماعة بعينها مفصولة بالضرورة عن الجسد العربي الممعن في التمزق والانهيار، وان كانت موصولة المشاعر والخراب··
ما يحصل في غزة الآن من حرب إبادة يندى لها جبين العرب والبشرية جمعاء، هذه البشرية التي يمعن القـَتـَلة الأقوياء بفعل تطور العقل العلمي، في استئصال ما تبقى من مكاسبها الأخلاقية والروحيّة، ليستحيل التاريخ إلى ركام من الهوان والعار والفلتان الوحشي للغرائز··
غزة حلقة أخرى، سليلة حتميّة لانحدار التاريخ العربي والفلسطيني الذي وصل منذ زمن إلى أعماق السؤال الأكثر خطورة واحتداماً، سؤال التاريخ الكبير في البقاء الحقيقي الكريم على هذه الارض الثكلى، أو التلاشي والانقراض؟
الفيلسوف الفرنسي (سارتر) قال: إن كل حروب العالم لا تساوي دمعة طفل·· لكن طفل (سارتر)، لم يعد موجوداً كي تدمع عينهُ·· لقد استله القتلة الصهاينة من أحشاء أمه المذبوحة وقذفوا به في جحيم البركان التكنلوجي··
في هذا السياق المأساوي نتذكر شاعر الشعر، وشاعر الملحمة الفلسطينية النبيلة، محمود درويش في قصيدته ''أحمد الزعتر'' فما أشبه الليلة بالبارحة وإن اختلفت بعض عناصر الاصطفاف في هذا الديكور الوحشي·
أقول الديكور، لأن العقل السياسي العربي، يضاف إليه هذه المرة الإيراني الطامح إلى احتلال الواجهة الزعامية والإعلامية أو ما يوحي بذلك، دعكَ من الدولي، لا يريد من الدم الفلسطيني المُراق من الوريدِ الى الوريدِ إلا ورقة لتحسين شروط تفاوضه مع القوى الكبرى الماسكة في نهاية المطاف، بعناصر الهيمنة والقوة والمعرفة··
نازلا من نحلة الجرح القديم
الى تفاصيل البلاد
وكانت السنة
انفصال البحر عن مدن الرماد
وكنت وحدي
آه يا وحدي
وأحمد··
مخيم ينمو
وينجب زعتراً ومقاتلين
وساعد يشتد
في النسيان

اقرأ أيضا